الإمام المغيّب السيد موسى الصدر حول الجنوب من ضحية الى قضية...
الدكتور طلال حاطوم
أمين سر نقابة الصحافة في لبنان
صعب أن نكتب عن الإمام المغيّب السيد موسى الصدر، وكأنها كتابة على حافة جرح لا يندمل، ولم يُشفَ بعد من قسوة الغياب الجسدي؛ رغم الحضور الفكري والعاطفي والرؤيوي في كل حين.
سيدي الإمام الصدر:
ما زلنا نأكل من معجن خبزك، ونستلهم من معين فكرك، ونقوى بالتزام نهجك.
أيها الجامع لكل ألوان الطيف اللبناني بكل توجهاته وانتماءاته وحتى انقساماته.
يا سيد وإمام الوطن والمقاومة، نحن لا نزال على العهد والوعد نحمل مشعل فكرك، نحفظ أقوالك عن ظهر قلب، ننادي برسائلك حول العيش المشترك والحوار في بريّة وطن لم يرتح منذ أن غيّبت عن دورك وساحة حراكك، وهو بأمسّ الحاجة إلى حضورك.
نطمئن واللبنانيين إلى أن خطّك ونهجك باقيان بأمانة الرئيس نبيه بري في كل حين وفي كل منعطف يمر به وطننا لبنان.
حتى الخصوم في السياسة (لأنك علمتنا أن لا أعداء لنا إلا العدو الصهيوني) يستشهدون ويسترشدون بأقوالك وتعاليمك.
سيدي طال الغياب ولكننا على أمل اللقاء...
وبعد،
شهد جنوب لبنان في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين مرحلة حرجة طغت على عناوينها الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والتهميش الاقتصادي من السلطة المركزية.
في هذا السياق، برز دور الإمام المغيب السيد موسى الصدر الذي أحدث نقلة نوعية في التعاطي مع هذه الأزمة. وقد نجح الإمام الصدر في تحويل قضية الجنوب من مجرد مشكلة مناطقية هي دائماً ضحية الاعتداءات الصهونية والحرمان المزمن، إلى قضية سيادية تمس الكرامة الوطنية اللبنانية برمتها، وتستوجب الدفاع عنها بكل السبل والوسائل المتاحة.
وقد ركز الإمام الصدر لحماية الجنوب، على جملة عناوين أساسية تتلخص في:
تجاوز الطائفية: نجاح الإمام الصدر في تأسيس "هيئة نصرة الجنوب" عام 1970 كمنصة وطنية ضمّت رجال دين ومفكرين من الطوائف اللبنانية كافة (مسلمين ومسيحيين).
وقد شكلت هذه الهيئة نموذجاً مبكراً للعمل الوطني العابر للطوائف، حيث جمعت القيادات الروحية والفكرية اللبنانية لمواجهة تداعيات النزوح ودعم صمود القرى الأمامية.
الضغط على السلطة المركزية: قيادته للإضراب الوطني الشامل في أيار 1970 للضغط على الحكومة اللبنانية لتخصيص ميزانيات تدعم صمود القرى الأمامية وتأسيس "مجلس الجنوب".
وقد جاء تأسيس مجلس الجنوب نتيجة لضغط شعبي ونقابي قاده الإمام عبر الإضرابات السلمية، ليكون الأداة التنفيذية لتنمية المنطقة وتوفير مقومات البقاء للأهالي في أرضهم.
تدويل القضية عربياً: زياراته العاجلة للعواصم العربية (مثل القاهرة، دمشق، والرياض...) لإقناع القادة العرب بأن أمن الجنوب اللبناني هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي وليس شأناً لبنانياً داخلياً.
فلسفة المقاومة عند الإمام الصدر كمنظومة متكاملة لا تقتصر على العمل العسكري فقط:
لم تكن المقاومة عند الإمام الصدر عسكرية فحسب، بل كانت منظومة حضارية شاملة ترتكز على مواجهة الجهل والحرمان.
المقاومة كواجب ديني ووطني: إطلاقه الشعار الشهير "إسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام".
تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية (أمل): الإعلان عنها عام 1975 كقوة دفاعية شعبية لمساندة الجيش اللبناني (الذي كان ممنوعاً تزويده العدة والعتاد والعديد إلا بحدود معيّنة آنذاك) في صدّ الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الحدودية، وحينها كانت مقولة السلطة السياسية أن "قوة لبنان في ضعفه".
المقاومة المجتمعية والاجتماعية: ربطه الصمود العسكري بالعدالة الاجتماعية، حيث كان يردد أن إهمال الدولة وتهميش أهالي الجنوب يخدم أهداف الاحتلال في تفريغ الأرض من سكانها.
"التنمية والتحرير": رؤية التنمية كحصن دفاعي:
إن "التنمية" في رؤية الإمام المغيب السيد موسى الصدر كانت السلاح السلمي الموازي للسلاح العسكري. ولهذا لم يغفل الإمام الصدر هذا الجانب بل عمل على تدعيمه وترسيخه من خلال:
مشاريع الصمود: إنشاء المهنيات (مثل مؤسسة جبل عامل المهنية في صور) ومراكز الرعاية الصحية لربط الشباب بأرضهم وتزويدهم بالخبرات لمواجهة الحرمان الاقتصادي؛ (وقد استكمل مشاريع التنمية الرئيس نبيه بري من خلال المدارس العامة الرسمية ومؤسسات أمل التربوية، وكشافة الرسالة الاسلامية التي كانت في بداياتها مع الإمام الصدر، ومشاريع المستوصفات والمستشفيات، ومحطات الكهرباء، وخزانات المياه وحفر الآبار الارتوازية، وشبكة طرقات توصل القرى وتسهل مشقة التنقل والانتقال...).
العيش المشترك كخط دفاع: تشديده على أن وحدة اللبنانيين في الجنوب (بكل ألوان طوائفهم مذاهبهم وانتماءاتهم السياسية) هي السد المنيع الذي يفشل المخططات الإسرائيلية الهادفة لتفتيت النسيج اللبناني وضرب نموذج العيش المشترك.
حول الهويّة والمصير الوطني للجنوب
الإمام السيد موسى الصدر في رسالته الشهيرة الموجهة إلى أعضاء البرلمان اللبناني عام 1969، صاغ المعادلة التي ربطت وجود لبنان بسلامة جنوبه، حيث قال:
"إن لبنان دون منطقة الجنوب أسطورة، وإن لبنان مع جنوب ضعيف ومستباح جسم مشلول... إن أمن الجنوب ليس شأناً مناطقياً، بل هو محك السيادة والكرامة الوطنية لكل لبناني".
1. الموقف العقائدي من الاحتلال (القاعدة الذهبية)
في المحاضرات الندوية والخطابات الجماهيرية التي ألقاها الإمام الصدر في نوادي ومساجد بيروت والجنوب، أطلق جُملته التاريخية التي تحوّلت إلى ميثاق فكري وثقافي:
"إسرائيل شرّ مطلق، والتعامل معها حرام، والقبول بها طعنة في صدر الإنسانية... ومواجهتها واجب وطني وديني وإنساني لا يسقط بالتقادم".
2. فلسفة المقاومة الشعبية وسلاح الموقف
في عام 1975، وخلال الإعلان الرسمي عن ولادة "أفواج المقاومة اللبنانية - أمل" كوسيلة للدفاع عن الأرض عند غياب دور الدولة، وجّه الإمام الصدر كلمته الشهيرة لأبناء القرى الحدودية:
"إذا التقيتم العدو الإسرائيلي، فقاتلوه بأظافركم، وبأسنانكم، وبسلاحكم المتاح مهما كان بسيطاً... إن الدفاع عن الأرض هو صيانة للعرض وللوجود".
4. العيش المشترك كحصن دفاعي
من منبر "كنيسة الكبوشيين" في بيروت عام 1975، أكد الإمام أن السلاح الأقوى في وجه المحتل هو تماسك النسيج الاجتماعي اللبناني:
"إن التعايش الإسلامي المسيحي في لبنان هو ثروة يجب التمسك بها، وهو التجربة الحضارية التي تدحض زيف العنصرية الصهيونية. وحدة اللبنانيين هي السد المنيع الذي يحمي الجنوب ويصون الوطن".
يومها كتب المفكر اللبناني الاستاذ كريم بقرادوني في جريدة "العمل" الكتائبية: "الإمام الصدر كنا نخاف منك أصبحنا نخاف عليك".
في رؤية الإمام الصدر للوطن:
وثيقة الإمام الصدر إلى الرئيس الياس سركيس حول رؤيته للبنان:
تُمثّل "ورقة عمل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان" (المعروفة بورقة الإصلاح التاريخية للإمام الصدر)، الصادرة في 11 أيار 1977، الوثيقة الشاملة والأساسية التي سلّمها الإمام السيد موسى الصدر وعرضها على رئيس الجمهورية آنذاك إلياس سركيس. وتعتبر هذه الوثيقة المكتوبة بمثابة أول مشروع إصلاحي متكامل يُقدّم باسم الطائفة الشيعية كمساهمة إنقاذية للبنان ككل وليس لمطالب فئوية.
وأهمية هذه الوثيقة أنها صيغت في خضمّ الحرب الأهلية اللبنانية لتقديم رؤية إنقاذية متكاملة تهدف إلى إعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس العدالة والمواطنة العابرة للطوائف.
1. الركائز السياسية والدستورية في الوثيقة:
نهائية الكيان والهوية: أكدت الوثيقة بقوة أن لبنان وطن حر مستقل نهائي لجميع أبنائه، وهو ذو انتماء عربي ملتزم بقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. (هذه الصياغة مهدت لاحقاً لإدراج بند "نهائية الكيان" في وثيقة الوفاق الوطني باتفاق الطائف).
الديموقراطية البرلمانية وتطوير النظام: طالبت الوثيقة بتعزيز النظام الديموقراطي البرلماني عبر إصلاحات سياسية واضحة، تشمل تعديل قانون الانتخاب والتمثيل العادل.
سلطة الدولة ومؤسساتها: شددت على ضرورة بسط سلطة الشرعية اللبنانية والجيش اللبناني على كامل الأراضي، لا سيما في الجنوب لحمايته من الأطماع والاعتداءات الإسرائيلية.
2. الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية (محاربة الحرمان)
العدالة الاجتماعية: رأت الوثيقة أن استقرار لبنان السياسي لن يتحقق دون إلغاء "الحرمان والمناطقية"، وطالبت بإنماء متوازن يشمل البقاع، الجنوب، عكار، وضواحي العاصمة.
إصلاح الإدارة والقضاء: طالبت برفع الكفاءة وتكافؤ الفرص في الوظائف العامة وإلغاء القيود الطائفية في التعيينات الإدارية دون المساس بمسلّمات العيش المشترك.
3. البُعد الدفاعي والأمني في الرؤية
الجيش اللبناني والجنوب: في سياق متصل بلقاءاته مع الرئيس سركيس، أصر الإمام الصدر على ضرورة نشر الجيش اللبناني في الجنوب والشريط الحدودي لمواجهة ظاهرة الانقسام والعملاء، وحماية السيادة اللبنانية.
صيغة التعايش: ركزت الوثيقة على أن السلاح الأمضى للبنان هو وحدته الداخلية، وأن العيش المشترك ليس مجرد تسوية سياسية، بل ميزة حضارية يجب الحفاظ عليها لحماية الصيغة اللبنانية.
الخاتمة:
شكل حراك الإمام السيد موسى الصدر محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث؛ إذ نجح في نقل قضية الجنوب من دائرة الإهمال والتهميش إلى قلب المعادلة السياسية والسيادية الوطنية.
إن الجمع بين التنمية المؤسساتية، وبناء عناصر المقاومة الشعبية، والتمسك بالعيش المشترك كرسالة حضارية، وضَعَ الأسس المتينة والشرعية التي انطلقت منها لاحقاً مسيرة تحرير الأرض وتنمية الإنسان، التي واصل توثيقها وقيادتها دولة الرئيس نبيه بري عبر محطاته السياسية والتشريعية اللاحقة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
أكّد الوزير رجي لـ"النهار": "ان هذه المسألة لا تحتمل أي اجتهاد أو تأويل، وبمجرد إعلان أي ديبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، يتوجب عليه مغادرة أراضي الدولة المضيفة، ولا يعود لأي تأشيرة أو إذن دخول أو إقامة مُنح له سابقاً أي أثر قانوني يجيز استمرار وجوده على أراضيها".
نبض