حقّاً حقّاً طوباويّ
ريمي الحويّك
أيجوز أن يُختزل العظماء بمدادِ حبرٍ عابر وتُطوى صفحاتهم كما تُطوى الأيام؟
أيُكتب عن العظماء مرّة واحدة، ثم يُطوى الكلامُ كما تُطوى الصفحات؟
قطعاً لا!
فهناك قامات خارجة عن حدود الزمان، لا ينتهي الحديث عنها لأنها لم تكن يوماً رهينةً لعصرها، بل ركن دهري في ذاكرة الأوطان وسرّ مقدّس محفور في حنايا الروح.
البطريرك إلياس بطرس الحويّك، لم يعد مجرّد سيرةٍ محبوسة في متون الكتب، ولا ملامح زيتية معلّقة على جدار صامت، ولا حبراً سياسيّاً جافاً وقّع وثيقة "لبنان الكبير". لقد جاوز حدود التاريخ وارتقى، لقد تُوّج طوباويّاً على مذابح السّماء، ليغدو منارةً إلهيّة تُثبت للعالم أنّ القداسة الحقّة ليست انفصالاً عن الأرض، بل هي ذروة الإلتصاق بوجع الإنسان، وأنّ عشق الوطن هو الصراط الأبهى المؤدي إلى الله.
اليوم، ونحن نراك مرتفعاً في مجد الطوباويّة، لا نشعر بنأيك عن دنيانا، بل كأنّ الرّب قد فتح كواةً في سُحب هذا الزمن لينسكب نورك فوق جبالنا وأوديتنا المتألمّة، ولنُعاين بيقينٍ كيف يمكن لقلب راعٍ واحد أن يستوعب أمّة، ويختصر شعباً، ويقف كالأرزة الدهريّة شامخاً بوجه الأعاصير.
لا أكتبُ عنك بدافعِ قرابة الجسد أو إرث الدم الفاني فحسب، بل لأن أمانة الروح والتاريخ تُقضّ مضاجع الصّمت، وتأبى أن يتسلّل النسيان إلى وعينا الجَّماعي. فالأوطان، يا جدّي الحبيب ويا قدّيسنا، لا تصونها القلاع المحصّنة بالحديد والنار، بل تحميها وتخلّدها ضمائر الرّجال الذين تصوّروها وطناً حراً في صلواتهم قبل أن تتقاسمها الخرائط وتتجاذبها المصالح.
لذا، سأظل أكتبُ عنك مراراً وتكراراً، لا لقصورٍ في الصّمت، بل لأنّ الكلمات مهما بلغت من البيان ستمكث عاجزة أمام فيض قامتك.
سأكتبُ لكي تعي الأجيال الآتية أن لبنان لم يولد مصادفةً على قارعة الجغرافيا، بل كان مخاض صلواتٍ طاهرة سبقت المؤتمرات الدولية، ونبض قلوبٍ افتدت تراب الأرض قبل أن تُرسَم حدودها.
سأكتبُ لأن الأحفاد لا يرثون إسماً مجرداً، بل يتقلّدون عبء الرسالة وجلال الوصيّة.
يا طوباويّ العليّ، يا من حوّلتَ أنفاس حياتك إلى ليتورجيا أبدية وترنيمة تسبيح لا يخبو صداها.
يا طوباويَّنا، من دمنا وطينتنا وأرزنا، يا من جعلتَ بقداسةِ سعيك هذا الوطن ممراً بين الأرض والسماء، وهيكلاً تفوح منه رائحة البخور.
نَمْ قَريرَ العَينِ فِي حِضْنِ النُّور الإلهي، فلبنان الذي بذلتَ ذاتك ونذرتَ عمرك لأجله، سيبقى كنيسةً سرمدية مشرعةً على آفاق الأزل، وسنظلّ نحن الأحفاد، الحرّاس الأمناء على زيت قنديلك، نستمدّ منه النّور كلّما ادلهمت الظلمات وضلت الدروب.
على رجاء القيامة الكبرى واللقاء العتيد على مذابح التقديس... نسألُك يا ربّ، آمين.
نبض