إلى متى يبقى لبنان أمّة في مأزق؟

آراء 28-09-2026 | 09:15

إلى متى يبقى لبنان أمّة في مأزق؟

المسألة لا تتّصل بصلاحيّات الدولة أو مفهوم السيادة فحسب، بل تمتدّ إلى تصوّرات متباينة لمعنى الانتماء إلى جماعة سياسيّة واحدة، تلك الجماعة التي يفترض قيامُها قرار الأفراد أو الجماعات بالعيش معًا في ظلّ قوانين مشتركة
إلى متى يبقى لبنان أمّة في مأزق؟
جلسة سابقة لمجلس الوزراء برئاسة عون (نبيل اسماعيل)
Smaller Bigger

الأب صلاح أبو جوده اليسوعي

 

يشغل موضوع احتكار الدولة اللبنانيّة السلاح، كما موضوع اختصاص الدولة الحصريّ، ولا سيّما اختصاص مجلس الوزراء، في اتّخاذ قرارَي الحرب والسلم، مكانًا مركزيًّا في المجادلات السياسيّة الحاليّة. واللّافت أنّ تلك المجادلات تتّخذ، في آنٍ واحد، بُعدًا وطنيًّا وسياسيًّا، ويقدّم كلّ طرف من الأطراف المشاركة فيها نفسه بوصفه مدافعًا عن المصلحة العامّة. فثمّة مَن يشدّد على صلاحيّات الدولة الحصريّة في شأن الموضوعَين المطروحين، وثمّة مَن يستند إلى شرعيّة المقاومة السياسيّة والتاريخيّة، ويقدّمها باعتبارها من أسس الدفاع الوطنيّ وعاملًا في تحقيق السيادة.

 

غير أنّ هذه المجادلات تكشف عن مأزق أعمق، متأصّل في تاريخ لبنان الحديث. فالمسألة لا تتّصل بصلاحيّات الدولة أو مفهوم السيادة فحسب، بل تمتدّ إلى تصوّرات متباينة لمعنى الانتماء إلى جماعة سياسيّة واحدة، تلك الجماعة التي يفترض قيامُها قرار الأفراد أو الجماعات بالعيش معًا في ظلّ قوانين مشتركة. فمن هي تلك الجماعة، أو، بكلام آخر، كيف نُعَرّف الـ"نحن" مكوّن الجماعة التي باسمها ينبغي أن تُمارس السيادة؟

 

تسعى السياسات التي تعتمد النهج الوسطيّ المعياريّ، والذي يطبع في الغالب مواقف المرجعيّات الدينيّة ومَن يتولّون السلطة، إلى التوفيق بين متطلّبات عمل مؤسّسات الدولة تبعًا للتوافق الميثاقيّ، والحفاظ على السلم الأهليّ من خلال التوصّل إلى تسويات تقوم على توازنات دقيقة. وفي حين أنّ مثل هذه السياسات تبقى براغماتيّة في الإطار المحليّ، فإنّها تظلّ أسيرة تلك التوازنات الدقيقة، وغير قادرة على تجاوزها. لذا، يبقى دورها إدارة التوتّرات القائمة بين الأطراف المتنازعة بشأن المواضيع الوطنيّة المطروحة، من دون أن تتمكّن من إنتاج تصوّر مشترك للجماعة السياسيّة. وباختصار، قد تنجح السياسات الوسطيّة في الحفاظ على السلم الأهليّ والحدّ الأدنى من عمل مؤسّسات الدولة، من دون أن تنجح في بناء الـ"نحن" السياسيّة التي تعبّر عن جماعة سياسيّة فعليّة.

 

ليس المأزق اللبنانيّ مؤسّساتيًّا فحسب، بل يتّصل أيضًا بالطريقة التي يفهم بها اللبنانيّون أنفسهم الجماعةَ السياسيّة الوطنيّة. وبكلام آخر، لا تكمن المشكلة في تعدّد الانتماءات، ولا سيّما الانتماءات الطائفيّة، مع كلّ ما تختزنه من أبعاد سياسيّة وثقافيّة وتاريخيّة خاصّة بكلّ طائفة، بل في العجز المستمرّ عن إدراج هذه الانتماءات ضمن إطار سياسيّ مشترك يسمح بانتقال تدريجيّ من الانتماءات الراهنة إلى انتماء مدنيّ مشترك. فحينذاك يمكن أن تصبح عضويّة الجماعة المدنيّة اللبنانيّة المجالَ المشترك الذي تستطيع فيه الانتماءات المختلفة أن تُعاش، من دون أن تتحوّل إلى حواجز تفصل اللبنانيّين بعضهم عن بعض.

 

وفي ضوء هذه الوجهة، تكتسب فكرة "الخطاب الوطنيّ" أهميّتها المركزيّة. وليس المقصود خطابًا يكتفي بترداد المعايير الميثاقيّة التي تُدخل العمل السياسيّ والوطنيّ في منطقٍ يمنع تطوير النظام، ولا تأليف سرديّة تطمس الخلافات الأساسيّة أو تلطّفها أو تشوّهها بغية التوصّل إلى تفاهمات تسمح باستمرار عمل المؤسّسات. بل المقصود اعتماد خطاب سياسيّ قادر على إنتاج تصوّرات ومبادئ مدنيّة تتّجه كلّها نحو الانتماء إلى الدولة، بحيث يمكن كلّ لبنانيّ أن يفهم نفسه عضوًا في جماعة سياسيّة واحدة، بالرغم من خلفيّته الجمعويّة الخاصّة.

 

يتوافق هذا المنظور مع مفهوم بنديكت أندرسون للأمّة باعتبارها "مجتمعًا سياسيًّا مُتَخيّلًا". فالأمّة ليست بالضرورة حقيقة متجانسة وموجودة منذ بدء التاريخ، بحيث لا يكون دور الخطاب السياسيّ سوى وصفها أو الدفاع عنها. بل هي أيضًا تمثيل جماعيّ ينظر من خلاله الأفراد، الذين لا يعرفون بعضهم بعضًا بالضرورة، إلى أنفسهم على أنّهم ينتمون إلى كيان واحد. وفي الحالة اللبنانيّة، يصبح السؤال إذن التالي: ما هو التمثيل المشترك الذي يمكن أن يربط بين الانتماءات الخاصّة من دون إنكارها؟

 

لذا، فإنّ الأمّة ليست مجرّد حقيقة تاريخيّة فحسب، بل هي مشروع سياسيّ قيد التكوين. ومن هذا المنظور، يتمتّع الخطاب الوطنيّ ببعد أدائيّ، إذ إنّه لا يكتفي بتمثيل الجماعة السياسيّة، بل يساهم في تحديد الطريقة التي ينظر من خلالها أفرادُ هذا المجتمع بعضهم إلى بعض، وفي تحديد ما يعتبرونه خيرهم المشترك.

 

تُتيح هذه المقاربة التحرّر من النظرة الجوهرانيّة التي تفترض أنّ اللبنانيّين منقسمون طبيعيًّا ونهائيًّا إلى جماعات طائفيّة منغلقة على ذاتها. لكنّها، في المقابل، لا تعني زوال الانتماءات الخاصّة، بل تغيير طبيعة علاقتها بالانتماء السياسيّ المشترك. وبالتالي، فالتحدّي لا يكمن في استبدال الانتماءات الطائفيّة بقدر ما يكمن في ضمان ألّا تبقى هذه الانتماءات أفقَ المواطنة الأخير، بحيث لا تحدّد بعدُ موقع الفرد داخل الجماعة السياسيّة.

 

يعبّر يورغن هابرماس عن فكرة مماثلة عندما يكتب أنّ "أمّة المواطنين لا تستمدّ هويّتها من السمات الإثنيّة والثقافيّة المشتركة، بل من ممارسة المواطنين حقوقهم على نحوٍ فعّال". ومن شأن هذا التصوّر أن يفسح المجال لتصوّر مجتمع سياسيّ لا يقوم أساسه على التجانس، بل على المشاركة في فضاء واحد من الحقوق والمسؤوليّات والتشاور والنقاش.

 

في ما يخصّ لبنان، يمكن أن تقود هذه الرؤية إلى إعادة النظر في طابع الميثاق الوطنيّ المؤقّت، وإلى مراجعة نقديّة واسعة لمختلف الأشكال التي نُظّمت من خلالها عمليّةُ تعايش الطوائف طوال التاريخ. وبالطبع، لا يعني ذلك إنكار التاريخ أو اختلاق هويّة جديدة مصطنعة، بل الاعتراف بأنّ أيّ سرديّة وطنيّة ليست محايدة، لأنّ كلّ سرديّة تنتقي أحداثًا وذكريات وقيمًا معيّنة بغية أن تمنح معنى لتجربة جماعيّة.

 

وتبرز في هذه المرحلة الصعوبةُ الحقيقيّة التي تكمن في كيفيّة بناء سرديّة مشتركة من دون أن تتحوّل الذاكرة إلى أداة إقصاء أو إلى وسيلة لتزييف الماضي. غير أنّ الخطاب الوطنيّ الذي يمكنه أن يضطلع بدور تأسيسيّ متين ينبغي أن يمتلك القدرة على الاعتراف بالجراح، وباختلاف الذاكرات، وبسرديّات الماضي المتنافسة. لكنّه ينبغي، في الوقت عينه، أن يكون قادرًا على إرساء مبادئ يمكن أن تلتقي حولها الجماعة السياسيّة، مثل المواطنة، والمساواة أمام القانون، وسيادة الدولة، والحقوق والواجبات، والحريّة، والمسؤوليّة تجاه الجماعة السياسيّة. وهكذا، لا يعود السؤال متّصلاً فقط بمَن يملك حقّ اتّخاذ قرار الحرب والسلم، بل يصبح، على نحوٍ أعمق: أيّ جماعة سياسيّة ينبغي أن تكون قادرة على تقرير مصيرها المشترك؟ وطالما بقي هذا السؤال من دون إجابة تحظى بالقدر الكافي من المشاركة والقبول، فإنّ التسويات المؤسّساتيّة المستوحاة من فلسفة الميثاق الوطنيّ ستظلّ محصورة في إدارة المأزق، من دون أن تعالج أسبابه الحقيقيّة.

 

إنّ بناء "نحن" اللبنانيّة لا يعني إلغاء الانتماءات التي يتكوّن منها البلد، ولا إنكار التاريخ الذي شكّلها، بل إعادة وضعها في إطار انتماء سياسيّ أوسع يجعل منها مكوّناتٍ لجماعة واحدة، لا حدودًا تفصل بينها. فالمواطنة لا تبدأ من السؤال عن الطائفة التي ينتمي إليها اللبنانيّ، بل من السؤال عمّا يجمعه بغيره من اللبنانيّين بوصفهم أصحاب حقوق وواجبات ومصير مشترك.

 

ومن هنا، لا يكون تجاوز المأزق اللبنانيّ مجرّد مسألة إصلاحٍ في المؤسّسات أو توزيعٍ جديد للصلاحيّات، وإن كان ذلك ضروريًّا، بل يصبح قبل كلّ شيء مسألة بناء جماعة سياسيّة قادرة على أن تقول "نحن" وأن تعنيها فعلًا. فحين تصبح الدولة الإطار الذي تلتقي فيه الانتماءات المختلفة، وحين تصبح المواطنة أساس المساواة، والخير العامّ أفقًا للعمل السياسيّ، يمكن عندها أن تتحوّل السيادة من موضوع نزاع بين الجماعات إلى تعبير عن إرادة جماعة سياسيّة واحدة.

 

وربّما يكون السؤال الأعمق الذي يواجه لبنان اليوم، إذًا، ليس فقط: مَن يملك قرار الحرب والسلم؟ بل: مَن نحن الذين نريد أن نملك، معًا، قرار السلم والحرب، وقرار مستقبلنا المشترك؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال هي، في جوهرها، الإجابة عن سؤال الأمّة اللبنانيّة نفسها.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 9/27/2026 1:27:00 PM
في مهلة أقصاها 24 شهراً، من المتوقع أن يكون المشروع العصري قد اكتمل، والذي وُصف في حفل إطلاقه بأنه الأكثر تطوراً وعصرنة في العاصمة.
لبنان 9/27/2026 9:30:00 AM
دخل القيادي في "حزب الله" وفيق صفا شخصياً على خط الملف، بصفته الصديق الشخصي المقرب جداً لوالد الزوجة الراحل، فأعيد الطفل إلى بعلبك، وحُرم والده منه.
فن ومشاهير 9/25/2026 7:24:00 PM
"هذا لك. بدايتك، أهلك، قصتك. أهلاً بك في العالم، يا طفلنا الجميل. لا فكرة لديك عن مقدار الحب الذي تحظى به منذ اللحظة الأولى".