"النهار" تواكب زيارة البابا الى فرنسا -3... المُراوحة الأرثوذكسية القاتِلة، وضرورات الوحدة المسيحية في عالم يزداد خطورة!

آراء 25-09-2026 | 09:18

"النهار" تواكب زيارة البابا الى فرنسا -3... المُراوحة الأرثوذكسية القاتِلة، وضرورات الوحدة المسيحية في عالم يزداد خطورة!

"النهار" تواكب زيارة البابا الى فرنسا -3... المُراوحة الأرثوذكسية القاتِلة، وضرورات الوحدة المسيحية في عالم يزداد خطورة!
لافتة تُرحّب بالبابا لاوون في فرنسا (النهار).
Smaller Bigger

=المحامي كارول سابا

 

"فرنسا ماذا فعلتِ بمُعموديَّتِك؟" منذ 46 سنة، وقف يوحنا بولس الثاني في 1980 في فرنسا، البنت البكر التاريخية للكنيسة الكاثوليكية، وسألها علانية في البورجيه هذا التساؤل المحب والتأنيبي. على خطى أسلافه، يزور البابا لاوون 14 فرنسا من 25 إلى 28 أيلول، والسؤال الذي يتكرر هو ماذا سيقول البابا لفرنسا، وهل سيُذكّرها بقول البابا يوحنا بولس الثاني، الذي أسقط القلعة الشيوعية، وخاصة بعدما تم تمرير قانون القتل الرحيم، بالرغم من معارضة كل الأديان له. 

 

محطات الزيارة حاشدة لآلاف المشاركين، في باريس ولورد، ومدينة ميتز. اللقاء المهم المرتقب سيكون في مدينة ميتز بين البابا وممثلي الأديان في فرنسا، ومنهم نحنُ ممثلي الأرثوذكس، بحضور رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون ورؤساء دول أوروبية، وشخصيات مدنية، ودينية، ورسميين. مدينة ميتز التاريخية، هي مدينة الشرق الفرنسي الكبير، التي عانت من آلام الحروب وضُمّت بالقوة الى ألمانيا واستعادتها فرنسا في ١٩١٩. لهذه المدينة رمزية أوروبية وتاريخ لعلائقية حوارية سلامية بين الأديان، وهي لا تزال تخضع لنظام "الكونكوردا"، الذي نظَّم العلاقة بين الدولة الفرنسية والأديان تطبيقاً لمعاهدة ١٨٠١ بين نابليون بونابرت والبابا بيوس السابع. بالتالي لا تخضع ميتز لقانون ١٩٠٥ لفصل الدين عن الدولة الذي أقر في 1905 في وقت كانت فيه المدينة خاضعة لألمانيا.

 

أهمية هذا اللقاء الخاصة، ستكمُن في نص إعلان "نداء ميتز" حول أهمية الحوار بين الأديان والعمل المشترك من أجل السلام وكرامة الإنسان في عالم يتألم ويعيش أزمات تحولات وأخطاراً كثيرة وكبيرة. سيُتلى الإعلان، الذي أعددناه بشكل مشترك، وسيوقّع عليه ممثلو الأديان في فرنسا وقداسة البابا. الجدير ذكره أن هذا الإعلان يأتي 40 سنة، بعد لقاء مدينة "أسّيز" الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني والذي حضره ممثلو كل الأديان، لا ليصلوا معاً، بل ليكونوا معاً بالصلاة من أجل السلام والحوار واللقيا.

 

 

"النهار" تواكب زيارة البابا الى فرنسا 2-... على خطى روبير شومان رجل الإيمان في خدمة أوروبّا

 

 

"أنا أمشي لكي تتقدَّم الكنيسة". هذا ما كتبه الأب إيف كونغار الدومينيكي، الذي برز نجمه في المجمع الفاتيكاني الثاني، في كتاب مذكّراته من جزءين "يومياتي عن المجمع"، من دار نشر سيرف الفرنسية، الذي يُعد أهم وثيقة حية يومية من قبل شاهِد فاعل في أروقة وجلسات المجمع توثق يوميات وتحديات هذا المجمع المَرْجع في الكنيسة الكاثوليكية الذي افتتحه البابا يوحنا ٢٣ في 1962 وأنهاه البابا بولس السادس سنة 1965. فعندما أطلق البابا يوحنا 23 ديناميكية المجمع الفاتيكاني الثاني، كان يُدرك أهمية أن يجتمع الكاثوليك معاً في مجمع للسير إلى الأمام ولصياغة شهادة تفهم الحداثة دون أن تخرج عن تراكم التقليد في الكنيسة. كذلك الأمر، وفي نفس الزمنية، فعل البطريرك أثيناغوراس الأرثوذكسي القسطنطيني في 1961 عندما أطلق في رودوس أول مؤتمر أرثوذكسي جامع إطلاقاً للتحضير للمجمع الأرثوذكسي الكبير. ضرورة اقتحام الحداثة والتحديث على مستوى الكنيسة الجامعة، الكاثوليكية والأرثوذكسية، هو ما شعرت به هاتان القامتان الكبيرتان، كضرورة ماسّة في أزمنة التحول المفصلية والخطرة. وهذا التحدّي اليوم الذي يجب أن تشعُر به قيادات الكنيستين أمام عِظَم أخطار تحولات زمنية اليوم المتأزمة.

 

يجب على الكنيسة أن تكون مَشّاءة، يقول المطران جورج خضر، أي أن تمشي كتلاميذ عمواس لمُلاقاة السيِّد عند كسر الخبز، لأنها إن راوحت مكانها تتكلَّس وتُصبح مؤسسة جامدة، مُحافظة، تتمركز بتحجُّر على مواقفها وحقائقها فتجعلها مطلقة، فتصبح إدارة الكنيسة مُتحفيّة. السير إلى الأمام، أكان في العالم الكاثوليكي الذي يشهد تراكمات كثيرة، أم في العالم الأرثوذكسي الذي يشهد أيضاً منذ 2019 انقسامات وأزمات كثيرة، ضروري لحياة الكنيسة وشهادتها في عالم اليوم المُتحوّل والمُتأزِّم والخطر حيث التحوّلات والأخطار الكثيرة من جيوسياسية، وعسكرية، واقتصادية، وبيئية، ومجتمعية، والأخطر يكمن في الانعكاس القِيَمِيّ الذي يقضي على كل القيم المسيحية ويفتح المجال لعودة القيم الوثنية القديمة الجديدة التي تتمركز اليوم وتتوسَّع في كل التشريعات. فالمُراوحة هي الموت البطيء، وهي أشد خطورة من كل الظواهر التي تُهدد الكنيسة وشهادتها اليوم في أزمنة التحولات الكبرى التي تتطلب الخروج من لاهوت الخوف المُحافِظ الذي يُضخِّم عوامل الفرقة والقسمة على منصات اللقاءات والمؤتمرات وعلى صفحات المدونات. كم من الكنائس اليوم، المُحافظة، لا بل المُتكلِّسة، شرقاً وغرباً، تُفضِّل المُساكنة مع الأخطار والأزمات إلى حدّ الاندثار، على أن تكسر حلقة الوهم والخوف وكل الحلقات المُفرغة المتراكمة تاريخياً وحالياً. المراوحة بدل اقتحام الأزمات بجرأة وسلامية وعِلم من خلال وضع جدلية المهم والأهم. 

 

نعم تُقيم أغلبية الكنائس الأرثوذكسية اليوم في المراوحة القاتلة. تتكلم كثيراً وبغزارة وإنشائية لامتناهية عن مشاكلها وأزماتها، وعن تداخل الديني والزمني فيها، وتتغرغر كل منها بمدح ذاتها بأنها كنيسة الاستقامة، وهذا صحيح، لكن في نفس الوقت يتمركز كل منها في انفصامية قول وفعل. الطاغي فيها اليوم هو لاهوت الخوف، ولاهوت التخويف السفسطائي البارع في صناعة الفزّاعات، كفزاعة الأول دون مثيل التي لا يمكن أن تحصل في العالم الأرثوذكسي إلا في حالة إلغاء سيادية كل الكنائس الأرثوذكسية المُستقلة وخنوع قادتها. أما آخر الفزاعات فهي في التحذير من خطر عودة "البنترخيا" (أي نظام البطريركيات الخمس القديمة عندما كانت روما أيضاً في الشركة الأرثوذكسية)، فيما اللقاء الذي دعا إليه البطريرك المسكوني برثولماوس بطاركة أنطاكية (يوحنا العاشر) والإسكندرية (ثيودوروس) وأورشليم (ثيوفيلوس) في 30 تشرين الثاني 2026 هو لقاء سيناكسيس (أي لقاء قمة لرؤساء كنائس أرثوذكسية) وليس لقاءً مجمعياً أو سينودوس (تقريري)، هو لقاء "للتشاور". مع العلم بأنه ليس اللقاء الأول من نوعه، وقد حصل سابقاً في إسطنبول في 2011، وحضرته أنطاكية حينها ببركة البطريرك أغناطيوس هزيم، وأضيف إليه حينها، رئيس أساقفة قبرص، وهذا ما لم يحصل هذه المرة. ولم ينتزع حينها أحد توقيع أنطاكية التي بقيت مستقلة، واتخذت قرارات سيادية في 2016 بعدم المشاركة بمجمع كريت وبعدم المشاركة في اجتماع عمان في 2020 الذي حضره 6 بطريركيات ومنها موسكو وغابت عنه القسطنطينية. 

 

الحراك الذي نشهده اليوم أرثوذكسياً، علناً وفي الكواليس، فيه عناصر مراجعة، وهذا ما دعونا إليه منذ فترة أرثوذكسياً للخروج من الأزمات بذكاء ومرونة واستقامة، وبالعودة إلى الروح المجمعية الأخوية الجامعة، احتراماً للتقليد الشريف ولضرورات تحديث الكنيسة (وليس عصرنتها) لتكون شهادتها فاعلة في عالم اليوم وتحدياته وأخطاره، يُقابله أيضاً سعي في الكنيسة الكاثوليكية، بدفع من البابا ليون 14، لإخراج الكنيسة الكاثوليكية أيضاً من مشاكلها الداخلية وأزماتها، ليكون سعي مشترك نحو الوحدة ولشهادة مسيحية واحدة، ضمن التنوّع، في عالم اليوم المتأزم والمتحول. الواضح أن البابا ليون الرابع عشر يتحرك من خلال خريطة طريق فيها سرعة دون تسرُّع، وفيها تركيز، لربط مطارح الرجاء والإيمان في العالم بعضها ببعض، لكي تكون الكنيسة الكاثوليكية لا شاهداً على الأحداث فقط، بل أيضاً عاملاً فاعِلاً بمناهج الحوار والسلام في العالم. ويبدو أن روما بدأت بالتحرك أيضاً لإخراج كنائسها الشرقية مِن التكلُّس الذي أصابها منذ مدة، ولجعل مجامعها تتحرك من جديد. 

 

فهل تتحرّك الكنائس الأرثوذكسية للخروج من حالة المراوحة القاتلة أيضاً؟ حسناً تحرك البطريرك يوحنا العاشر الحبيب إلى روما أخيراً. دعاؤنا له وأن يكون هذا الأمر، كما تمنيناه في مداخلتنا المسهبة في المجمع المقدس الأخير، ضمن خطة مجمعية شاملة للتحرك، والإقدام الأنطاكي، ولدور مَرِن وذكي. وهذا ما نتمناه للمجمع الأرثوذكسي الأنطاكي المقدس الذي سينعقد في أوائل أسابيع تشرين الأول المقبل.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
النهار تتحقق 9/23/2026 3:15:00 PM
مصافحة بين الرئيس السوري وعمدة نيويورك، وبدت راما دوجي مبتسمة.
لبنان 9/24/2026 5:40:00 AM
تشير معلومات "النهار" إلى دعوة وصلت من الرئاسة العامة لراهبات سيدة الناصرة في روما إلى لجان القدامى والأهل في مدرسة الاشرفية لحضور اجتماع حدد موعده مبدئياً في 7 تشرين الأول المقبل لتوضيح الأمور المبهمة حتى الساعة.
فن ومشاهير 9/23/2026 1:10:00 PM
بعد 18 عاماً، لا يزال "العشق الممنوع" حاضراً في ذاكرة الجمهور ومواقع التواصل.