من هزيمة ترامب إلى انتصار القاعدة الشعبية... ماذا تغيّر في أميركا؟

آراء 08-11-2026 | 08:25

من هزيمة ترامب إلى انتصار القاعدة الشعبية... ماذا تغيّر في أميركا؟

ترى الدكتورة سحر خميس أن المكاسب الديموقراطية في الانتخابات الأميركية تعكس استياءً من سياسات ترامب وتحولاً في المزاج الشعبي، تجلّى في فوز عبد الرحمن السيد وصعود التمويل الشعبي، وسط توقعات بتعزيز الرقابة البرلمانية وتصاعد المواجهة السياسية.

من هزيمة ترامب إلى انتصار القاعدة الشعبية... ماذا تغيّر في أميركا؟
عبد الرحمن السيد يحتفل مع زوجته سارة جوكاكو بفوزه بمقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ الأميركي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. سحر خميس،
أستاذة الإعلام في جامعة ميريلاند الأميركية

 

لم تكن الموجة الزرقاء التي اجتاحت انتخابات التجديد النصفي الأميركية مجرد انتصار للحزب الديموقراطي على منافسه الجمهوري، بل كانت، في تقديري، استفتاءً شعبياً واضحاً على رئاسة دونالد ترامب، ومصداقيته، وسياساته الداخلية والخارجية. ومع استعادة الديموقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، بات واضحاً أننا أمام تحول يتجاوز الحسابات الحزبية التقليدية، ويعكس حالة متنامية من السخط الشعبي على أداء الإدارة الأميركية.

لقد انتخب ملايين الأميركيين ترامب استناداً إلى وعود بتحسين الاقتصاد، وخفض تكاليف المعيشة، وإنهاء الحروب والصراعات الخارجية. لكن ما شهدناه خلال العامين الماضيين سار، في جوانب كثيرة، في الاتجاه المعاكس. فقد فرضت الحرب على إيران أعباءً اقتصادية وعسكرية كبيرة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والخدمات، ما جعل المواطن الأميركي يشعر بأن سياسات الإدارة لا تنعكس إيجاباً على حياته اليومية.

واللافت أن هذا الاستياء لم يعد مقتصراً على الديموقراطيين أو معارضي ترامب التقليديين، بل امتد إلى قطاعات من قاعدته الشعبية المعروفة بحركة "ماغا"، اختصاراً لشعاره الانتخابي "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً". فقد بدأ بعض أنصار الحركة يتساءلون عن مصير وعوده بتحقيق الازدهار الاقتصادي، وتجنّب الحروب الخارجية، وإعطاء الأولوية للمصالح الأميركية.

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافيين إلى جانب زوجته ميلانيا عقب مشاركته في التصويت المبكر بفلوريدا. (أ ف ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافيين إلى جانب زوجته ميلانيا عقب مشاركته في التصويت المبكر بفلوريدا. (أ ف ب)

 

انتصار القاعدة الشعبية

 

وسط هذه التحولات، يكتسب فوز عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان أهمية استثنائية. فهو أول مسلم يُنتخب لعضوية المجلس في التاريخ الأميركي، في سابقة لا يمكن اختزالها في نجاح انتخابي فردي، بل ينبغي قراءتها بوصفها مؤشراً على تحولات أوسع يشهدها المجتمع الأميركي.

لقد تعرض السيد لحملة سياسية شرسة، ارتبط جانب منها بهويته الدينية ومواقفه من إسرائيل والحرب على غزة. وفي رأيي، أسهم هذا الخطاب العدائي في إثارة رد فعل عكسي، وحشد قطاعات من الشباب والأقليات والعرب والمسلمين، إلى جانب ناخبين آخرين رفضوا توظيف الانتماء الديني وسيلةً للإقصاء السياسي.

لكن الدلالة الأعمق لهذا الفوز تتعلق بالتمويل السياسي. فقد خاض السيد منافسةً واجه خلالها إنفاقاً ضخماً من جماعات سياسية ولجان إنفاق خارجي دعمت منافسيه، سواء في الانتخابات التمهيدية أو العامة. وفي المقابل، شكّل اعتماده على التمويل الشعبي وتبرعات الأفراد ركناً أساسياً من هويته السياسية وحملته الانتخابية.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الانتخابات: لم يعد الدعم المالي الضخم من جماعات الضغط ضمانةً لتحقيق الانتصار. فقد أظهر نجاح السيد أن التعبئة الشعبية، والتنظيم الميداني، والقدرة على مخاطبة هموم المواطنين، يمكن أن تشكل قوةً مضادة للنفوذ المالي الذي تتمتع به المؤسسات والجهات صاحبة المصالح الكبرى.

ولا تبدو هذه الظاهرة معزولةً عن صعود شخصيات سياسية أخرى، مثل زهران ممداني في نيويورك، الذي عبّر نجاحه عن رغبة قطاعات من الناخبين في تجاوز النخب التقليدية، والبحث عن شخصيات سياسية أكثر قرباً من الناس وقضاياهم اليومية.

إننا نشهد، في تقديري، حراكاً اجتماعياً وسياسياً تتصدره الأجيال الشابة، وتشارك فيه الأقليات والمهاجرون، وتتقاطع خلاله مطالب العدالة الاقتصادية مع الدعوات إلى تمثيل سياسي أكثر تنوعاً. ولا يعني ذلك أن الإسلاموفوبيا أو العنصرية قد تراجعتا بصورة حاسمة، لكنه يشير إلى تنامي القدرة على مواجهتهما سياسياً وانتخابياً.

 

أنصار السناتور الديموقراطي جون أوسوف يحتفلون خلال ليلة الانتخابات في أتلانتا، وسط مكاسب واسعة لحزبهم. (أ ف ب)
أنصار السناتور الديموقراطي جون أوسوف يحتفلون خلال ليلة الانتخابات في أتلانتا، وسط مكاسب واسعة لحزبهم. (أ ف ب)

 

مواجهة قادمة مع ترامب

 

غير أن انتصار الديموقراطيين لا يعني انتهاء الأزمة السياسية الأميركية، بل ربما يمثل بداية مرحلة جديدة، وأكثر حدة، من المواجهة بين الكونغرس والرئيس.

فخلال العامين الماضيين، استفادت إدارة ترامب من سيطرة الجمهوريين على مجلسي الكونغرس، الأمر الذي حدّ من فاعلية الرقابة البرلمانية على ملفات شائكة تتعلق بتضارب المصالح واستغلال النفوذ والصفقات التجارية المرتبطة بالرئيس وأفراد من دائرته المقربة.

ومع انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديموقراطيين، أتوقع إعادة فتح ملفات حساسة، والمطالبة بإجراء تحقيقات وعقد جلسات استماع ومساءلة بشأن ممارسات الإدارة، بما في ذلك قضايا تضارب المصالح واستغلال النفوذ والملفات المرتبطة بجيفري إبستين.

لكن ينبغي الانتباه إلى المرحلة الانتقالية الفاصلة بين الانتخابات وانعقاد الكونغرس الجديد في كانون الثاني/يناير المقبل. فقد يسعى ترامب وحلفاؤه إلى استثمار هذه الفترة لتمرير بعض القرارات أو التشريعات، وربما اتخاذ خطوات تصعيدية في السياسة الخارجية، وخصوصاً تجاه إيران، قبل أن تتغير موازين القوى في واشنطن.

لذلك، لم يعد السؤال الأهم مقتصراً على أسباب خسارة الجمهوريين، بل أصبح يتعلق بما سيحدث عندما تجد السلطة التنفيذية نفسها في مواجهة كونغرس تسيطر عليه المعارضة.

لقد أثبت الناخب الأميركي قدرته على تغيير موازين القوى السياسية عبر صناديق الاقتراع. لكن الاختبار الحقيقي للديموقراطية الأميركية يبدأ الآن، ويتوقف على قدرة المؤسسات على استعادة دورها الرقابي، ومحاسبة المسؤولين، ووضع حدود واضحة لممارسة السلطة.

حمل الأشهر المقبلة ملامح مرحلة جديدة في السياسة الأميركية، تجمع بين آمال استعادة التوازن بين السلطات وتعزيز الرقابة والمساءلة، وما تتيحه هذه التحولات من فرص لتصحيح المسار الديموقراطي والاستجابة لتطلعات الناخبين من جهة، وبين مواجهات سياسية متوقعة حول ملفات شائكة قد تزيد حدة الاستقطاب السياسي من جهة أخرى.

 فعودة المؤسسات إلى ممارسة أدوارها الرقابية لا تعني بالضرورة انحسار الصراع السياسي، بل قد تتزامن مع تصاعده، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة المقبلة وتناقضاتها.



الأكثر قراءة

ايران 11/7/2026 10:46:00 AM
عنصر أمني إسرائيلي ارتكب خطأ أدى إلى اطلاع واشنطن عليها
لبنان 11/6/2026 10:50:00 PM
لم يُفد عن وقوع إصابات، واقتصرت الأضرار على الماديات...
لبنان 11/7/2026 9:08:00 AM
انتشرت خلال الساعات الماضية أنباء عن إعلان وزارة الخارجية الأميركية القنصل اللبناني في مدينة ديترويت، بولاية ميشيغن، إبراهيم شرارة، شخصاً غير مرغوب به.
لبنان 11/7/2026 8:20:00 PM
أعلن مجلس القضاء الأعلى في لبنان نتائج المرحلة الأولى من مباراة تعيين قضاة متدرّجين في معهد الدروس القضائية – قسم القضاء العدلي، التي أجريت بتاريخ 5 أيلول 2026.