المحامي د. رفيق اورى وليد غريزي
ليست الصورة في السياسة تفصيلاً عابراً. هي أحياناً الخبر كلّه، وأحياناً كلّ ما يتبقّى منه. في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، جلس رئيس مجلس الوزراء نواف سلام قبالة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود بزشكيان، وبينهما طاولة صغيرة عليها علمان متجاوران: علم لبنان وعلم إيران، ولا ثالث لهما. وأبلغ ما في المشهد ما غاب عنه: لا راية لحزب، ولا وسيط، ولا "ساحة".
غير أنّ السؤال الذي تطرحه هذه الصورة لا يتعلّق بما قالته، بل بما تقدر عليه. هل نحن أمام انتقالٍ فعليّ في طبيعة العلاقة بين بيروت وطهران، من علاقة ساحةٍ بمرجعيّتها إلى علاقة دولةٍ بدولة؟ أم أمام انتصارٍ في الشكل يخشى اللبنانيون، وقد خبروا طويلاً انتصارات الشكل، أن يبقى معلّقاً في فراغ المضمون؟
عقوداً، مرّت العلاقة اللبنانية–الإيرانية في غير قنواتها الطبيعية. كانت الدولة اللبنانية فيها شاهداً أكثر منها طرفاً، وكان القرار يُصنع في مكانٍ آخر ثم يُبلَّغ إليها، إن بُلِّغ. من هنا، لم يكن حضور وزيرَي الخارجية يوسف رجّي وعباس عراقجي تفصيلاً بروتوكولياً، بل إعلاناً بأنّ المحاور اللبناني الوحيد المعترف به هو الدولة، بمؤسّساتها الدستورية وقنواتها الدبلوماسية.
وفي السياق نفسه تأتي دعوة الرئيس سلام طهران إلى ترشيح سفيرٍ جديد لها في بيروت. فالسفير، في عرف الدول، ليس موظفاً يحمل الأختام، بل هو الباب الشرعيّ الوحيد للعلاقة. ومن يطلب السفير يقول، بلغة الدبلوماسية المهذّبة، إنّ سائر الأبواب يجب أن تُغلق.
اللافت في كلام رئيس الحكومة ليس جرأته فحسب، بل قاموسه: سيادة، استقلال، عدم تدخّل، مصالح مشتركة، علاقة "من دولة إلى دولة". إنها مفردات النظام الدولي الذي وُلد في وستفاليا، تُقال لنظامٍ قام في جانبٍ كبير من عقيدته على تصدير الثورة وتجاوز الحدود.
وحين يقول سلام إنّ لبنان لا يريد أن يكون ساحةً لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل، فهو يستعيد، من حيث يدري أو لا يدري، ما سمّاه صاحب "النهار" ذات يوم "حرب الآخرين على أرضنا". نصف قرنٍ ولبنان صندوق بريدٍ للآخرين، يدفع ثمن رسائل لم يكتبها، ويُصلح زجاجاً كسرته أيادٍ غريبة.
أمّا ترتيب الأولويات فمحسوب بدقّة: انسحاب إسرائيل الكامل ووقف اعتداءاتها أولاً، ثم بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها. هكذا تُسحب من السلاح الخارج عن الدولة ذريعته الأولى، ويُقال لطهران إنّ لبنان لا يفرّط بأرضه، لكنه لن يقبل بعد اليوم أن يُحرَّر بغير جيشه وقراره.
لكنّ الصورة، مهما بلغت رمزيّتها، لا تنزع صاروخاً ولا تفكّك منظومة. والتحليل النقديّ يفرض الإقرار بثلاثة حدود على الأقل.
الحدّ الأول أنّ رئيس الجمهورية في إيران ليس صاحب الكلمة الفصل في سياستها الإقليمية، في نظامٍ تتوزّع فيه مراكز القرار بين مؤسّسات تعلو الحكومة المنتخبة وتسبقها. فالعبرة ليست بما يُقال في نيويورك، بل بما يُقرَّر في طهران.
الحدّ الثاني أنّ استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية يمنح السلاح الخارج عن الدولة ما يحتاجه من مبرّرات. فإذا عجز المجتمع الدولي عن إلزام إسرائيل بالانسحاب، تحوّل خطاب الدولة إلى وعدٍ بلا رصيد، واستعاد منطق الساحة حجّته.
الحدّ الثالث، وهو الأخطر، داخليّ. فحصر السلاح لا يُنجَز بقرارٍ دبلوماسي، بل بدولةٍ تستحقّ احتكار القوّة: دولة تحمي حدودها، وتعيد إعمار ما تهدّم، وتنصف مودعيها، وتقنع بيئةً بأكملها بأنّ الدولة ملاذ لا خصم. وما لم تُبنَ هذه الدولة، سيبقى السلاح يجد في فراغها سبباً للبقاء.
وليس لبنان أوّل دولةٍ تحاول استرداد علاقتها بدولةٍ راعيةٍ لسلاحٍ على أرضها، والتاريخ القريب يقدّم ثلاث مرايا. فالأولى هي سوريا نفسها. ففي العام 2008 أقامت دمشق وبيروت علاقاتٍ دبلوماسية للمرّة الأولى منذ الاستقلال، وتبادلتا السفارات. لكنّ السفارة لم تُلغِ منطق الوصاية، لأنّ الشكل سبق الإرادة. والعبرة أنّ السفير شرطٌ ضروريّ للعلاقة السليمة، لا شرطٌ كافٍ.
الثانية العراق، حيث قُنّن "الحشد الشعبي" بقانونٍ عام 2016 وأُلحق نظرياً بالقائد العام للقوات المسلّحة، فيما بقيت فصائل منه تتلقّى قرارها من خارج الدولة. والعبرة أنّ قوننة السلاح شيء، ودمجه في قرار الدولة شيءٌ آخر.
الثالثة إيرلندا الشمالية، حيث لم يُنجز الجيش الجمهوري الإيرلندي التخلّي عن سلاحه إلّا عام 2005، بعد سبع سنوات على اتفاق الجمعة العظيمة، عبر هيئةٍ دولية مستقلّة، وضمن مسارٍ سياسيّ منح بيئته شراكةً في الدولة بدل الهزيمة أمامها. والعبرة أنّ نزع السلاح ثمرة تسويةٍ لا ضربة، وروزنامةٍ لا نيّة.
ولبنان يعرف الدرس من ذاكرته: اتفاق القاهرة عام 1969 شرّع سلاحاً خارج الدولة فدفع البلد ثمنه حرباً، ولم يُلغِه مجلس النواب إلّا عام 1987، بعد أن صار الإلغاء حبراً على ركام.
في الختام، يتوق لبنان الى العبور من لغة الصورة إلى نحو الدولة حيث "الأمور بخواتيمها"؛ هذا ما يقوله اللبنانيون وقد علّمتهم التجربة الحذر من البدايات الجميلة. وصورة نيويورك بدايةٌ جميلة، لكنها لا تزال جملةً أولى في نصٍّ لم يُكتب بعد. وعلى هدي هذه التجارب، المطلوب أن يتحوّل البروتوكول إلى سياسة: روزنامة واضحة لحصر السلاح، واستراتيجية دفاعية تقودها الدولة وحدها، وضغط دبلوماسي منهجي على إسرائيل يجعل الانسحاب التزاماً لا تمنّياً، وعلاقة مع طهران تُقاس بالأفعال لا بالبيانات.
إنّ الدول لا تُبنى بالصور، لكنّ بعض الصور تُنبئ بالدولة التي نريد. في نيويورك، رأينا للحظةٍ لبنان كما ينبغي أن يكون: علماً واحداً، وقراراً واحداً، وسلاحاً واحداً. يبقى أن نستحقّ هذه الصورة... قبل أن تصبح مجرّد ذكرى أخرى في ألبوم الفرص الضائعة.
نبض