جنوب لبنان… حين تتبدّل وظيفة الجغرافيا

منبر 02-07-2026 | 13:52

جنوب لبنان… حين تتبدّل وظيفة الجغرافيا

أصبح تنفيذ اتفاق الإطار جزءاً من منظومة تفاهمات إقليمية تمتد من أمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى تثبيت وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، وصولاً إلى جنوب لبنان.
جنوب لبنان… حين تتبدّل وظيفة الجغرافيا
دمار في جنوب لبنان. (أ ف ب)
Smaller Bigger
حسن درغام (*)

 

 

الأكيد أن الجغرافيا لا تتغيّر، لكن المؤكد أيضاً أن وظيفتها تتبدل. فالجنوب اللبناني، أي جبل عامل، بقي في مكانه منذ آلاف السنين، أما الوظائف التي أُنيطت به فلم تتوقف عن التبدل. كان يوماً بوابة فلسطين، ثم خط الدفاع الأول عن لبنان، ثم ساحة للصراع العربي – الإسرائيلي، قبل أن يتحول إلى نقطة تقاطع للمشاريع السورية والإيرانية والإسرائيلية والأميركية. واليوم، للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، يُراد له أن ينتقل من جبهة حرب إلى ساحة اختبار لتسوية إقليمية. لذلك، لا يتعلق السؤال المطروح بتبدل جغرافيا الجنوب اللبناني، بل بتبدل وظيفتها.

فمنذ اتفاق القاهرة عام 1969، لم يكن الجنوب مجرد منطقة حدودية، بل أصبح مرآة لتحولات الشرق الأوسط. تعاقبت عليه منظمة التحرير الفلسطينية، ثم الاحتلال الإسرائيلي، فالمقاومة الوطنية اللبنانية، قبل أن تتولى المقاومة الإسلامية بقيادة "حزب الله"، بدعم مباشر من إيران بعد ثورة 1979، مهمة المواجهة وصولاً إلى تحرير معظم الجنوب عام 2000.

لكن التحرير لم يُنهِ الصراع، بل غيّر قواعده. فجاءت حرب تموز 2006 لتكرّس قواعد اشتباك ومعادلة ردع متبادلة استمرت نحو ثمانية عشر عاماً، قبل أن تنهار مع سقوط النظام السوري وحرب الإسناد التي أعقبت السابع من تشرين الأول 2023، لتبلغ ذروتها في الحرب الإقليمية عام 2026.

من هنا، قد لا يكون اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن مجرد اتفاق جديد، بل إعلاناً عن نهاية حقبة امتدت أكثر من خمسة عقود.

الاتفاق، الذي رعته الولايات المتحدة، لا يُقدَّم بوصفه معاهدة سلام، بل إطاراً للانتقال من وقف إطلاق النار إلى تثبيت الاستقرار، عبر انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، وحصر السلاح، وعودة الأهالي، وإطلاق إعادة الإعمار. ولهذا سأل رئيس الجمهورية العماد جوزف عون معارضي الاتفاق: "أعطونا البديل".

لكن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الاتفاق مثالياً أو سيئاً، بل ما إذا كان قابلاً للتنفيذ.

بل: هل يستطيع لبنان تنفيذه، وإخراج الجنوب من كماشة الاحتلال؟

فالبديل لا يُقاس بالنوايا، كما أن الاتفاق لا يُقاس بتوقيعه، بل بقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، وباستعداد إسرائيل لتنفيذ التزاماتها في المقابل. ومن هنا ينشأ الانقسام اللبناني. فالمؤيدون ينظرون إليه بوصفه فرصة لإعادة الجنوب إلى كنف الدولة، فيما يرى معارضوه أن نجاحه يبقى رهناً بتوافر شرطين متلازمين: قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ما التزمت به، واستعداد إسرائيل لتنفيذ انسحابها الكامل وإنهاء احتلالها للنقاط التي لا تزال تسيطر عليها. وبين هذين الشرطين، يتحدد مصير الاتفاق نفسه.

لكن هذا الانقسام، على أهميته، قد يحجب حقيقةً أكثر عمقاً.

فلبنان لم يعد يتفاوض وحده.

أصبح تنفيذ اتفاق الإطار جزءاً من منظومة تفاهمات إقليمية تمتد من أمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى تثبيت وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، وصولاً إلى جنوب لبنان. لذلك، لم تعد الدوحة، وقبلها إسلام آباد وسويسرا، مجرد محطات استضافت المفاوضات، بل تحولت إلى حلقات في آلية سياسية واحدة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، تمتد من إيران ومضيق هرمز إلى جنوب لبنان.

وفي هذا الإطار، تكتسب لجنة المتابعة المنبثقة عن الاجتماعات الدولية أهمية استثنائية. فهي ليست لجنة تقنية، بل قناة سياسية تضم الولايات المتحدة وإيران وقطر، هدفها تفكيك العقد التي قد تعترض التنفيذ ومنع انهيار الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي عند أول اختبار ميداني. كما أن زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إلى قصر بعبدا، لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل إعلاناً عن انتقال الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى مرحلة التنفيذ.

وهذا هو التحول الحقيقي.

فالجنوب لم يعد يُدار فقط وفق معادلة الردع بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبح جزءاً من منظومة إقليمية تُدار بالتوازي مع التفاهم الأميركي – الإيراني. ومن هنا، لم يعد نجاح الاتفاق مرتبطاً بالنصوص وحدها، بل بقدرة القوى الإقليمية على حماية التفاهم الذي أنتجها، وبقدرة الدولة اللبنانية، عبر الجيش اللبناني، على الإمساك بمسار التنفيذ.

ولعل هذا ما يفسر استعارة بعض المحللين الأميركيين لمنهج هنري كيسنجر بعد حرب تشرين 1973: ليس فرض سلام شامل دفعة واحدة، بل بناء وقائع جديدة بالتدرج؛ وقف لإطلاق النار، ثم ترتيبات أمنية، ثم بناء للثقة، قبل الانتقال إلى تسويات أوسع إذا نجحت المرحلة الأولى.

لكن، مهما اختلفت حسابات الخارج، يبقى الامتحان الحقيقي في الداخل اللبناني.

فبعد أكثر من خمسين عاماً، لم يعد السؤال: من انتصر ومن انهزم؟

ولم يعد السؤال: هل الاتفاق أفضل من الحرب؟

السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الدولة اللبنانية، للمرة الأولى منذ اتفاق القاهرة، أن تستعيد احتكار السيادة وقرار الحرب والسلم على حدودها الجنوبية، وأن تثبت قدرتها على تنفيذ ما تفاوضت عليه؟

قد يستمر اللبنانيون طويلاً في الاختلاف حول اتفاق الإطار، لكنهم قد يكتشفون بعد سنوات أن عام 2026 لم يكن مجرد سنة توقيع اتفاق جديد، بل سنة الاختلال الكبير في موازين القوى الإقليمية، وإعلاناً عن نهاية النظام الإقليمي الذي حكم الجنوب ولبنان منذ عام 1969.

أما النظام الإقليمي الذي يتشكل اليوم، فما زال قيد الاختبار. ولن تحدده النصوص وحدها، بل موازين القوى، وصدق الإرادات، وقدرة الدولة اللبنانية على أن تتحول، للمرة الأولى منذ نصف قرن، من دولة تُدير الأزمات إلى دولة تحكم أرضها وحدودها. فهناك، عند حدود الجنوب، لن يُختبر اتفاق الإطار وحده، بل سيُختبر مستقبل الدولة اللبنانية. وعندها فقط سنعرف إن كانت وظيفة الجغرافيا قد تبدلت فعلاً، أم أن الجغرافيا أعادت إنتاج وظيفتها القديمة.

(*) مهندس معماري وكاتب سياسي

الأكثر قراءة

لبنان 7/1/2026 5:15:00 AM
يرفض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل التمييز بين ضابط وآخر، إذ يعملون كلهم تحت مظلة القيادة ولا يُسمح لأي جهة بالتدخل في مهمة أي ضابط.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.