سوريا الدولة الوطنية في اجتماع نيويورك: من جغرافيا الصراع إلى عقدة الممرات

آراء 30-09-2026 | 04:00

سوريا الدولة الوطنية في اجتماع نيويورك: من جغرافيا الصراع إلى عقدة الممرات

السؤال بالنسبة إلى سوريا يتجاوز إعادة الإعمار. هل تبقى جغرافيتها مرتبطة بجغرافيا الصراع، أم تتحول إلى عقدة جيوـاقتصادية تصل الخليج والعراق بالمشرق وتركيا وأوروبا، وتتفاعل مع منظومة مصر البحرية واللوجيستية؟
سوريا الدولة الوطنية في اجتماع نيويورك: من جغرافيا الصراع إلى عقدة الممرات
سوريا عقدة مواصلات مستقبلية
Smaller Bigger

 نزيه الخياط*

 

1. نيويورك: لحظة إعادة تعريف وظيفة سوريا

أعاد اجتماع نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر 2026، الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة ومسؤوليين من الخليج والعراق وسوريا وتركيا والأردن ومصر ولبنان، طرح أسئلة تتجاوز الأمن المباشر إلى استقرار المنطقة وأمن الطاقة والاقتصاد واستراتيجيات ما بعد الحروب. ومن هنا تبرز مسألة تتعلق بمستقبل المشرق: كيف يمكن بناء شبكة إقليمية متعددة المسارات، بحيث لا يبقى الاقتصاد والطاقة والتجارة رهائن نقطة اختناق واحدة؟

 

السؤال بالنسبة إلى سوريا يتجاوز إعادة الإعمار. هل تبقى جغرافيتها مرتبطة بجغرافيا الصراع، أم تتحول إلى عقدة جيوـاقتصادية تصل الخليج والعراق بالمشرق وتركيا وأوروبا، وتتفاعل مع منظومة مصر البحرية واللوجيستية؟

 

إن التحول المطلوب لا يبدأ من المشاريع المنفردة، بل من إعادة تعريف وظيفة الدولة السورية داخل الإقليم. المعادلة الجديدة ليست إلغاء هرمز أو منافسة قناة السويس، بل بناء تعدد في الممرات والمسارات.

 

2. من هرمز إلى تعدد الممرات والمسارات في الخليج والمشرق العربي 

أظهرت الاضطرابات التي طاولت هرمز وباب المندب أن الاعتماد على نقاط اختناق محددة يرفع الكلفة الجيوسياسية والاقتصادية للتجارة والطاقة. لذلك يصبح تنويع المسارات البرية والبحرية والسككية وخطوط الطاقة وسيلة لتقليص الوزن الجيوسياسي لنقاط الاختناق، والحد من قدرة أي طرف على تحويلها إلى أدوات ضغط استراتيجية.

 

المسار البديل لا يعني إلغاء هرمز، بل بناء شبكة موازية واحتياطية تضم خطوط الطاقة والسكك والطرق والموانئ ومراكز التخزين والتوزيع والخدمات اللوجيستية. وكلما تعددت الخيارات، تراجعت قدرة أي نقطة منفردة على تعطيل حركة الاقتصاد الإقليمي.

 

وبالنسبة إلى إيران، فإن تعدد المسارات لا يلغي أهمية هرمز، لكنه يحدّ من قدرة طهران على تحويل التحكم بممر استراتيجي إلى ورقة ضغط على أمن الطاقة والتجارة الإقليمية.

 

ومن هذه الزاوية، يعود المشرق العربي إلى الواجهة بوصفه مساحة قابلة لإعادة تنظيم حركة الطاقة والبضائع والاستثمارات. ويبرز مشروع الربط السككي الذي يتجه إلى وصل السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى أوروبا، وما يمكن أن يرافقه من تكامل طرقي ولوجيستي، باعتباره أحد النماذج العملية لهذا التحول.

 

3. العراق: الطاقة تبحث عن المتوسط، وسوريا عقدة الربط

 يمتلك العراق ثروة الطاقة والموقع الجغرافي الذي يربط الخليج بالمشرق وتركيا، ولذلك يمكن أن يكون أحد المحاور الأساسية في شبكة الممرات الجديدة. وتبرز الحاجة إلى تنويع منافذ تصدير الطاقة، بما في ذلك المسار العراقي ـ السوري نحو المتوسط، مع إمكان الاستفادة من البنية التاريخية لخط كركوك ـ بانياس، فضلاً عن تطوير شبكات نقل الطاقة والطرق والسكك.

 

وتكتسب هذه الجغرافيا أهميتها من كونها تربط بين مصادر الطاقة ومنافذ التصدير والأسواق. فالعراق لا يحتاج إلى منفذ إضافي فحسب، بل إلى منظومة نقل متكاملة تسمح بتوسيع خياراته التجارية وتقليل الاعتماد على مسار واحد.

 

وهنا تتكامل الأدوار: العراق مصدر الطاقة، والخليج مصدر رأس المال والأسواق، والأردن حلقة الربط البري، وسوريا عقدة المشرق والمتوسط، وتركيا بوابة أوروبا، ومصر عقدة بحرية ولوجيستية عبر قناة السويس وموانئها.

 

4. سوريا: من جغرافيا الصراع إلى العقدة المشرقية للممرات

تقع سوريا عند نقطة التقاء الخليج والعراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، ما يمنحها وظيفة تتجاوز كونها مساحة عبور. لكن قيمة الموقع لا تتحقق بمجرد مرور البضائع والطاقة؛ بل عندما يتحول العبور إلى وظيفة اقتصادية وطنية.

 

فالدولة التي تكتفي بالسماح بمرور الممرات تحصل على جزء محدود من عوائدها، بينما تستطيع الدولة التي تبني حولها الخدمات والصناعة والمناطق الحرة والموانئ الجافة واللوجيستيات أن تحول الممر إلى اقتصاد إنتاجي.

 

لذلك، ينبغي أن تتحول سوريا إلى عقدة جيوـاقتصادية تتقاطع فيها الطاقة والسكك والطرق والموانئ والتجارة والتمويل والتأمين والصيانة والاستثمار. وهذا يتطلب أن تكون البنية التحتية جزءاً من استراتيجية وطنية، لا مجرد مشاريع منفصلة تمولها أطراف مختلفة.

 

وفي مشروع الربط السعودي ـ التركي، يصبح الأردن الحلقة البرية، وسوريا عقدة الربط المشرقي، وتركيا بوابة أوروبا؛ بما يجعل سوريا جزءاً من شبكة متكاملة لا مجرد أرض تعبرها القطارات.

 

فالموقع الجغرافي لا يصنع الدولة وحده؛ الدولة هي التي تحوّل الموقع إلى وظيفة.

 

5. الممر ليس طريقاً بل مسار جيوسياسي ـ اقتصادي ـ عمراني

الممر الاقتصادي ليس طريقاً مرسوماً على الخريطة. فالسكك والطرق وخطوط الطاقة تحتاج إلى مستودعات ومراكز توزيع ومناطق صناعية وموانئ جافة ومراكز صيانة وخدمات لوجيستية، ثم إلى فنادق ومساكن وتمويل وتأمين وتعليم تقني. وهكذا تتوسع المدن وتظهر مراكز اقتصادية جديدة.

 

لذلك يمكن لمشروع الربط السعودي ـ التركي عبر الأردن وسوريا أن يكون نواة لمسار جيوسياسي ـ اقتصادي ـ عمراني أوسع، يضم الطرق المكملة، والمعابر الذكية، والتخزين والتوزيع، والصناعة، والصيانة، والتمويل والتأمين، والحواضر التي تتحول إلى عقد خدماتية.

 

الممر يولّد الخدمات، والخدمات تولّد المدن، والمدن تولّد الوظائف، والوظائف تعيد تشكيل الجغرافيا السكانية والعمرانية.

 

وهنا يصبح الممر أداة لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي خارج مراكز المدن التقليدية، وربط المناطق الداخلية بمراكز الإنتاج والتجارة. فإعادة الإعمار لا ينبغي أن تعني إعادة بناء ما تهدم فقط، بل إعادة بناء الاقتصاد المنتج في المدن والمناطق التي تمر بها الممرات.

 

وتستعيد الجغرافيا هنا بعضاً من ذاكرتها الاقتصادية؛ فخط التابلاين السعودي الذي كان يعبر الأردن وسوريا نحو صيدا يمثل مثالاً تاريخياً على إمكان تحويل الجغرافيا المشرقية إلى مسار للطاقة والتجارة.

 

6. شبكة إقليمية متكاملة الأدوار والعقد

لا تقوم الرؤية الجديدة على محور واحد، بل على شبكة إقليمية متعددة العقد، لكل عقدة فيها وظيفة تكمل الأخرى. فالسعودية والخليج يوفران الطاقة ورأس المال والأسواق، والعراق الطاقة والموقع البري، والأردن الربط، وسوريا عقدة المشرق والمتوسط، وتركيا بوابة أوروبا، ومصر قناة السويس والموانئ والخدمات البحرية واللوجيستية.

 

وهذه الشبكة لا تلغي الأدوار القائمة، بل تعيد توزيعها من ضمن منظومة أكثر ترابطاً. فالقاهرة ليست بديلاً من دمشق، ودمشق ليست بديلاً من قناة السويس، وتركيا ليست بديلاً من الخليج؛ بل تضيف كل عقدة وظيفة إلى الشبكة.

 

أما لبنان، فيمكن أن يشكل امتداداً متوسطياً مهماً، شرط أن تحمي الدولة موقعه وتحوّل موانئه وبنيته التحتية ورأسماله البشري إلى وظائف اقتصادية قابلة للاستثمار.

 

 7. الأردن: الحلقة البرية في منظومة الممرات المتعددة

يكتسب الأردن أهمية خاصة باعتباره حلقة برية بين الخليج والعراق وسوريا، لكنه لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مجرد مساحة تقع بين دول أكبر. فقيمة موقعه ترتبط بقدرته على تشغيل الممرات من خلال المعابر والجمارك والتخزين والنقل والصيانة والطرق والسكك.

 

ومن هنا، لا تقاس قيمة الممر بطول الطريق فقط، بل بكفاءة الدولة في إدارة الحدود والجمارك والنقل والأمن والخدمات الرقمية. فكل تأخير عند الحدود يرفع كلفة الممر ويضعف قدرته التنافسية.

 

وتصبح الحدود نفسها جزءاً من البنية الاقتصادية للممر: فالمعبر السريع والرقمي لا يخدم الأمن فقط، بل يرفع كفاءة التجارة والاستثمار ويجعل الدولة شريكاً في تشغيل الشبكة.

 

8. سوريا الدولة الوطنية أولاً: أمن الممرات من أمن الاقتصاد 

لا يمكن لأي ممر اقتصادي أن يعمل في ظل دولة ضعيفة أو أمن مجزأ. ولذلك تحتاج سوريا إلى جيش وطني محترف، وأجهزة أمن وحدود فعالة، وقضاء يحمي العقود، وإدارة مؤهلة، ومنظومة للأمن السيبراني.

 

أمن الممرات جزء من أمن الدولة، وأمن الدولة شرط لجذب الاستثمار.

 

وهنا يظهر التحول الضروري من أمن النظام إلى أمن الدولة. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الطريق، بل عن أمن العقد ورأس المال والبضائع، وعن مؤسسات تستطيع تنفيذ القانون وحماية الحقوق.

 

كما أن أمن الممر لا يقتصر على حماية الطرق والسكك، بل يشمل أمن الطاقة والموانئ والمعابر والبيانات والمنشآت الحيوية. ولذلك فإن إعادة بناء الدولة السورية ليست مسألة داخلية فقط، بل شرطاً لاندماجها في الاقتصاد الإقليمي.

 

9. الإنسان والمعرفة والرقمنة: تحويل العبور إلى إنتاج

لا تستطيع سوريا الاستفادة من موقعها إذا بقي رأس المال البشري خارج الدورة الإنتاجية. فالممرات تحتاج إلى مهندسين وفنيين وخبراء لوجيستيات وطاقة وسكك وموانئ، إضافة إلى خبرات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والإدارة الرقمية.

 

وهنا يمكن الجامعات والمعاهد التقنية وللاغتراب السوري أن تتحول إلى رأس مال معرفي ورقمي واستثماري عبر نقل الخبرات وبناء الشراكات وجذب الاستثمارات. فالدولة التي تستعيد الإنسان إلى الاقتصاد، تستعيد في الوقت نفسه قدرتها على إدارة البنية التحتية الحديثة.

 

كما أن الدولة الرقمية، عبر الجمارك والتراخيص والعقود وتتبع البضائع والمدفوعات إلكترونياً، تستطيع تقليل البيروقراطية ومجالات الفساد ورفع سرعة المعاملات.

 

فالهدف ليس إعادة تشغيل الاقتصاد القديم، بل بناء دولة قادرة على إدارة اقتصاد إقليمي مركب ومعقد.

 

10. لبنان: الجغرافيا وحدها لا تكفي للإصلاح البنيوي

يمتلك لبنان موقعاً متوسطياً وموانئ ورأسمالاً بشرياً وقطاعاً خاصاً راكم خبرة تاريخية في التجارة والخدمات. وقد ارتبط تاريخياً بشبكات الطاقة والنقل المشرقية، ومنها وصول التابلاين إلى صيدا، كما ارتبط الساحل اللبناني بمشاريع نقل الطاقة القادمة من العراق عبر سوريا.

 

لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي. فالمشاركة في منظومة الممرات الجديدة تحتاج إلى إصلاحات بنيوية في الإدارة والقضاء والقطاع المالي والمصرفي والبنية التحتية والحوكمة والشفافية.

 

وإذا لم تتحقق هذه الشروط، فقد تجد الممرات الجديدة مسارات أكثر قدرة على العمل، فيصبح احتمال مرورها من حول لبنان، لا من خلاله، قائماً. وهنا تتحول المنافسة بين الممرات إلى اختبار لقدرة الدول على تحويل مواقعها الجغرافية إلى وظائف اقتصادية.

 

 11. الأهداف التنفيذية: من خريطة الطريق والمخطط التوجيهي إلى المشروع الإقليمي 

 يحتاج تحويل هذه الرؤية إلى واقع، إلى خريطة طريق وطنية وإقليمية للممرات، مدعومة بمخطط توجيهي، تربط العراق والخليج والأردن وسوريا وتركيا بموانئ المتوسط، وتتفاعل مع المنظومة البحرية واللوجيستية المصرية.

 

وتتطلب الخريطة حزمة تنفيذية تشمل تطوير السكك والطرق وخطوط الطاقة، وإنشاء المناطق اللوجيستية والموانئ الجافة والمناطق الصناعية، وتطوير المعابر الذكية والجمارك الرقمية، وربط المشاريع بمراكز النمو الحضري والتعليم والتدريب والمهارات.

 

كما تحتاج إلى أطرٍ قانونية لحماية الاستثمار والعقود والشراكات، وآلية تنسيق إقليمية تحدد الأدوار والمعايير وأولويات الطاقة وحركة السلع والاستثمار. والأهم أن ترتبط كل عقدة من عقد الشبكة بقدرتها على إنتاج قيمة مضافة، لا بمجرد موقعها على الخريطة.

 

عندها يتحول الممر من فكرة جغرافية إلى برنامج اقتصادي قابل للقياس والتنفيذ.

 

الاستنتاج: من مشرق ساحة الصراعات إلى مشرق نظام المصالح المتبادلة

 

المطلوب ليس إنشاء محور جديد، بل إعادة تعريف وظيفة المشرق: من جغرافيا الصراع إلى جغرافيا الربط، ومن خطوط التماس إلى شبكة من الممرات والمصالح والاستثمارات.

 

وفي هذه المعادلة، تستطيع سوريا أن تتحول من مساحة تقع بين العراق والخليج والمتوسط وتركيا إلى عقدة جيو ـ اقتصادية تربط هذه المجالات، ضمن شبكة برية وسككية وطاقوية وبحرية تتفاعل مع الدور المصري في النقل واللوجيستيات.

 

المعادلة الجديدة ليست إلغاء هرمز أو منافسة قناة السويس، بل ألا يبقى الإقليم رهينة لمسار واحد. فتعدد المسارات يعني تخفيف المخاطر وتنويع الأسواق والطاقة والتجارة والصناعة والخدمات، وتحويل الممر من خط عبور إلى مصدر للاستثمار والإنتاج والوظائف.

 

وهنا تتصل الجغرافيا بالدولة مباشرة: الممر → الاستثمار → الإنتاج → الوظائف → الأمن الاقتصادي → استقرار الدولة.

 

فإما أن تبقى سوريا مساحة تمر عبرها المشاريع، وإما أن تتحول إلى دولة تدير جغرافيتها وتنتج قيمتها. وهذا هو الانتقال الحقيقي من جغرافيا الصراع إلى جغرافيا الربط، ومن دولة العبور إلى عقدة جيوسياسية ـ اقتصادية ـ عمرانية، داخل مشرق يقوم على المصالح المتبادلة، لا على أن يبقى ساحة للصراعات.

 

*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية

 

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 9/29/2026 1:06:00 PM
لم تقتصر المقاطع المنتشرة على إعادة تركيب مشاهد قديمة، بل ذهبت إلى حد وضع شخصيات "باب الحارة" في مواقف معاصرة.
فن ومشاهير 9/28/2026 7:03:00 PM
الصورة، بتفاصيلها العفوية، قدّمت جانباً مختلفاً من حياة الأمير الحسين والأميرة رجوة.
فن ومشاهير 9/29/2026 10:07:00 AM
تألقت النجمات في عرض لوريال باريس 2026، حيث خطفت كيندال جينر وياسمين صبري وأسيل عمران الأنظار بإطلالات ساحرة، واختتمت سيلين ديون الحدث بأداء مبهر.
رياضة 9/28/2026 7:29:00 AM
أعلنت منظمة "أول إيليت ريسلينغ" (AEW) وفاة المصارع البريطاني بنجامين ساترلي، المعروف باسم "باك" لدى جمهورها و"نيفيل" في WWE، عن 40 عاماً. وجاء الإعلان بعد مشاركته في عرض "All Out" السبت، من دون الكشف عن سبب الوفاة.