ربيع الشاعر… فخامة الدبلوماسية!

آراء 24-08-2026 | 11:49

ربيع الشاعر… فخامة الدبلوماسية!

بدايات حضوره العام فتعود إلى عام 1993، خلال سنواته الجامعية، حين كان من مندوبي "نهار الشباب" الذين جمعهم جبران تويني حول حرية الكلمة، والجرأة في التفكير، والمشاركة في الشأن العام.
ربيع الشاعر… فخامة الدبلوماسية!
ربيع الشاعر والرئيس جوزف عون.
Smaller Bigger

عصام الخوري*

ثمّة أشخاص يُعَرِّفهم المنصب... وثمّة أشخاص يعيدون هم تعريف المنصب، وربيع الشاعر من هؤلاء.

أكتب عنه لا كسفير أعرفه فحسب، بل كصديق بدأت معرفتي به قبل أكثر من سبعة عشر عاماً، يوم كان مستشاراً في وزارة الداخلية والبلديات، إبّان تولّي المحامي زياد بارود الوزارة؛ وهو الوزير الذي اقترن اسمه بالمناقبية والوطنية وحسن الإدارة، وترك بصمةً مضيئة في العمل العام. وقد شكّل مع ربيع، في تلك المرحلة، ثنائياً مميزاً ومنتجاً في خدمة الناس. ومنذ ذلك الحين، عرفت في ربيع التزاماً عميقاً بالدولة، هو نفسه الذي يحمله اليوم معه إلى سفارة لبنان في باريس.

وفي أيّ حال، لا تمنحني صداقتي بربيع حق المبالغة في المديح؛ لكنها تضع على كتفي واجب الشهادة في ما عرفته من مسيرته العامة، وفي صفات مهنية رأيت أثرها في كل مسؤولية تولاها.

 

عرفت في ربيع رجلاً له عيب جميل: لا يعرف كيف يؤدي عملاً بنصف قلب!

في زمنٍ يعلو فيه ضجيج الادّعاء على صوت الإنجاز، اختار ربيع أن يجعل العمل لغته والنتيجة حجّته. لا يستهويه أن يحوّل الخدمة العامة إلى مسرح شخصي، ولا أن يعلن الخطوة قبل أن يخطوها. يمتلك حضوراً قوياً، لكنه حضور لا يستمدّ قوته من الضوء المسلّط عليه؛ فالملف عنده يسبق الكاميرا، والإنجاز يسبق الإعلان، والنتيجة تغنيه عن التصفيق. ومن هذه الطبيعة تحديداً تُفهَم مسيرته كلّها.

ربيع الشاعر، ابن شاتين في قضاء البترون، تخرّج من كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة الروح القدس-الكسليك، ثم من المدرسة الوطنية للإدارة (ENA) في فرنسا، وتابع دراسات وبرامج متخصصة في القانون العام وحقوق الإنسان والإدارة العامة في جامعتي هارفرد وستانفورد في الولايات المتحدة الأميركية. لكن قيمة هذه الشهادات لم تكن في أسمائها، بل في ما صنعه بها. فهو حتماً حوّلها إلى أدوات عمل في التشريع والسياسات العامة والحوكمة واللامركزية وخدمة الدولة. وبدايات حضوره العام فتعود إلى عام 1993، خلال سنواته الجامعية، حين كان من مندوبي "نهار الشباب" الذين جمعهم جبران تويني حول حرية الكلمة، والجرأة في التفكير، والمشاركة في الشأن العام.

وفي وزارة الداخلية والبلديات، كان قريباً من الملفات التي تضع الدولة وجهاً لوجه أمام المواطن: الإدارة المحلية، والبلديات، والانتخابات، وتحديث الخدمة العامة. وهناك ظهرت باكراً قدرته على الجمع بين النظرة القانونية الدقيقة والاهتمام بالتفاصيل التي تمس حياة الناس مباشرة. ثم اختارته وزارة الخارجية الفرنسية عام 2010 ضمن برنامج "شخصيات المستقبل Personnalités d’avenir "؛ لذلك لم تكتشفه باريس يوم دخلها سفيراً؛ كانت قد رأت فيه، منذ سنوات، شخصية قادرة على الانتقال من الخبرة الوطنية إلى الحضور الدولي.

ثم حمل خبرته إلى دولة الكويت، حيث عمل مستشاراً لدى مجلس الأمة وشارك في صناعة النصوص والسياسات، ومن بينها قانون العنف الأسري، فأشرقت خبرته البرلمانية العربية ومعرفته ببناء التوافق حول القوانين الحساسة.

وبعد سنوات من العمل الاستشاري والمؤسسي، انتسب إلى نقابة المحامين في مرحلة مهنية كان سواه قد يعدّها متأخرة للبدء. لكنه دخلها متأخراً في الزمن، لا متأخراً في الخبرة؛ حاملاً معه سنوات من التشريع والإدارة والحوكمة، فكان انتسابه تتويجاً لمسار، لا بداية متأخرة له.

ولم يحصر ربيع نفسه في المكتب. كان من أبرز وجوه جمعية "سكّر الدكانة"، التي بسّطت للناس مفهوم الفساد وسبل مكافحته، ونقلته من لغة التقارير المغلقة إلى قضية يومية تمسّ حياة المواطن وحقوقه، كاشفةً الصلة بين الرشوة الصغيرة والانهيار الكبير الذي يصيب الدولة. وتولّى مسؤوليات في الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية، وانخرط في قضايا الحوكمة والمساءلة، وأسّس مركزاً لحقوق الإنسان في جامعة الروح القدس، وترأس لاحقاً قطاع القانون العام في مكتب المحاماة الدولي الرائد "عالم وشركاه". 

لم تكن تلك المحطات سطوراً تُضاف إلى سيرته، بل خبرات متراكمة صاغت نظرته إلى الدولة، ووسّعت المسافة في تجربته من النص الدستوري إلى همّ المواطن اليومي. فمن أمضى سنوات يطالب بالشفافية، ويواجه الفساد، ويدافع عن الحقوق، يصعب عليه أن يرى في المسؤولية العامة امتيازاً شخصياً، أو في المواطن رقماً عابراً.

ولذلك، عندما عُيّن ربيع الشاعر عام 2025 سفيراً من خارج الملاك، وتولّى سفارة لبنان لدى الجمهورية الفرنسية، لم يكن الاختيار منفصلاً عن مسيرته، بل امتداداً طبيعياً لها. وقد عكس هذا التعيين حرص فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على أن يتمثّل لبنان بالكفاءة والخبرة في واحدة من أهم عواصم القرار.

من خارج الملاك، نعم؛ لكن من خارج الخبرة والاختصاص وروح الدولة؟ أبداً!

فربيع حمل إلى الدبلوماسية خلاصة تجربة غنية في القانون والإدارة، وفي الوزارة والبرلمان، وفي الجامعة والنقابة، وفي المجتمع المدني والعمل العربي والدولي. دخل السفارة بعدما عرف الدولة من أبوابها الأصعب، حاملاً فهماً عميقاً لمعنى المسؤولية العامة، ومدركاً أن المنصب لا يصنع قيمة صاحبه؛ بل صاحبه هو الذي يمنح المنصب قيمته ومعناه.

وفي حضوره ونشاطه شيءٌ يعيد إلى الذاكرة وهج المدرسة الدبلوماسية اللبنانية التي حملها إلى باريس أحمد الداعوق وفيليب تقلا والأمير فاروق أبي اللمع وفؤاد الترك، وحملها إلى المحافل الدولية شارل مالك وغسان تويني. مدرسةٌ عرفت كيف تجعل من صغر مساحة لبنان اتساعاً في الحضور، ومن الدبلوماسية دفاعاً دائماً عن الدولة وكرامة أبنائها.

منذ تسلّمه مهمته في باريس، جعل ربيع متابعة شؤون اللبنانيين أولوية يومية. يتابع قلق المواطن على جواز سفره، وحاجة الطالب إلى مستند، وطلب المريض للمساعدة، ومشكلة العائلة العالقة أمام تعقيدات الإدارة. لا يكتفي بإحالة الملف من مكتب إلى آخر، بل يسأل عنه ويتابعه حتى يصل إلى جواب.

وما أسمعه من اللبنانيين في فرنسا، على اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم، يكاد يكون واحداً: سفير حاضر، ديناميكي وسريع المتابعة؛ يعامل كل مواطن كصاحب حق، ولا يتركه وحيداً في مواجهة مشكلته.

يقولون إنه يعمل أربعاً وعشرين ساعة على أربع وعشرين، وأنا أصدّقهم؛ لأنني أعرف كم يصعب على ربيع أن يرتاح وفي ذمته طلب لم يتابعه أو ملف لم يجد له حلاً. وهنا تحضر مقولة شارل موريس دو تاليران-بيريغور (Charles-Maurice de Talleyrand-Périgord)، أحد أشهر صنّاع الدبلوماسية الفرنسية، التي تختصر جوهر هذه المسؤولية:
"En un mot, il ne doit pas cesser un moment, dans les vingt-quatre heures, d’être ministre des Affaires étrangères."

لهذا، ليست السفارة عند ربيع مجرد مبنى لبناني في باريس؛ إنها لبنان عندما يطرق بابها مواطن بعيد عن وطنه.

وليس في حضوره انتقاص من فريق السفارة؛ فالقائد الحقيقي لا يحل محل المؤسسة، بل يوقظ طاقتها ويجعل الخدمة العامة مسؤولية مشتركة.

ويكفي التوقف عند إطلاق خدمة البصمة البيومترية لجوازات السفر في السفارة، بالتوازي مع خفض الرسوم القنصلية، بما أتاح للبنانيين إنجاز معاملاتهم من دون السفر إلى لبنان. إنه إنجاز مؤسسي شاركت فيه رئاسة الجمهورية والوزارات والإدارات المختصة، لكنه يختصر قيمة المتابعة: حاجة لدى الجالية تحولت إلى مطلب، ثم إلى خدمة تحفظ وقت الناس ومالهم وكرامتهم.

لكن دور السفير لا يُختصر بالعمل القنصلي. فباريس إحدى أهم عواصم القرار السياسي والدبلوماسي والإعلامي في أوروبا، وربيع لم يحوّل لقاءاته فيها إلى ألبوم صور، بل إلى خريطة أبواب مفتوحة أمام لبنان.

في لقائه مع الرئيس إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron)، حمل ملفات وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وإطلاق الأسرى، ودعم الجيش، والتحضير لإعادة الإعمار. ثم فتح قنوات التواصل على امتداد المشهد الفرنسي: من أحزاب اليسار وأقصى اليسار إلى الوسط واليمين وأقصى اليمين، والتقى مسؤولين وقيادات حزبية ورؤساء حكومات سابقين، من بينهم فرنسوا بايرو (François Bayrou) وفرنسوا فيون (François Fillon). 

ولم تقتصر لقاءاته على أصحاب القرار الحالي أو الشخصيات التي سبق أن تولّت المسؤولية، بل شملت أسماء أعلنت ترشحها أو دخلت عملياً سباق الرئاسة الفرنسية المقبل: جان-لوك ميلانشون (Jean-Luc Mélenchon)، وإدوار فيليب (Édouard Philippe)، وبرونو روتايو (Bruno Retailleau)، ومارين لوبن (Marine Le Pen)، ودومينيك دو فيلبان (Dominique de Villepin). 

فالدبلوماسية بعيدة النظر لا تكتفي بعلاقات الحاضر؛ إنها تقرأ خرائط الغد وتبني للوطن رصيداً يبقى مع تبدّل الحكومات والرئاسات.

لم يسأل ربيع محاوره من أي حزب يأتي، بل ماذا يستطيع، من موقعه الحالي أو المستقبلي، أن يفعل للبنان.

وفي كل لقاء حمل همّاً واحداً: كيف يبقى لبنان حاضراً في عقل القرار الفرنسي، وكيف يسمع العالم صوته دولةً تستحق الحياة والدعم، لا مجرد أزمة تنتظر المساعدة.

وحرص على تقديم لبنان كما يجب أن يُقدَّم: دولة ذات تاريخ ومؤسسات وجيش وثقافة وجامعات واغتراب منتج؛ دولة تستحق المساندة لأنها قادرة على النهوض، لا لأنها تتقن طلب المساعدة.

وقد لخّص رؤيته بالرغبة في جعل لبنان بوابة فرنسا إلى الشرق، وفرنسا بوابة لبنان إلى الغرب. قد تبدو العبارة طموحة، لكن الدبلوماسية التي لا تحمل طموحاً تتحول إلى إدارة بريد، وربيع لا يفهم مهمته بهذه الطريقة.

ولأنه يدرك أن قوة لبنان لا تُبنى في العلاقة اللبنانية – الفرنسية وحدها، بادر إلى زيارة سفراء الدول العربية في باريس والتشاور معهم، وعمل على توسيع شبكة أصدقاء لبنان. كما حمل الموقف اللبناني إلى الإعلام الفرنسي والدولي بلغة يفهمها مخاطبوه، من دون أن يساوم على وضوح القضية التي يمثلها. فلبنان يحتاج إلى تضامن عربي يتكامل مع الدعم الفرنسي والأوروبي والدولي، وإلى صوت يدافع عنه ويمنع الآخرين من رواية قصته بالنيابة عنه.

لا أقول إن أي مسؤول فوق النقد، ولا إن الصداقة تمنح حصانة لأحد. لكن العدالة نفسها التي تفرض النقد عند التقصير تفرض الإشادة عند الإنجاز.

والإنصاف اليوم يقول إن ربيع الشاعر أعطى سفارة لبنان في فرنسا نبضاً واضحاً، وأعاد وصل الدبلوماسية بالناس، وجمع بين متابعة المعاملة اليومية وحمل القضية الوطنية إلى مراكز القرار.

سعادة السفير ربيع الشاعر...
شكراً لأنك تتعامل مع اللبناني في فرنسا بوصفه صاحب حق، لا صاحب رجاء.
شكراً لأنك حملت ملفات لبنان إلى أصحاب القرار اليوم، وإلى من قد يصنعون القرار غداً.
شكراً لأنك تذكّرنا بأن الدولة، مهما ضعفت، تستطيع أن تستعيد شيئاً من هيبتها عندما يجد الموقع رجلاً يعرف معنى المسؤولية.

فخامة الدبلوماسية ليست في سيارة رسمية أو لقب يسبق الاسم... هي أن يخرج المواطن من سفارته وكرامته محفوظة؛ وأن يسمع المسؤول الفرنسي اسم لبنان مقترناً بالدولة لا بالانهيار؛ وأن يعرف الصديق والخصم أن لهذا البلد سفيراً حاضراً، متابعاً، ومتمسكاً بمصلحة وطنه.

ربيع الشاعر، فخامة الدبلوماسية... نعم! لأن لبنان معه ليس ملفاً يُفتح عند الحاجة ويُطوى بانتهاء اللقاء، بل قضية تسكن يومه، وأمانة يحملها إلى كل موقع قرار.

واليوم، بعد عامٍ على تعيينه سفيراً، آن لنا جميعاً أن نقولها باعتزاز: شكراً... ربيع الشاعر!

 

* مهندس ومحامٍ بالإستئناف

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 8/22/2026 12:46:00 PM
صعدت طيبة إلى جانب والدتها، لتشاركها أغنية "مش مغرورة".
فن ومشاهير 8/23/2026 2:14:00 PM
ظهر الفنان القدير صلاح تيزاني "أبو سليم" في رسالة مصورة ليطمئن جمهوره على صحته نافياً شائعات وفاته، ومنتقداً تهميش الدولة لحقوق كبار المبدعين في لبنان.
رياضة 8/8/2026 10:18:00 PM
المغرب يبلغ نهائيات كأس العالم للسيدات ويتأهل إلى نصف نهائي كأس أمم أفريقيا 2026
رياضة 8/23/2026 12:25:00 AM
ريال مدريد ينجو من فخ إسبانيول بهدف متأخر للبديل كارلوس إسبي