من دعم السلع إلى حماية المنافسة: عقد اجتماعي جديد للأمن الغذائي في لبنان
رامي بيطار (*)
منذ عام 2019، لم يعد الأمن الغذائي في لبنان مسألة تتعلق بتوافر السلع فحسب، بل بقدرة الناس على شرائها. فقد تراجعت القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة، وانتهت مرحلة الدعم المباشر التي شكّلت لسنوات أداة الدولة الأساسية لحماية المستهلك.
اليوم، لم تعد الدولة قادرة على تقديم الدعم، لكنها لا تزال قادرة على حماية حق المواطن في الحصول على المواد الأساسية بأسعار عادلة. وهذا يفرض انتقالاً في دورها من دعم السلع إلى حماية المنافسة، لأن السوق التنافسية هي الوسيلة الأكثر استدامة لضبط الأسعار من دون استنزاف الموارد المالية العامة.
لسنا أمام خيار اقتصادي فحسب، بل أمام عقد اجتماعي جديد، تصبح فيه المنافسة العادلة جزءاً من منظومة الحماية الاجتماعية.
المنافسة ليست خطراً... بل صمّام أمان للمستهلك
في الاقتصادات الحديثة، لم تعد حماية المستهلك تعني التدخل في تحديد الأسعار، بل ضمان أن تتحدد بحرية وعدالة، وفق قواعد المنافسة والكفاءة. ومن هنا تبرز أهمية نموذج الـDiscount Retail، الذي لا يقوم على التخفيضات الموسمية أو الحملات الترويجية، بل على فلسفة تشغيلية متكاملة تقوم على ترشيد الكلفة، وتسريع دورة البضائع، وخفض هوامش الربح، وتعزيز كفاءة سلسلة التوريد. إنه نموذج يحوّل الكفاءة التشغيلية إلى قيمة مضافة للمستهلك، ويجعل السعر المنخفض نتيجة طبيعية للإدارة الرشيدة.
وفي بلد يرزح تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، لم يعد هذا النموذج مجرد خيار تجاري، بل أصبح أحد أهم الأدوات التي تسهم في تعزيز الأمن الغذائي، والحد من آثار التضخم، وصون القدرة الشرائية للأسر اللبنانية.
غير أن الكفاءة وحدها لا تكفي. فلا يمكن لأي نموذج اقتصادي أن يؤدي دوره إذا لم تحمه بيئة تنافسية سليمة، تكافئ من يخفض الكلفة، بدلاً من أن تعاقب من يخفض السعر.
عندما يُمنع التاجر من تخفيض السعر... يدفع المواطن الثمن
لا يمكن الحديث عن سوق تنافسية إذا لم تكن للتاجر الحرية في تحديد سعر البيع للمستهلك. فحين تُمارَس ضغوط، مباشرة أو غير مباشرة، للحؤول دون خفض الأسعار، أو تُربط شروط التوريد، أو الحسومات، أو المهل التجارية، بالتزام سعر بيع معيّن، فإن السعر على الرف يفقد وظيفته الاقتصادية الأساسية، وهي أن يعكس الكفاءة والمنافسة.
هذه ممارسات قد تحدّ من حرية التسعير، وتستحق أن تخضع للتحقيق في ضوء قواعد حماية المنافسة، لأنها لا تقيّد حرية التاجر فحسب، بل تحرم المستهلك من حقه في الاستفادة من نتائج المنافسة الحقيقية التي قد تنعكس انخفاضاً في الأسعار.
كيف تحمي الاقتصادات المتقدمة المنافسة؟
أدركت الاقتصادات المتقدمة منذ سنوات أن حماية القدرة الشرائية لا تبدأ من دعم الأسعار، بل من حماية المنافسة. في الولايات المتحدة، لم تكتفِ السلطات بمراقبة التضخم، بل أنشأت فرق عمل متخصصة لمتابعة سلاسل الإمداد، والتحقيق في الممارسات التي قد تحدّ من المنافسة أو تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصورة غير مبررة. كما دعمت انتشار الـDiscounter Retailers في المناطق الأكثر ضعفاً، باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الغذائي.
أما في أوروبا، فقد ركزت السياسات على تعزيز شفافية الأسعار والتصدي للممارسات التي تقيّد المنافسة السعرية أو تضلل المستهلك. فالرسالة كانت واضحة: السعر المنخفض الناتج عن الكفاءة يستحق الحماية، لأنه يرسخ المنافسة ويصب مباشرة في مصلحة المستهلك. هذه ليست سياسات شعبوية، ولا تدخلاً في آليات السوق، بل سياسات اقتصادية تعزز المنافسة، وتكبح التضخم، وتدعم الاستقرار الاجتماعي.
لبنان بعد الدعم: من الدعم المالي إلى الدعم التشريعي
لبنان اليوم لم يعد قادراً على دعم السلع، لكنه قادر على دعم النظام الذي ينتج سلع أرخص. وهذا يتطلب انتقال وزارة الاقتصاد من عقلية التدخل الظرفي إلى رؤية تشريعية طويلة الأمد تقوم على ثلاث ركائز أساسية:
• أولاً: حماية حرية التسعير ومنع فرض أسعار إعادة البيع على المتاجر. لا يمكن لأي نموذج يقوم على الكفاءة وخفض الأسعار أن ينجح إذا بقي مقيّداً بممارسات تحدّ من حرية التاجر في تحديد سعر البيع للمستهلك. لذلك، ينبغي التعامل مع أي ضغوط مباشرة أو غير مباشرة تدفع المتاجر إلى رفع الأسعار، أو تمنعها من البيع بسعر أقل، أو تربط شروط التوريد أو الحسومات أو المهل التجارية بسعر بيع معيّن، باعتبارها ممارسات قد تشكل مخالفة لقواعد المنافسة وتستوجب التحقيق عند الاقتضاء. فالسعر الذي يدفعه المستهلك يجب أن يكون نتيجة المنافسة الحقيقية، لا نتيجة قيود تُفرض على السوق.
• ثانياً: تشجيع العلامات الخاصة (Private Labels). في كل الدول المتقدمة، تشكل العلامات الخاصة مخزوناً استراتيجياً للأسعار المعقولة. هي منتجات بجودة مضبوطة، من دون كلفة التسويق المبالغ فيها، وتؤمّن بديلاً حقيقياً للعائلات. دعم هذا التوجه هو دعم مباشر للقدرة الشرائية، من دون أن يكلف الخزينة ليرة واحدة.
• ثالثاً: تبسيط الإجراءات وخفض الكلفة الخفية. كل تعقيد إداري، كل تأخير في المرافئ، وكل رسم غير مبرر، يتحول في النهاية إلى سعر أعلى على الرف. حماية المستهلك تبدأ من تسهيل التجارة الشرعية، لا من إثقالها.
شراكة لحماية المواطن
الأمن الغذائي لم يعد مسألة رفوف ممتلئة، بل مسألة أسعار ممكنة. والدولة التي تحمي الكفاءة، وتحفّز المنافسة، وتكافئ من يخفض الأسعار، هي دولة تحمي كرامة مواطنيها. لبنان يحتاج اليوم إلى عقد اجتماعي جديد، يكون فيه القطاع الخاص الكفوء شريكاً للدولة في تحقيق الأمن الغذائي. فحماية المنافسة ليست دفاعاً عن مصالح التجار، بل دفاع عن حق كل أسرة لبنانية في الحصول على المواد الأساسية بسعر عادل. وعندما يصبح خفض الأسعار ثمرةً للكفاءة لا استثناءً يحتاج إلى إذن، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لاقتصاد أكثر عدالة، ولمجتمع أكثر قدرة على الصمود.
(*)الرئيس التنفيذي لشركة توفير انترناشيونال
نبض