عندما يُحجَب الوجه: أزمة الأخلاق في عالمٍ متصدّعٍ

منبر 11-05-2026 | 14:58

عندما يُحجَب الوجه: أزمة الأخلاق في عالمٍ متصدّعٍ

العالم لا يستمرّ بقوّة الأنظمة وحدها، بل بقدرة البشر على إبقاء الأبواب مشرّعة أمام الثقة، والإصغاء، وإمكان اللقاء
عندما يُحجَب الوجه: أزمة الأخلاق في عالمٍ متصدّعٍ
القدرة على الإصغاء (تعبيريّة).
Smaller Bigger

الأب الدّكتور سميح رعد

وأنا أتابع من غربة المنفى ما يجري في لبنان، تتكاثف الصّور في ذهني لا بوصفها أخبارا عابرةً، بل كعلاماتٍ ثقيلةٍ على جسد وطنٍ مأزوم. فالمنفى لا يخفّف وقع الحدث، بل يعيد فهمه من زاويةٍ مختلفة: يجعل الألم أكثر صفاءً، وأشدّ حدّةً في آنٍ معا، كأنّ المسافات تكشف ما كان خفيّا تحت وطأة القرب وضجيجه.

 

في هذا التّأمّل البعيد، لا تبدو الحرب الكلاميّة اللبنانيّة مجرّد حدثٍ عسكريٍّ، بل هي اختلال عميق في معنى العيش المشترك نفسه. كأنّ العالم يفقد تدريجا قدرته على أن يكون "عالما" بالمعنى الحقيقيّ، فضاء قابلا للسّكن، وللفهم، وللاعتراف المتبادل. ما يصلني ليس فقط صور الدّمار، إنّما أكثر، هو اهتزاز اللّغة، وتعب المعنى، وتآكل الثّقة الّتي تقوم عليها أبسط أشكال حياة اللبنانيّين. وفي مثل هذا السّياق، يصبح الفهم أصعب من الألم، ويغدو التّأويل عبئا إضافيّا على واقعٍ مثقلٍ أصلا بالجراح.

 

من هذا الموقع الهشّ بين الحضور والغياب، يفرض سؤالٌ نفسه بإلحاحٍ متزايدٍ: كيف يمكن عالماً أن يستمرّ حين تتعطّل القدرة على رؤية الآخر كوجهٍ؟ حين يُخْتَزل الإنسان إلى رقمٍ في خطابٍ سياسيّ، أو إلى عنصرٍ في سرديّةٍ مغلقةٍ، أو إلى موقعٍ داخل صراعٍ لا يترك مجالًا للاعتراف المتبادل؟

 

في العمق، لا يتعلّق الأمر هنا بمجرّد توصيفٍ للحرب الكلاميّة، بل بتحوّلٍ أعمق يمسّ البنية الأخلاقيّة نفسها للعلاقة بين البشر. فالوجه، في أبسط حضوره، ليس معطًى بصريّاً محايداً، بل ظهورٌ يسبق اللّغة، ويستدعي الاستجابة قبل أيّ تفسيرٍ. إنّه حضورٌ هشٌّ وملزمٌ في وقت واحد، كأنّه يقول بصمتٍ أوّليٍّ: لا يمكن أن يُخْتَزل الإنسان إلى شيء.

 

غير أنّ هذا الظّهور لا يبقى محميّاً داخل الاجتماع اللبنانيّ. فمع تصاعد منطق العنف في اللغة، يحدث ما يمكن تسميته بحجب الوجه: ليس فقط بمعنى الغياب الماديّ، بل بمعنى تآكل القدرة على الاعتراف بالآخر عديلا ذاتيّاً بكرامة متساوية. ينقلب الوجه تدريجاً من حضورٍ خُلُقيٍّ يلتمس الاستجابة، إلى علامةٍ قابلةٍ للتّصنيف، ثمّ إلى عنصرٍ داخل منطق المواجهة، حيث يعاد تعريفه وجهاً مشوّهاً أو هدفاً أو تهديدا أو مجرّد كتلةٍ بشريّةٍ.

 

في هذه اللّحظة، لا يتأثّر النّظام الخُلُقيّ الظّاهر وحده، بل تبدو البنية العميقة لفكرة الإنسان نفسها في حالة ارتباك. إذ يتراجع المخيال الأخلاقيّ، ويضعف الإحساس بالهشاشة المشتركة، ويصبح العنف بكلّ ألوانه أكثر سهولةً حين يفقد الآخر ملامحه الإنسانيّة الأولى. عندها لا يعود العالم المشترك مهدّدا من الخارج فقط، بل من داخله الرمزيّ.

 

ومن جهةٍ أخرى، يتبدّل معنى المقدّس نفسه، إذ لا يعود حكراً على البعد اللاهوتيّ أو العِقَديّ أو الطّقسيّ، فيتجلّى كأفقٍ أخلاقيٍّ أعمق: الاعتراف بأنّ في كلّ وجهٍ إنسانيٍّ قيمةً لا تختزل ولا تستباح. وعندما تنتهك هذه الحرمة، لا ينهار فقط النّظام الأخلاقيّ، بل تتصدّع فكرة المسؤوليّة عينها بما هي نداءٌ أصيلٌ يسبق كلّ قانونٍ وكلّ تنظيمٍ.

 

المسؤوليّة ليست عقداً لاحقاً، إنما هي استجابةٌ أولى تنبع من اللقاء بالوجه. إنّها التزامٌ لا ينتظر تفسيراً للعالم، بل ينشأ في قلب هشاشته.

 

بهذا المعنى، لا يقتصر أثر العنف على تدمير الأجساد أو تفكيك البنى الاجتماعيّة، بل يُمْسي شرط إمكان الأخلاق نفسه: تلك العلاقة الأولى الّتي تجعل الإنسان كائناً مسؤولاً قبل أن يكون كائنا معرفيّاً أو دينيّاً أو سياسيّاً. وعندما يُحْجب الوجه، لا ينكسر العالم فقط، بل تعتلن هشاشة الإنسان في أعمق جذورها: لا يكتمل إلّا في استجابته للآخر.

 

هل يمكن اللبنانيّ، بعد كلّ هذا الانكشاف، أن يعيد ترميم قدرته على الإصغاء إلى صنوه كوجهٍ وحضورٍ لا يمكن اختزاله؟ أو أنّ الأزمة تدفع بعلاقاته نحو مزيدٍ من الانغلاق والتوقع، حيث يتراجع الاعتراف المتبادل لمصلحة الخوف والتوجّس وإرادة الهيمنة؟ إنّ التحدّيات الحقيقيّة لا تكمن فقط في وقف دوائر الصراع، بل في إعادة بناء الرهافة الإنسانيّة القادرة على حماية هشاشة الآخر وصون كرامته. فالعالم لا يستمرّ بقوّة الأنظمة وحدها، بل بقدرة البشر على إبقاء الأبواب مشرّعة أمام الثقة، والإصغاء، وإمكان اللقاء. وحين تُستعاد هذه القدرة، لا يعود المستقبل مجرّد امتدادٍ للانقسام، بل يستحيل احتمالاً أخلاقيّاً لولادة معنى جديد للعيش معاً.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/9/2026 11:05:00 PM
جرى خلال الاتصال، استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها...
الخليج العربي 5/10/2026 1:02:00 PM
وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة رصدت فجر اليوم عدداً من المسيّرات المعادية داخل المجال الجوي الكويتي وتمّ التعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة
المشرق-العربي 5/9/2026 11:10:00 PM

نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.

المشرق-العربي 5/10/2026 5:05:00 AM
شقيق الرئيس السوري خارج التشكيلة الحكومية الجديدة... هل يصبح سفيراً في روسيا؟