اتّفاق مكة: من الدّفاع المشترك السّعودي ـ التّركي ـ الباكستاني إلى تكتّل الرّدع الإقليمي
نزيه الخياط*
يفتح الاتفاق الدفاعي السعودي ـ التركي ـ الباكستاني نافذة جديدة على احتمال إعادة تشكيل معادلات القوة في الإقليم. فدلالته لا تكمن فقط في جمع ثلاث دول تمتلك مصادر مختلفة ومتنوعة للقوة، بل في إمكان تحويل هذا التقاطع إلى مجال استراتيجي مترابط بنظام مصالح مشتركة، تتكامل فيه القدرات العسكرية والأمنية مع الموارد الاقتصادية والتكنولوجيا والعمق الجغرافي والديموغرافي.
وتزداد أهمية هذا التطور في بيئة إقليمية تعرضت فيها قواعد الأمن والسيادة لاختبارات متكررة. فقد شهدت المنطقة، من جانب إيران وإسرائيل وبأشكال وأدوات مختلفة، استخداماً للقوة خارج الحدود، ودعماً لقوى مسلحة عابرة للحدود، وإنشاء مجالات نفوذ وأحزمة أمنية تتجاوز الحدود الوطنية. ولم تعد الحدود، في حالات عديدة، تؤدي وحدها وظيفة خط الدفاع الأول عن أمن الدولة واستقرارها.
هذه الحقيقة تفرض إعادة النظر في مفهوم التوازن. فالمطلوب ليس إنشاء تحالف موجه ضد إيران أو إسرائيل، بل بناء قدرة إقليمية تجعل أي محاولة لفرض الإرادة بالقوة أو تهديد السيادة والممرات والمصالح الحيوية أكثر كلفة، أياً كان مصدرها.
ومن هنا تبرز المسألة المركزية: هل يستطيع الاتفاق الثلاثي الانتقال من الالتزام السياسي إلى قدرة دفاعية وأمنية قابلة للتفعيل، ثم إلى بنية أوسع للتوازن الإقليمي؟
فالردع المعاصر لا يقوم على عدد الجيوش والأسلحة وحدها. إنه نتاج تفاعل القدرة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والموارد المنجمية والجغرافيا والديموغرافيا والاستقرار السياسي. وكلما أمكن تحويل هذه العناصر المتفرقة إلى وظائف متكاملة، ارتفعت قدرة الدول على حماية مصالحها ومنع اختلال ميزان القوة.
أولاً: مثلث القوة والديموغرافيا وقدرات الردع الإقليمي
تكمن خصوصية اتفاق مكة الدفاعي في تنوع عناصر القوة وتكاملها لدى أطرافه الثلاثة:
فالسعودية تمتلك رأس المال والطاقة والموارد المنجمية النادرة والموقع الجغرافي، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية وعقدة جغرافية تصل المشرق العربي بآسيا وبأوروبا، فيما تضيف باكستان كتلة بشرية وعسكرية كبيرة وقدرة نووية ذات وزن نوعي في الحسابات الاستراتيجية.
غير أن اجتماع هذه العناصر لا ينتج قوة مشتركة تلقائياً. فالقوة تصبح استراتيجية عندما تتحول الموارد المنفصلة إلى وظائف متكاملة:
الاستثمار يمول بناء القدرات، والتكنولوجيا تحول الموارد إلى إنتاج، والقدرة العسكرية تحمي المصالح، والجغرافيا توفر العمق والبدائل، والتنمية تمنح هذه العناصر القدرة على الاستمرار.
وهنا تكمن القيمة المحتملة للاتفاق: أن يتحول من ترتيب دفاعي ثلاثي إلى نواة لتكامل استراتيجي أوسع.
السعودية: رأس المال والموارد المنجمية النادرة والطاقة والتحول البنيوي للدولة
لا تقاس أهمية الموارد السعودية بحجم رأس المال المتاح فقط، بل بقدرتها على توجيه الاستثمار نحو قطاعات تزيد القدرة الإنتاجية والتكنولوجية والاستراتيجية للدول الشريكة.
فإذا انتقلت الاستثمارات الخليجية في تركيا وباكستان من العلاقات التجارية التقليدية إلى شراكات طويلة الأمد في الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والبحث والتطوير والخدمات اللوجستية، فإن رأس المال يتحول من أداة للتمويل إلى أداة لبناء القوة.
تركيا: التكنولوجيا والتصنيع العسكري والمسيراتي والعقدة الجغرافية الاستراتيجية بين أوروبا وآسيا والعالم العربي
تمثل تركيا الحلقة الصناعية والتكنولوجية في هذا المثلث. وتكتسب صناعاتها الدفاعية أهمية خاصة لأنها تتيح تحويل الموارد المالية إلى قدرات إنتاجية وتكنولوجية.
وهنا يمكن للاستثمار الخليجي أن ينتقل من شراء المنتجات إلى الإنتاج المشترك، ومن العقود التجارية المنفردة إلى الشراكات الصناعية والبحثية ونقل المعرفة وتطوير سلاسل إمداد مشتركة.
كما أن موقع تركيا بين آسيا وأوروبا، وعلى تقاطع المشرق العربي والمتوسط والبحر الأسود، يمنحها وظيفة تتجاوز الصناعة الدفاعية إلى النقل والطاقة والتجارة.
باكستان: العمق العسكري والاستراتيجي والردع النووي
تضيف باكستان بعداً نوعياً إلى المعادلة من خلال قوتها العسكرية وقدرتها النووية وكتلتها البشرية وموقعها على بحر العرب.
ولا يعني وجود دولة نووية في إطار دفاعي مشترك نشوء مظلة نووية تلقائياً للدول الأخرى؛ فذلك موضوع مستقل تحكمه اعتبارات سياسية وقانونية واستراتيجية معقدة. لكن وجود هذه القدرة يرفع مستوى الحسابات المتعلقة بالتصعيد وكلفته المحتملة.
وفي الوقت نفسه، تحتاج القوة العسكرية إلى قاعدة اقتصادية قادرة على تمويلها وتحديثها. ومن هنا تلتقي الاستثمارات السعودية مع حاجة باكستان إلى الطاقة والبنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والتدريب، بما يساعد على تحويل كتلتها البشرية إلى قوة إنتاجية أكثر فاعلية.
ثانياً: الجغرافيا والديموغرافيا: قرينة الإمكان والفعل الاستراتيجي بدل تلقي التحديات
لا تكتمل معادلة القوة بالاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا. فهذه العناصر تحتاج إلى مجال جغرافي وبشري يسمح لها بالاستمرار والتوسع وتنويع الخيارات.
ووفق الأرقام المعتمدة في هذا التحليل، تبلغ مساحة المجال الخليجي ـ السعودي ـ التركي ـ الباكستاني نحو 4,228,112 كيلومتراً مربعاً، فيما يقترب عدد سكانه من 410 ملايين نسمة.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها المجرد، بل في اجتماع مواقع استراتيجية متعددة:
الخليج، والبحر الأحمر، والأناضول، وبحر العرب، والمحيط الهندي، إلى جانب مصادر الطاقة والأسواق والممرات التجارية.
وتزداد الدلالة إذا اتسع المجال ليشمل:
مصر والأردن وسوريا. عندها ترتفع المساحة إلى نحو 5,403,393 كيلومتراً مربعاً، ويصل عدد السكان إلى نحو 565,4 مليون نسمة، أي أكثر من نصف مليار نسمة.
ولا يعني ذلك وجود كتلة سياسية أو عسكرية موحدة، بل يقدم قرينة على الإمكان الجيوإستراتيجي إذا أمكن تطوير شبكات لنظام المصالح المشتركة المتبادلة.
فمصر تضيف قناة السويس والبحر الأحمر والامتداد الأفريقي، والأردن يوفر موقعاً انتقالياً بين الخليج والعراق وبلاد الشام، فيما تضيف سوريا، بموقعها الجغرافي المحوري عبر مجاورتها لخمس دول، صلة المشرق العربي بشرق المتوسط وتركيا.
أما الديموغرافيا فلا تتحول إلى قوة بمجرد العدد. إنها تحتاج إلى التعليم والتدريب والإنتاجية وفرص العمل والقدرة على دمج الموارد البشرية في الاقتصاد الحديث. ولذلك فإن الكتلة السكانية تصبح قوة عندما ترتبط بالاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية.
وعندما توضع المساحة والكتلة السكانية إلى جانب الطاقة ورأس المال والتكنولوجيا والقدرات العسكرية، تصبح هذه الأرقام قرينة على إمكان بناء توازن جيوإستراتيجي إقليمي، لا ضماناً تلقائياً لتحققه.
ثالثاً: الاستثمار الخليجي: من التمويل وتطوير القدرات الذاتية المشتركة إلى الردع الأمني والتنموي الإقليمي
إذا كانت القدرات العسكرية تشكل إحدى ركائز التوازن، فإن الاستثمار يمثل الركيزة التي تسمح ببناء القوة واستدامتها.
فالعلاقات الاقتصادية الخليجية مع تركيا وباكستان ليست جديدة. لكن الجديد الممكن هو إعادة تعريف وظيفتها ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد: الاستثمار في الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والبحث والتطوير والخدمات اللوجستية، بحيث ترفع المشاريع قدرة الدول على الإنتاج والاستقلالية والابتكار.
في تركيا، يمكن أن يدعم الاستثمار الخليجي توسيع القاعدة الصناعية والتكنولوجية عبر الإنتاج المشترك والشراكات البحثية.
وفي باكستان، يمكن أن يركز على الطاقة والنقل والصناعة والبنية التحتية والتعليم والتدريب، بما يحول حجم السوق والكتلة البشرية إلى قدرة إنتاجية.
وهنا يظهر مفهوم الردع التنموي. فالمشروع التنموي الذي يرفع الإنتاج الصناعي ويخلق فرص العمل ويربط الأسواق والموانئ والطاقة لا ينتج منفعة اقتصادية فقط، بل يخلق شبكة مصالح تحتاج إلى الاستقرار وتحميه.
لكن الردع التنموي ليس بديلاً من الردع العسكري. فالعلاقة بينهما تكاملية: الأمن يوفر البيئة للاستثمار، والاستثمار يعزز الاقتصاد، والاقتصاد يوسع هامش القرار الاستراتيجي، والقدرة العسكرية تحمي المصالح التي نشأت من هذا الاستثمار.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم ستستثمر دول الخليج في تركيا وباكستان؟ بل: ما القوة التي ستنتجها هذه الاستثمارات؟
إذا أدت إلى تطوير الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والنقل، ثم ارتبطت هذه القطاعات بشبكات إقليمية، يصبح الاقتصاد جزءاً من البنية الاستراتيجية نفسها.
رابعاً: أمن الممرات وتشكيل التحالف البحري الدفاعي المتعدد الجنسيات: هرمز وباب المندب مجالان حيويان للأمن الإقليمي والدولي
لا يمكن بناء توازن إقليمي مستدام من دون حماية الممرات التي تمر عبرها التجارة والطاقة. ولذلك يمثل مضيقا هرمز وباب المندب عنصرين أساسيين في الأمن الاقتصادي والأمن القومي للدول المشاطئة.
هرمز نقطة رئيسية في حركة الطاقة الخارجة من الخليج، فيما يمثل باب المندب نافذة البحر الأحمر إلى المحيط الهندي وقناة السويس والبحر المتوسط. وأي تهديد مستمر للملاحة في أحدهما لا يصيب السفن فقط، بل ينعكس على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والاقتصادات الوطنية للدول المشاطئة .
ومن هنا تكتسب المبادرات السعودية في مجال الأمن البحري أهمية تتجاوز حماية المياه الإقليمية إلى بناء تعاون إقليمي دولي لحماية الممرات.
ولا ينبغي النظر إلى التحالف البحري الدفاعي المتعدد الجنسيات بقيادة السعودية والاتفاق الدفاعي الثلاثي كمشروعين متنافسين. فالاتفاق الثلاثي يمكن أن يوفر نواة أكثر تركيزاً للتكامل الدفاعي، بينما يتيح التحالف البحري إطاراً أوسع لحماية الممرات بمشاركة دول متعددة.
وتبرز هنا إمكانات التكامل: التكنولوجيا التركية في المراقبة والاستطلاع، والخبرة والقدرات البحرية الباكستانية الممتدة إلى بحر العرب والمحيط الهندي، والموقع السعودي بين الخليج والبحر الأحمر.
لكن الهدف ليس عسكرة الممرات، بل رفع كلفة تعطيلها وتقليل فرص استخدامها أداة للابتزاز الجغرافي.
وهذا ينطبق بصورة خاصة على باب المندب. فتهديد الملاحة عبر الأداة الحوثية المدعومة من إيران لا يمثل خطراً على دول البحر الأحمر وحدها، بل يمكن أن يتحول إلى تهديد للأمن الاقتصادي والأمن القومي المصري، بسبب ارتباط باب المندب بقناة السويس وحركة التجارة الدولية.
خامساً: من الممر البحري في هرمز إلى الشبكات السككية والطاقة والطرق البرية البديلة من الخليج العربي إلى أوروبا عبر تركيا
حماية الممرات البحرية لا تلغي الهشاشة الناتجة من الاعتماد على نقاط الاختناق. لذلك يحتاج الأمن الاستراتيجي إلى بدائل.
يمكن تصور شبكة تمتد من الخليج عبر السعودية والعراق والأردن وسوريا إلى تركيا ثم أوروبا، تتكامل فيها الطرق والسكك الحديدية وخطوط الطاقة والموانئ والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية.
ولا يعني ذلك أن الطرق البرية ستحل محل هرمز أو الممرات البحرية، بل أن وجود بدائل متعددة يجعل تعطيل مسار واحد أقل قدرة على شل الاقتصاد بأكمله.
وهنا تتحول الجغرافيا من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة.
يحتل العراق موقعاً محورياً باعتباره الحلقة البرية بين الخليج والمشرق وشرق المتوسط. ويأتي الأردن كحلقة وصل، فيما تمثل سوريا ، بحكم موقعها، نقطة اتصال بين المشرق وتركيا والبحر المتوسط. أما تركيا فتفتح المجال أمام أوروبا.
لكن تحويل هذه المواقع إلى وظائف اقتصادية يتطلب شرطاً أساسياً: الاستقرار السياسي والأمني وسيادة الدولة.
فالممر الاقتصادي لا يمكن أن يعمل في بيئة مضطربة، والاستثمار لا يستقر من دون مؤسسات قادرة على حمايته، وشبكات النقل والطاقة لا تصبح قوة إلا عندما تتصل ببيئة إنتاجية مستقرة.
وعندما تتصل الموانئ والطرق والسكك والمناطق الصناعية والطاقة، لا يعود الممر مجرد طريق عبور؛ بل يصبح مجالاً للإنتاج والتخزين والخدمات والاستثمار، ويمكن أن يعيد توزيع النشاط العمراني والديموغرافي حول عقده الاقتصادية.
وهنا يأخذ الردع التنموي بعداً جغرافياً: كلما تعددت المسارات، انخفضت قابلية الابتزاز بالموقع أو بنقطة الاختناق.
سادساً: مصر: عقدة المسارات البحرية من البحر الأحمر إلى المتوسط ونافذة المشرق العربي على أفريقيا
إذا كانت شبكة الخليج ـ المشرق ـ تركيا ـ أوروبا تمثل أحد محاور المجال المقترح، فإن مصر تضيف محوراً آخر يصل الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط وأفريقيا.
ولا تستمد مصر أهميتها من حجمها السكاني والعسكري فقط، بل من موقعها الفريد بين البحر ين الأحمر والمتوسط، ومن امتلاكها قناة السويس التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
ولهذا فإن أمن باب المندب يرتبط مباشرة بالمصلحة المصرية. فاضطراب الملاحة في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يمكن أن يؤثر في حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، وبالتالي في التجارة والخدمات اللوجستية والإيرادات ومكانة مصر في منظومة التجارة الدولية.
ومن هنا فإن حماية باب المندب ليست مسألة بحرية بعيدة عن القاهرة، بل جزء من الأمن الاقتصادي والأمن القومي المصري.
كما تستطيع مصر أن تؤدي وظيفة مختلفة داخل المجال المقترح: ربط البحر الأحمر بالمتوسط، وفتح نافذة جيوسياسية نحو أفريقيا، والمساهمة في شبكات الموانئ والنقل والطاقة والاستثمار.
ولا يعني ذلك أن تصبح مصر تلقائياً عضواً في الاتفاق الدفاعي الثلاثي، بل إن الأكثر ضرورة وواقعية هو تكامل وظائفها مع الدول الثلاث، عبر أمن الملاحة، وحماية التجارة والطاقة، والتعاون اللوجستي، والاستثمارات، وتطوير البنية التحتية. فالقيمة الاستراتيجية لمصر لا تكمن بالضرورة في عضويتها في الاتفاق، بل في الوظائف التي تستطيع إضافتها إلى المجال الاستراتيجي المتشكل حوله.
وبذلك تصبح مصر جزءاً من نظام المصالح المشتركة المتبادلة، من دون أن يستلزم ذلك تحويل الترتيب الثلاثي المؤسِّس إلى تحالف عسكري مغلق.
سابعاً: من توازن القوة إلى قوة التوازن الإقليمي الردعي
هنا تكتمل الصورة.
السعودية توفر مركز الثقل المالي والطاقي والجغرافي، وتركيا تضيف الصناعة والتكنولوجيا والاتصال بأوروبا، وباكستان توفر العمق العسكري والديموغرافي والآسيوي، فيما يضيف المجال العربي، وفي مقدمته مصر، عمقاً بحرياً ولوجستياً وأفريقياً.
ولا ينبغي أن يُبنى هذا الترتيب على افتراض وجود خصم واحد.
فالتحديات الإقليمية قد تأتي من إيران أو إسرائيل أو من أي قوة إقليمية أو دولية أخرى، وقد تأخذ شكل تدخل عسكري، أو انتهاك للسيادة، أو دعم لقوى مسلحة عابرة للحدود، أو تهديد للممرات البحرية، أو ضغط اقتصادي وجغرافي.
والمهم هنا هو عدم مساواة هذه الأطراف في طبيعة سياساتها وأهدافها وأدواتها، بل إدراك أن مصادر التحدي ليست أحادية الاتجاه، وأن منظومة التوازن الجادة يجب أن تكون قادرة على التعامل مع التحدي أياً كان مصدره.
لقد أظهرت التجربة الإقليمية أن تجاوز الحدود الوطنية لدول المنطقة واستخدام القوة خارجها أصبحا من أخطر مظاهر هشاشة النظام الإقليمي وعدم استقراره، ولذلك فإن الهدف من بناء التوازن ليس إنشاء محور جديد في مواجهة محور آخر، بل منع أي قوة من تحويل تفوقها النسبي إلى قدرة على فرض إرادتها على الآخرين.
وهنا تتحدد وظيفة الردع: منع الهيمنة قبل وقوعها، لا الاستعداد للحرب بوصفها غاية.
فالردع العسكري يمنح التوازن مصداقيته، بينما تمنحه التنمية والاستثمار والبنية التحتية عمقه واستمراريته. وشبكات النقل والطاقة تقلل الهشاشة الجغرافية، وحماية الممرات البحرية تؤمن التجارة، واتساع المصالح المشتركة يرفع كلفة زعزعة الاستقرار.
وبذلك يصبح الردع منظومة متعددة الطبقات:
عسكرية في مواجهة التهديد المباشر، اقتصادية في مواجهة الضغط، جغرافية في مواجهة الابتزاز بالممرات، وتنموية في مواجهة محاولات تفكيك المصالح المشتركة.
لكن الانتقال من الاتفاق إلى التكتل لا يحدث تلقائياً. إنه يحتاج إلى مؤسسات تنسيق، وتكامل صناعي وتكنولوجي، ومشاريع استثمارية مشتركة، وتعاون استخباري ودفاعي، وربط تدريجي لشبكات النقل والطاقة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني لكل دولة.
كما أن التوسع لا ينبغي أن يكون توسعاً عسكرياً آلياً. فقد تتعاون دولة مع هذا المجال بسبب وظيفتها الاستراتيجية: مصر بسبب قناة السويس والبحر الأحمر، أو دول أخرى بسبب الطاقة أو الموانئ أو النقل أو الأسواق.
وهكذا يمكن أن تنشأ بنية متعددة المستويات:
اتفاق دفاعي ثلاثي في المركز، تعاون بحري إقليمي، شبكة اقتصادية وتنموية عابرة للحدود، ومجال أوسع من المصالح المشتركة يمتد من الخليج إلى المشرق وتركيا وأوروبا، ومن البحر الأحمر ومصر إلى أفريقيا.
ومن هنا، فإن الانتقال من توازن القوة إلى قوة التوازن الإقليمي الردعي لا يعني إنشاء محور عسكري جديد، ولا الدخول في سباق تحالفات، بل بناء قدرة استراتيجية متكاملة تجعل اختلال التوازن أكثر صعوبة، وفرض الإرادة بالقوة أكثر كلفة. فحين تتكامل القدرات الدفاعية مع الموارد الاقتصادية والتكنولوجيا والعمق الجغرافي والديموغرافي، وتتصل بها شبكات الطاقة والنقل والممرات البحرية والاستثمارات، تتحول عناصر القوة المتفرقة إلى قدرة جماعية على حماية السيادة والمصالح الحيوية. وعندها لا تكون وظيفة الردع خوض الحرب، بل منعها وردع التعدي قبل وقوعه، عبر جعل أي محاولة لفرض الأمر الواقع على دولة من دول المجال الاستراتيجي قضية تتجاوز حدودها الوطنية، وتمس نظاماً مترابطاً من المصالح والقدرات، بما يعيد إلى الإقليم القدرة على إنتاج توازنه بدلاً من الاكتفاء بتلقي تداعيات اختلاله.
الاستنتاج
لا تكمن القيمة الاستراتيجية للاتفاق الدفاعي السعودي ـ التركي ـ الباكستاني في تحويله إلى محور جديد في مواجهة دولة بعينها، بل في إمكان تطويره إلى نواة لتوازن جيوإستراتيجي إقليمي يقوم على تكامل القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والجغرافية والديموغرافية، ضمن مجال استراتيجي مترابط بنظام مصالح مشتركة متبادلة.
والتحديات التي تواجه دول المنطقة، أياً كان مصدرها، تتطلب قدرة جماعية على حماية السيادة والحدود والممرات والمصالح الحيوية، لا مجرد ردود فعل منفردة.
ومن هنا، فإن الأولوية ليست لتوسيع الاتفاق عسكرياً بصورة تلقائية، بل لبناء ما بعد الاتفاق:
تحويل الاستثمارات الخليجية إلى شراكات إنتاجية وتكنولوجية، وربط الممرات البحرية بشبكات النقل والطاقة البرية، وتوسيع التعاون مع الدول العربية وفق وظائفها الاستراتيجية.
فإذا نجحت الدول المعنية في تحويل هذه الإمكانات إلى مصالح وقدرات مترابطة، تصبح الأرقام قرينة على إمكان بناء توازن إقليمي، ويصبح التكامل الاقتصادي والتنموي رافعة للردع، وعندها ترتفع كلفة انتهاك السيادة أو فرض الأمر الواقع، فيما تتسع مساحة الاستقرار والتنمية والحلول السياسية لأزمات المنطقة.
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية
نبض