د. علي عيسى - باحث متخصص في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي
لم تعد أزمة أوروبا مقتصرة على ارتفاع أسعار الطاقة أو تباطؤ النمو أو اضطراب التوازنات السياسية في عواصمها الكبرى. فخلف هذه الأزمات تتشكل معضلة أعمق تتعلق بموقع القارة في النظام الدولي، وبقدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة عن الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية والأمنية التي تتحملها.
تدفع أوروبا اليوم كلفة حربين مختلفتين: حرب أوكرانيا التي تعتبرها مرتبطة مباشرة بأمنها، والحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي تتحمل جانبًاً من تداعياتها من دون أن تكون شريكاً في قرار إطلاقها أو طرفاً حاسماً في تحديد شروط إنهائها.
تكشف هذه المفارقة عن اختلال متزايد في العلاقة الأطلسية: فالولايات المتحدة تحتفظ بقدرة المبادرة العسكرية وتعديل أولوياتها السياسية والاقتصادية، بينما تجد أوروبا نفسها مطالبة بالتكيف مع نتائج قرارات لا تملك تأثيرًا مماثلًا في صياغتها وهنا تكمن الأزمة السياسية الحقيقية: أوروبا لا تعاني فقط من ارتفاع كلفة تبعيتها الاستراتيجية، بل من اتساع الفجوة بين حجم ما تتحمله من أعباء وقدرتها على التأثير في القرارات التي تنتج تلك الأعباء.
من أزمة الطاقة إلى أزمة السيادة
منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، سعت أوروبا إلى إعادة بناء منظومتها الطاقوية وتقليص اعتمادها على الغاز الروسي. وقد حققت تقدمًا في تنويع الموردين، لكنها انتقلت في المقابل إلى اعتماد أكبر على سوق الغاز الطبيعي المسال، بما تحمله من تعرض للمنافسة العالمية واضطرابات الممرات البحرية.
وجاءت أزمة هرمز لتكشف هشاشة هذا التحول. فالقارة التي أرادت حماية أمنها الاقتصادي من النفوذ الروسي وجدت نفسها معرضة لتداعيات مواجهة عسكرية في الخليج، تتأثر بها أسعار الغاز والنفط والتأمين والشحن.
وفي قمة 15 و16 تشرين الأول، وضع القادة الأوروبيون أسعار الطاقة والقدرة التنافسية في قلب نقاشاتهم، إلى جانب أوكرانيا والدفاع والأمن. وقد أظهر ذلك مدى الترابط بين الأزمات الاقتصادية والاستراتيجية التي تواجه الاتحاد، لكن القضية تتجاوز فاتورة الطاقة. فالاستقلال الاقتصادي لا يتحقق بمجرد تغيير المورد، إذا بقيت الدولة عاجزة عن التأثير في الظروف السياسية والعسكرية التي تحدد أسعار وارداتها.
لقد نجحت أوروبا نسبيًا في تنويع مصادر الطاقة، لكنها لم تحقق استقلالًا مماثلًا عن الصدمات الجيوسياسية. وهكذا انتقلت من مشكلة الاعتماد على مورد محدد إلى مشكلة التعرض لأسواق عالمية تتحكم في استقرارها قوى وصراعات خارج نطاق القرار الأوروبي.
واشنطن تقرر وأوروبا تتحمل النتائج
يبرز التناقض الأطلسي بوضوح في قرار الإدارة الأميركية تخفيف العقوبات مؤقتاً عن الديزل الروسي، وهو القرار الذي عبّر المجلس الأوروبي رسمياً عن أسفه حياله في تشرين الأول.
ففي الوقت الذي تواصل فيه أوروبا دعم أوكرانيا وتشديد الضغوط الاقتصادية على موسكو، تسعى واشنطن إلى احتواء تداعيات أزمة الطاقة على أسواقها الداخلية.
من منظور أميركي، يمكن تفسير هذه السياسة بمحاولة الموازنة بين أدوات الضغط على روسيا ومتطلبات استقرار أسعار الوقود. أما أوروبيًا، فإنها تطرح مشكلة استراتيجية: كيف يمكن بناء سياسة عقوبات طويلة الأمد إذا كان الشريك الأقوى قادرًا على تعديل بعض قواعدها عندما تتعارض مع أولوياته الداخلية؟
و لا يعني ذلك تفكك التحالف الغربي أو انتهاء التعاون بشأن أوكرانيا، لكنه يكشف أن المصالح الأميركية والأوروبية ليست متطابقة دائمًا، حتى عندما تتفق العواصم على الأهداف العامة ولكن الأخطر بالنسبة إلى أوروبا أن هذا التباعد يحدث في وقت لا تزال فيه تعتمد على الولايات المتحدة في جوانب حاسمة من أمنها العسكري وبذلك تتشكل علاقة غير متوازنة: تحتاج أوروبا إلى واشنطن لحماية أمنها، لكنها لا تستطيع ضمان أن تتطابق القرارات الأميركية مع أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية.
أزمة أوروبا السياسية: من يدفع ثمن الأمن؟
تتجلى الأزمة الأوروبية بصورة أكثر خطورة عندما تنتقل كلفة التوترات الدولية إلى السياسة الداخلية، فالحكومات مطالبة اليوم بزيادة الإنفاق الدفاعي، ومواصلة تمويل أوكرانيا، وحماية اقتصاداتها من ارتفاع الطاقة، وإدارة أعباء الدين والإنفاق الاجتماعي، في وقت تواجه فيه قطاعات واسعة من المجتمعات الأوروبية ضغوطًا متزايدة على القدرة الشرائية والخدمات العامة، وهنا لا يعود السؤال اقتصاديًا فقط، بل يصبح سؤالًا عن شرعية الخيارات السياسية وأولويات الإنفاق.
في ألمانيا، يواجه الوسط المحافظ منافسة متصاعدة من حزب "البديل من أجل ألمانيا"، الذي يستفيد من تراكم الاعتراضات على السياسات الحكومية والهجرة والأوضاع الاقتصادية. وفي فرنسا، تزيد أزمة الموازنة وصعوبة بناء أغلبية سياسية مستقرة من هشاشة السلطة التنفيذية. أما في دول أوروبية أخرى، فتتزايد الاحتجاجات المرتبطة بكلفة المعيشة والسكن والخدمات العامة، وقد وثقت تقارير حديثة اتساع الاحتجاجات الاجتماعية في عدة دول أوروبية، وإن اختلفت أسبابها المحلية ومساراتها السياسية.
وليس صحيحًا أن الحرب في الخليج صنعت هذه الأزمات؛ فجذورها أقدم وأكثر تعقيدًا. لكنها تضيف إليها عامل ضغط جديدًا، وتقلص قدرة الحكومات على التوفيق بين التزاماتها الخارجية والمطالب الاجتماعية الداخلية.
من المهم الانتباه الى أن الخطر السياسي على أوروبا لا يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة وحده، بل في احتمال اتساع الهوة بين النخب التي تتحدث بلغة الضرورات الاستراتيجية والمجتمعات التي تقيس نتائج السياسات بمستوى المعيشة والاستقرار الاجتماعي، وعندما تتكرر هذه الهوة، تصبح السياسات الدفاعية والخارجية نفسها جزءًا من الصراع الداخلي على السلطة.
أوروبا بين أوكرانيا والخليج: أمنان وأولويات متعارضة
من المسلم به أن أوروبا تعتبر الحرب في أوكرانيا مسألة أمنية وجودية ترتبط بمستقبل التوازن مع روسيا. ولذلك، تواصل دعم كييف وتعزيز استعداداتها الدفاعية، رغم التكلفة الاقتصادية والسياسية المتزايدة، لكن حرب الخليج تفرض عليها أعباء إضافية، من دون أن تمتلك القدرة نفسها على التأثير في مسارها.
وهنا تتداخل جبهتان كانتا تبدوان منفصلتين. فاضطراب هرمز يرفع أسعار الطاقة، وارتفاع الأسعار يضغط على المالية العامة الأوروبية، فيما تحتاج الحكومات إلى موارد إضافية لتمويل الدفاع ودعم أوكرانيا، وتصبح المفارقة أشد تعقيدًا عندما يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة إيرادات روسيا المحتملة، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تقليص الموارد التي تستطيع موسكو استخدامها لتمويل حربها.
وهكذا، يمكن لأزمة في الخليج أن تزيد الأعباء الاقتصادية للحرب الأوكرانية، حتى من دون وجود ترابط عسكري مباشر بين الجبهتين.
لكن المشكلة الجيوسياسية لا تكمن في تزامن الحربين وحده، بل في غياب قدرة أوروبية متكافئة على التأثير في تطوراتهما، فبينما تمثل أوروبا طرفًا أساسيًا في دعم أوكرانيا، يبقى دورها في ترتيبات الأمن الخليجي أقل تأثيرًا من دور الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية.
لقد أكد المجلس الأوروبي ضرورة حماية حرية الملاحة في هرمز واحترام القانون الدولي، ودعم الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد. وهذه مواقف ذات أهمية قانونية وسياسية، لكنها لا تمنح الاتحاد تلقائيًا سلطة تحديد شروط التسوية.
ومن هنا، تبرز إحدى نقاط الضعف الأوروبية: القارة قادرة على المساهمة في تمويل الاستقرار وإعادة الإعمار، لكنها لا تستطيع دائمًا فرض حضور يتناسب مع مصالحها عند صياغة الترتيبات الأمنية الجديدة.
أزمة القيادة الأوروبية: قوة اقتصادية بلا إرادة استراتيجية موحدة؟
لا تعود جميع جوانب الضعف الأوروبي إلى الولايات المتحدة. فالاتحاد نفسه يواجه تناقضات مؤسسية وسياسية تعرقل تحوله إلى قوة جيوسياسية متكاملة وتختلف أولويات الدول الأعضاء تبعًا لمواقعها الجغرافية، وهياكل اقتصاداتها، وعلاقاتها مع روسيا والولايات المتحدة والشرق الأوسط.
فدول شرق أوروبا تمنح الأولوية لاحتواء التهديد الروسي والحفاظ على المظلة الأمنية الأميركية. وفي المقابل، تدفع فرنسا باتجاه تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، فيما تجد ألمانيا نفسها أمام تحدي الجمع بين التحول العسكري والمحافظة على قدرتها الصناعية والاقتصادية.
هذه الاختلافات لا تمنع اتخاذ قرارات مشتركة، لكنها تجعل صياغة استراتيجية موحدة أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تتطلب الخيارات الخارجية توزيعًا غير متكافئ للكلفة بين الدول الأعضاء.
وقد أظهرت مناقشات القمة الأوروبية الأخيرة استمرار الخلافات بشأن الموازنة متعددة السنوات، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الدفاعية والاقتصادية للاتحاد.
إن امتلاك سوق اقتصادية كبيرة وعملة دولية ومؤسسات تنظيمية مؤثرة لا يكفي بذاته لصناعة قوة استراتيجية. فالقوة الجيوسياسية تتطلب القدرة على تحويل الموارد الاقتصادية إلى قرار سياسي، والقرار السياسي إلى نفوذ خارجي.
وهذا ما لا تزال أوروبا تكافح لتحقيقه.
الاستقلال الاستراتيجي: هل تملك أوروبا بديلًا؟
ليس أمام أوروبا خيار بسيط بين الانفصال عن الولايات المتحدة أو الاستمرار في الاعتماد الكامل عليها، فالتحالف الأطلسي لا يزال يوفر مظلة أمنية يصعب تعويضها سريعًا، بينما تحتاج القارة إلى سنوات من الاستثمار والتنسيق لتوسيع قدراتها الدفاعية والصناعية، كما أن الولايات المتحدة نفسها تستفيد من استمرار الشراكة الأوروبية، عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا، ما يجعل العلاقة أوسع من مجرد تبعية أحادية.
غير أن استمرار التحالف لا ينبغي أن يحجب السؤال عن شروطه، فإذا أرادت أوروبا تقليص هشاشتها الاستراتيجية، فإن زيادة الإنفاق الدفاعي لا تكفي. تحتاج القارة أيضًا إلى بناء سياسة طاقة أقل تعرضًا للصدمات، وتطوير صناعات دفاعية مشتركة، وتعزيز استقلالها التكنولوجي والمالي، وتوسيع أدواتها الدبلوماسية في المناطق التي تؤثر أزماتها مباشرة في مصالحها.
والأهم أنها تحتاج إلى إعادة بناء التوافق السياسي الداخلي حول معنى الأمن الأوروبي وكلفته وحدود ارتباطه بالأولويات الأميركية.
أزمة أوروبا هي أزمة القرار
تكشف حرب الخليج، إلى جانب استمرار الحرب الأوكرانية، أن أوروبا تواجه اختبارًا يتجاوز قدرتها على امتصاص صدمة الطاقة أو تمويل التسلح، فقد أصبحت القارة مطالبة بتمويل أمنها في الشرق، وتحمل كلفة الاضطرابات في الجنوب، والحفاظ على تماسكها الاجتماعي والسياسي في الداخل. وكل ذلك في ظل اعتماد مستمر على الولايات المتحدة، التي لا تتطابق أولوياتها دائمًا مع الأولويات الأوروبية.
ختاماً في عالم تتزايد فيه الحروب والصراعات على الطاقة والممرات والأسواق، لن يكفي أن تكون أوروبا قوة اقتصادية كبرى إذا بقي تأثيرها محدودًا في القرارات التي تحدد مستقبلها.
السؤال الذي تفرضه الأزمة ليس ما إذا كانت أوروبا تستطيع الاستغناء عن واشنطن، بل ما إذا كانت تستطيع الاستمرار في الاعتماد عليها من دون أن تخسر تدريجيًا قدرتها على تقرير مصيرها.
نبض