حرب الطاقة الأميركية من فنزويلا وإيران إلى الصين
عماد جودية
منذ انطلاق الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران مطلع آذار الماضي والرئيس دونالد ترامب يعمم فكرة مضللة ومقصودة تتعلق بـ"مضيق هرمز" ويتم تغذيتها وتضخيمها بشكل مستمر منه ومن كبار مساعديه وقادة إدارته ومعهم غالبية وسائل الإعلام الأميركية والغربية الموالية لهم، وهي أن إيران تحاصر مضيق هرمز وتغلق الملاحة الدولية فيه.
والغريب في الأمر أن أصحاب القرار الدولي يعلمون جيداً أن مضيق هرمز الذي كان من الأساس آمنا أمام الملاحة الدولية قبل اندلاع هذه الحرب، لم تغلقه إيران بعد اندلاعها، بل الحقيقة هي أن سفن الشحن البحري على أنواعها بما فيها ناقلات النفط العملاقة، توقفت عن عبوره ليس بسبب إدعاءات ترامب ومسؤولي إدارته بل لأن "شركات التأمين العالمية" هي التي رفضت تغطية مرور تلك السفن عبره بسبب الأعمال الحربية الأميركية الجارية هناك، والتي دفعت القيادة العسكرية الإيرانية مرغمة على زرع ألغام بحرية في مياهه وتهديدها باستهدافها بطائراتها المسيرة انسجاماً مع حقها المشروع في الدفاع عن نفسها. ورغم أن إيران صرحت بأنها ستسمح فقط لسفن الشحن التي ترفع أعلام دول صديقة بالمرور الآمن كالصين والهند وباكستان وماليزيا، إلا أن سفن هذه الدول امتنعت هي الأخرى عن عبور المضيق بسبب مشكلة التأمين البحري.

هنا يبرز التساؤل لماذا يضخّم ترامب ومسؤولو إدارته ووسائل الإعلام الموالية لهم من عدوانية إيران في مضيق هرمز طالما أنه يعلم أن شركات التأمين العالمية هي المشكلة لا طهران؟ الجواب هو أن الهدف من هذه الحملة المضللة هو تبرير استمرار ضراوة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران للضغط عليها من أجل التفاهم معها بالرضى أم بالقوة حول كيفية تصدير نفطها. يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار النفط نتيجة ما يُسمى بالحصار، والذي زاد من قيمة الاحتياطيات الأميركية بنسبة 40 في المئة، كما زاد أيضاً من ارتفاع مبيعات الأسلحة.
بعد أيام على بدء النزاع العسكري في مضيق هرمز، كتبنا في صفحة المنبر في العزيزة "النهار"، مقالاً أشرنا في عنوانه إلى وجود هدفين لحرب ترامب الإيرانية: الصين والانتخابات النصفية. واليوم رغم قرار وقف إطلاق النار لأسبوعين (بعد مرور شهر ونيف على اندلاع هذه الحرب) لا يخفي ترامب رغبته بوضع يده على نفط إيران بالتفاهم معها كما فعل مع فنزويلا، وهدفه في حال نجح، هو السيطرة على احتياجات الصين من الطاقة، حيث إنها تستورد من فنزويلا وإيران ما مجموعه 17 في المئة من احتياجاتها، وتستورد 12 في المئة من العراق. وطموحه هو أن يصبح إجمالي 29 في المئة من حاجات الصين للطاقة خاضعاً للإملاءات الأميركية وهي نسبة عالية، علما أن الصين تستورد أيضاً 18 في المئة من حاجتها للطاقة من السعودية لوحدها، وحتما يتطلع هو لاحقاً للتنسيق مع الرياض إلى كيفية تصدير نفطها إليها. هنا السؤال الكبير الذي يطرح: هل ترد الصين على خطوات ترامب باحتلالها تايوان لاحقاً في حال نجح في حربه تلك؟ علما أننا نشك في إمكانية نجاحه نتيجة صلابة موقف إيران وصمودها قيادة وشعباً.
أخيراً، إذا نجح ترامب في حرب الطاقة تلك، وهذا مستبعد كما أشرنا آنفاً، فإن بلاد العم سام ستصبح "الأمبراطورية الرومانية" الجديدة في هذا العصر، أما إذا اعترضت الصين على توجهه، فنخشى عندها أن يتجه العالم بسرعة نحو "حرب عالمية ثالثة" لا أحد يعلم ما سيكون عليه شكل العالم الجديد في حال وقوعها.
نبض