متى كان لبنان عظيماً؟
المحامي رفيق اورى وليد غريزي
لم يكن لبنان عظيماً حين استُبيحت سيادته أو تحول إلى ساحة لتصادم المشاريع الخارجية، بل كان عظيماً يوم كانت "الدولة" هي المبتدأ والخبر، ويوم كانت الدبلوماسية اللبنانية، التي أرساها رجالات من طينة فؤاد بطرس، تتحدث بلغة القانون الدولي واتفاقية الهدنة لعام 1949 كدرع حماية لا كمجرد ورقة منسية. واليوم، فيما تتصاعد الأحاديث حول مفاوضات في واشنطن برعاية إدارة دونالد ترامب، يبرز السؤال الوجودي: هل يمكن للبنان أن يستعيد عظمته خارج "الكتاب" الذي آمن به فؤاد شهاب، وبمعزل عن عمقه العربي الذي تشكل المملكة العربية السعودية ركيزته الأساسية؟
إن عظمة لبنان، كما صاغها ميشال شيحا، تكمن في كونه "همزة وصل لا ساحة تصفية حسابات". هذه العظمة تتطلب "واقعية صلبة" ترفض نظريات السلاح العابر للحدود، وتتمسك بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وهنا تبرز الأهمية التاريخية للدور السعودي؛ فالمملكة السعودية، عبر مبعوثها الأمير يزيد بن فرحان ووزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، لا تزال تمارس دور الضامن لـ "روح الطائف". إن الموقف السعودي الحالي، الذي يربط صراحة بين تعافي لبنان وحصر السلاح بيد الدولة عبر "خطة المراحل الخمس"، ليس مجرد سياسة عابرة، بل هو امتداد لموقف الملك فهد الذي رعى الطائف لإنقاذ الكيان، وموقف الملك فيصل الذي رأى في لبنان رئة للعرب يجب أن تبقى نقية.
المملكة اليوم واضحة في رسالتها: "آن الأوان لإيجاد حل عادل". وهذا الحل يبدأ بتنفيذ اتفاق الطائف كاملاً، وهو ما شدد عليه الأمير يزيد بن فرحان في لقاءاته الأخيرة، مؤكداً أن خلاص لبنان يكمن في بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها وتفكيك المربعات الأمنية. إن الدعم السعودي للبنان ليس شيكاً على بياض، بل هو مشروع سياسي يهدف إلى استعادة "دولة المؤسسات" التي أرادها فؤاد شهاب، حيث لا شريك للجيش في حماية الثغور، وحيث لا سلطة تعلو فوق سلطة القانون.
أما بالنظر إلى طموحات ترامب في إنجاز "سلام" سريع في واشنطن، فإن الوقائع التاريخية تشير إلى أن أي محاولة لتجاوز الموقف السعودي هي محاولة لقص أجنحة السلام قبل إقلاعه. هل ينجح ترامب قبل موافقة المملكة؟ الجواب يكمن في ثوابت الرياض؛ فالمملكة ليست بوارِد منح صكوك السلام دون حل عادل وشامل للمسألة الفلسطينية. لقد أكدت القيادة السعودية مراراً أنه لا علاقات مع إسرائيل ما لم يتم الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة. إن "مبادرة السلام العربية" لم تسقط، بل تطورت لتصبح اليوم "التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين" الذي تقوده المملكة، وهو المسار الذي يرفض التطبيع المجاني ويتمسك بـ "سلام الشجعان" الذي يحمي سيادة لبنان ويحقق دولة فلسطين على حدود 1967.
ورغم أن إسرائيل بيمينها المتطرف قد لا تبدو بوارد القبول بهذا المسار حالياً، إلا أن التنسيق اللبناني-السعودي العميق يؤكد أن لبنان لن يغرد خارج السرب العربي. إن "حل الدولتين" لا يزال الممر الإلزامي الوحيد لأي استقرار إقليمي، وأي محاولة للقفز فوق هذا المطلب ستصطدم بصلابة الدبلوماسية السعودية التي ترى في فلسطين بوصلة الاستقرار وفي لبنان مرآة العروبة.
لقد كان فؤاد بطرس يقول إن "السيادة ممارسة تبدأ من احترام القرارات الدولية"، ومنها اتفاقية الهدنة اليوم القرار 1701. إن عودة لبنان عظيماً تمر حتماً عبر هذا المسار القانوني، وعبر التزام السلطة اللبنانية بخطة واضحة لجمع السلاح وحصره بالشرعية، تماشياً مع المطالب العربية والدولية. لبنان العظيم هو "لبنان الدولة" الذي لا يقبل أنصاف الحلول، وهو لبنان الذي وصفه ميشال شيحا بقوله: "لبنان بلد التوازن، فإذا اختل التوازن انهار الكيان". العظمة اليوم هي العودة إلى هذا التوازن تحت مظلة "الكتاب" والدستور، وبدعم من الأشقاء العرب الصادقين الذين يرفضون أن يكون لبنان ساحة حرب أو جائزة ترضية.
في الختام، يعود لبنان عظيماً حين يتوقف عن كونه "صدى" لسياسات الآخرين، ويصبح "صوتاً" للحق والقانون والسيادة. إن المظلة السعودية، بتمسكها بحصر السلاح وحل الدولتين، هي الضمانة الوحيدة لكي لا يكون السلام القادم مجرد استراحة محارب، بل فجراً جديداً لـ "لبنان العظيم" الذي يحترم تاريخه ليصنع مستقبله.
نبض