أوكسجين المال وتشتّت المعارضة: من يفكّك دويلة البارود والميكروفونات؟
نانسي اللقيس
في زمن الانهيار المدوّي الذي هوى بـ لبنان إلى قاع الاحتضار، باتت "السيادة" تحت وصاية محور الممانعة تختزل في شاحنة متفجرات عابرة للحدود والمناطق، تجوب الطرقات جهاراً لتوزع الموت وتذكر اللبنانيين بأن دولتهم ما عادت سوى رهينة مقيدة الإرادة ومسلوبة القرار.
وبينما ترزح قرى الجنوب تحت وطأة نزوح مهول يمزق الأوصال، ويشرّد العائلات، ويدمر النسيج المجتمعي بعد أن تحولت البلدات إلى ثكنات عسكرية ومخازن صواريخ بين الأحياء السكنية، يمعن نواب هذا المحور في انفصامهم المطلق عن الواقع؛ يصطفون أمام الميكروفونات ليتاجروا بآلام الناس، عازفين سمفونية انتصارات وهمية على ركام المنازل ودماء المهجرين، في استعراض عبثي لا يبصر في أنين الضحايا سوى تفصيل صغير يُستثمر في أتون الأجندة الإقليمية.
ولقد بلغ هذا التخبط الميليشياوي ذروته حين انبرى النائب حسن فضل الله ليهدد مؤسسات الدولة وقياداتها، مطالباً الأجهزة الشرعية والقضائية بالتراجع والرضوخ، في مشهد ساطع يكشف عن فصيل يتعالى على القانون ويرفض الانصواع تحت عباءة الدولة والشرعية. هذا الخطاب المتعجرف، الممهور بصراخ جوقة النواب الذين امتهنوا قذف الاتهامات، يسعى لفرض معادلة قسرية قوامها "إما الإذعان المطلق وإما الفوضى الشاملة"؛ وهي مقامرة كارثية اكتوى بنيرانها أبناء الطائفة الشيعية قبل سواهم، إذ جرى عزلهم عن محيطهم الطبيعي وحرمانهم من مظلة الدولة العادلة لزجّهم في بوتقة من العزلة الخانقة.
لقد أضحى اختطاف القرار الشيعي واحتكار تمثيله بقوة السلاح والترهيب المباشر والضغوط الاجتماعية المدخل الأساسي لتقويض الشراكة الوطنية وقضم سيادة البلاد برمتها، عبر السطو الممنهج على مقدرات المؤسسات، وتجيير المساعدات الخارجية لترسيخ النفوذ الحزبي وغسل شرعية السلاح السائب على مأدبات الغداء الدبلوماسية.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، جاء البيان المزلزل والصريح الصادر عن أهالي بعلبك الهرمل الأحرار ليحطم هذا البازار السياسي؛ إذ تساءل أبناء البقاع بمرارة بالغة عن التناقض الصارخ بين العقوبات الدولية والأميركية الصارمة التي تلاحق قنوات الحزب وتجفف منابعه المالية، وبين المشهد الدبلوماسي الملتبس الذي تمثل في زيارة السفير الكويتي لوضع حجر الأساس لمستشفى حربتا الحكومي، محاطاً برموز الممانعة، تعقبه مأدبة غداء صاخبة مع شخصيات تحوم حولها شبهات تمويل هذا السلاح المتفلت. هذا الموقف المتقدم جاء ليقطع دابر المناورات، مؤكداً أن كرامة الناس وحاجاتهم الإنمائية ليست هبة أو منّة من أحد، ولن يُسمح بأن تتحول إلى وقود لتبييض صفحة النفوذ الحزبي دولياً تحت يافطة المشاريع الإنسانية.
ومع ذلك، تفيد كافة المؤشرات والمعطيات بأن درب كسر هذه الهيمنة وتفكيك الدويلة الموازية ما زال طويلاً ومحفوفاً بالأشواك؛ ومن الجلي أن حسم هذه المواجهة مؤجل طالما تواصل العواصم العربية – وفي طليعتها قطر والكويت – ضخ أكسجين الحياة السياسي والمالي في شرايين هذا المحور، عبر تمويل مشاريع يتصدرها ويدير مفاصلها أقطاب الممانعة. ورغم قتامة العتمة، لا بد لليل الهيمنة أن ينقشع؛ إذ تكمن العلّة الجوهرية لاستمرار هذا النفق المظلم في تشتت صف المعارضة الشيعية السيادية وعجزها عن توحيد رؤيتها. فلو توحدت هذه المعارضة، من أصغر مواطن شيعي أبيّ إلى أرفع قامة فكرية وسياسية، لكانت قادرة على زلزلة مشروع حزب الله وتعرية شرعيته المصطنعة؛ بيد أن طماح البعض نحو الزعامة الزائفة والمكاسب والوجاهة الضيقة، أبقى الطائفة رهينة والوطن مستباحاً، بانتظار صحوة ضمير وطنية حقيقية تضع حداً نهائياً لهذه المأساة المستمرة.
كاتبة وباحثة
نبض