روسيا تصدّر أسرار الجبهة... أربع سنوات تتحوّل إلى سلاح نفوذ
نبيل الجبيلي*
تحمل روسيا إلى أسواق السلاح حصيلة أكثر من أربع سنوات من القتال في أوكرانيا. مسيّرات جرى تعديلها استجابة للتشويش، وذخائر تجمع الاستطلاع بالضرب، وأنظمة لحماية المنشآت من الهجمات الجوية الصغيرة، وشراكات تتيح نقل المعرفة التصنيعية. وتراهن موسكو على تحويل هذه الخبرة إلى عقود وعلاقات عسكرية طويلة الأمد، مستفيدة من حاجة الجيوش إلى استيعاب التغييرات التي فرضتها الحرب على التسليح والتدريب وكلفة القتال.
تجلّى هذا التوجّه في معرض العلمين الجوي td مصر في أيلول/سبتمبر، حيث عرضت روسيا منظومتي "إس-71 إم" و"إس-71 كا"، اللتين تجمعان خصائص صواريخ كروز والمسيّرات الهجومية، بالتزامن مع الظهور الأفريقي الأول لمقاتلة "سو-57". وبحسب "روس أوبورون إكسبورت"، سبق استخدام هذه الأسلحة في القتال. يختصر المشهد العرض الروسي الجديد، أي تقديم منتجات تحمل خبرة الاستخدام الفعلي إلى زبائن يبحثون عن أدوات للحروب المقبلة.
الجبهة تعيد تصميم السلاح
يقدّم "لانسيت-إي" مثالاً واضحاً على هذه العملية. ففي معرض "يومكس 2026" بأبوظبي، عرضت شركة "زالا" قاذفاً جديداً يتيح تشغيله بواسطة فرد واحد. وتضع الشركة مقاومة الحرب الإلكترونية وسرعة الانتشار ضمن مزايا المنظومة المطوّرة. وتكمن القيمة العسكرية لهذا الاتجاه في تقليص عدد الأفراد اللازمين للتشغيل وتسهيل تحريك السلاح ونشره، وهي احتياجات تفرضها جبهة تراقب فيها المسيّرات تحركات الجنود والمعدات باستمرار.
وفي المعرض نفسه، قدّمت موسكو ذخيرة "كوب-2-2 إي" بنظام توجيه آلي قالت الجهة المصدّرة إنه تطوّر استناداً إلى تحليل استخدامها القتالي، مع إمكانية ربطها بمسيّرة الاستطلاع "سكات-350 إم". ويتيح هذا الربط نقل معلومات الهدف من مسيّرة الاستطلاع إلى الذخيرة الهجومية، بما يسرّع تنفيذ الضربة.
وأعلنت "روس أوبورون إكسبورت" توقيع عقود لتصدير عدد من نماذج المسيّرات، واستعدادها للتفاوض على التوريد أو التعاون التكنولوجي. وقدّرت نمو الطلب على المسيّرات بنسبة 120%، وعلى الذخائر الجوّالة بنسبة 400% بحلول 2030. وهذه توقعات الشركة للسوق، لكنها تفسّر أولوية هذا القطاع في حملتها التصديرية.
الميزة التي تسعى روسيا إلى تسويقها هي سرعة انتقال الملاحظة الميدانية إلى المصنع. فالجيش الذي يشتري منظومة مطوّرة بهذه الطريقة يحصل على حصيلة تعديلات فرضها خصم يستخدم التشويش والتمويه والاعتراض، بما يمنح التجربة القتالية وزناً تجارياً يتجاوز المواصفات المكتوبة.
سوق لحماية الجيوش والمنشآت
وتفتح الحرب سوقاً موازية لوسائل مواجهة المسيّرات. ففي المنتدى الدولي للأمن في أيار/مايو 2026، عرضت موسكو منظومة "سيتاديل" المدفعية لحماية المنشآت الثابتة، إلى جانب وسائل رصد وتشويش تشمل "بول-21 إي" لتعطيل قنوات الملاحة، ونسخة متحركة من "سيلوك" لكشف المسيّرات والتشويش عليها.
وشملت المنتجات رادار "غارمون-إم إي"، بمدى معلن لكشف الأهداف الجوية يصل إلى 60 كيلومتراً. وتقول الجهة الروسية إن "سيتاديل" توفر الكشف والتتبع الآلي والاشتباك مع أهداف جوية صغيرة على مدار الساعة.
تتيح هذه التشكيلة لموسكو مخاطبة احتياجات مختلفة ضمن حزمة واحدة، من حماية وحدة متحركة إلى تأمين مصنع أو منشأة طاقة. وتكمن جاذبيتها الاقتصادية في السعي إلى مواءمة وسيلة الاعتراض مع طبيعة التهديد، وتخفيف الاعتماد على الصواريخ الأعلى كلفة لمواجهة مسيّرات صغيرة ومتكررة.
ويمتد التكيّف إلى الصواريخ. فقد عرضت روسيا راجمة "سارما" في الرياض، معلنة مدى يصل إلى 120 كيلومتراً، وإطلاق ستة صواريخ خلال 18 ثانية، وزمناً للانتشار أو مغادرة الموقع يبلغ ثلاث دقائق. تعكس هذه المواصفات أولوية الضرب والتحرك سريعاً لتقليل التعرض للنيران المضادة، وهي خبرة يمكن إدخالها مباشرة في عروض التصدير.
إيران ومعركة المعرفة التصنيعية
يمنح ملف "C430L" هذا التوجّه بُعداً استراتيجياً. فبحسب تحقيق نشرته "فايننشال تايمز" في 1 أيلول، تعاون متخصصون روس مع إيران منذ 2023 لتطوير تقنية الدفع النفاث التضاغطي، التي تتيح لصواريخ كروز مواصلة التحليق بسرعات تفوق الصوت. واستند التحقيق إلى مراسلات مسرّبة وسجلات سفر وتحليل براءات اختراع. ويشير الملف إلى مساعدة في تطوير القدرة التصنيعية، مع بقاء دخول صاروخ ناتج عن البرنامج الخدمة أمراً غير مثبت بالمعلومات المنشورة.
ويقتضي ذلك فصل الخبرة الصاروخية الروسية المتراكمة منذ عقود عن التعديلات التي ولّدتها حرب أوكرانيا. أهمية التعاون مع إيران أنه يوضح مدى استطاعة موسكو توظيف رصيدها الهندسي في شراكات أعمق، بالتوازي مع تسويق منتجات صقلتها الجبهة.
بالنسبة إلى الشريك، يعني امتلاك المعرفة التصنيعية توسيع القدرة على الإنتاج والصيانة والتطوير محلياً. وبالنسبة إلى روسيا، يمكن أن يؤسس ذلك لعلاقات مستمرة بين المهندسين والمصانع والمؤسسات العسكرية، ويمنحها حضوراً يتجدد مع تحديث المنظومات وتوسيع استخدامها.
تبقى المعارض والعروض التكنولوجية مؤشرات على استراتيجية تسويق، ويحتاج قياس نجاحها إلى عقود وتسليمات معلنة. لكن الإنجاز الروسي الظاهر هو بناء عرض عسكري يجمع السلاح ووسائل مواجهته وخبرة تطويره. ومن خلاله، تسعى موسكو إلى تحويل سنوات القتال إلى قدرة على التأثير في تسليح جيوش أخرى وطريقة استعدادها للحرب.
*كاتب وصحافي لبناني
نبض