الخليج يعيد ترتيب أوراقه ولبنان يبحث عن نافذة استقرار
الفرصة المتاحة للبنان تكمن في التقاط لحظة انخفاض منسوب التوتر الإقليمي لمعالجة أزمته الداخلية بالحوار بين مكوناته الطائفية والسياسية، لا في انتظار حلول خارجية.
د. الياس ب. باسيل*
تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ 28 شباط/ فبراير 2026 مرحلة متحركة، بدأت بعمليات عسكرية واسعة طاولت دول الخليج، ثم خفّت وتيرتها عقب توقيع رئيسي الولايات المتحدة وإيران "مذكرة تفاهم" في 17 حزيران/ يونيو 2026.
ورغم أن الاشتباكات عادت الى التصاعد مجدداً وبشكل متقطع بدءاً من 6 تموز/ يوليو، إلا أنها ستبقى على الأرجح دون سقفها السابق. وكل ذلك لن يقلب المعادلات السابقة رأساً على عقب، بل سيعمل على تسريعها وتوسيع نطاقها في المجالين السياسي والاقتصادي، خصوصاً بالنسبة الى دول الخليج العربية التي دفعت ثمناً عسكرياً واقتصادياً مباشراً، وكذلك بالنسبة الى لبنان.
ثلاثة مسارات لسياسة دول الخليج العربية بعد 28 شباط 2026
ستتابع دول الخليج العربية السياسات التي بدأتها قبل الحرب الأخيرة من دون تغيير جوهري، ولكن بوتيرة متسارعة ومضطردة، ضمن ثلاثة أبعاد استراتيجية رئيسية.
أولاً: حيال الغرب: ستستمر دول الخليج بترشيد علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة الأميركية، والاعتماد المتزايد والتدريجي على القدرات الذاتية لجيوشها، من دون التخلي الكامل عن المظلة الأمنية الأميركية. وفي هذا السياق، ستُوسّع هذه الدول مصادر تسليحها لتخفيف نسبة السلاح الأميركي المستورد، وإن بقيت الأعلى. كما ستُعمّق علاقاتها الاقتصادية والديبلوماسية مع روسيا والصين وباقي دول بريكس، وتخفّف اعتمادها على الدولار واليورو في احتياطات بنوكها المركزية لمصلحة الذهب واليوان الصيني والعملات العالمية الأخرى.
ثانياً: تخفيف حدة العداء مع إيران
أظهرت المعركة الدائرة منذ شباط 2026 بوتيرة متبدلة الحدود القصوى للمواجهة الأميركية-الإيرانية. فقد كبحت واشنطن ضرباتها تحت سقف يدنو من إسقاط النظام في طهران من دون تحقيقه، ما كشف عن مصلحة استراتيجية أميركية بالتوصل إلى تعايش مصلحي (modus vivendi) مع إيران على المدى الطويل، وليس إسقاط نظامها. فسقوطه سيؤدي إلى نشوء "كانتونات" عرقية ستشمل الكردية والأذربيجانية منها وتتجاوزهاـ كما حدث بعد الاجتياح البريطاني-السوفياتي المشترك لإيران سنة 1941 ـ إلى مثيلاتٍ لها بلوشية وعربية تكون أخطر من تلك الإثنتَين لأنها تحاذي المحيط الهندي. إذ سيسهّل ذلك التشرذم على روسيا والصين السيطرة على الكيانات الإثنية الناشئة والمتناحرة بسبب قربهما الجغرافي النسبي، كما سيطر الاتحاد السوفياتي على الجمهوريتين الكردية والأذربيجانية حتى حلِّهما في أواخر سنة 1946 مما سيسمح للصين وروسيا بتأمين تسهيلات تجارية من خلال خط بري يتفادى مضائق ملقا والبوسفور وغيرهما، إلى المحيط الهندي، وبتكلفةٍ سياسيةٍ وماليةٍ أقلّ مما ستتكلفانه بوجود النظام الحالي في طهران والذي لم يسمح به بعد رغم نزاعه المرير مع الولايات المتحدة والغرب منذ 1979.
كما قد تسمح تلك الكيانات حينها لروسيا والصين بالحصول على تسهيلات عسكرية في إيران وخصوصاً بصورة مرافئ لبحريتهما الحربية على ذلك المحيط، في حين لم يسمح النظام الحالي بعد لأيٍ منهما بذلك. أي تكون الصين وروسيا حينها قد تفادتا السيطرة شبه الكاملة لبحرية الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها على المضائق المحيطة بهما من اليابان إلى الدائرة القطبية الشمالية.
اختصاراً، إن ثبات النظام في طهران، بسبب تلك الحسابات الأميركية كما التفاف الشعب الإيراني "حول العلم" منذ بدء الهجوم الأميركي-الإسرائيلي في 28 شباط 2026، سيساهم في دفع دول الخليج العربية لتبريد العلاقة مع طهران بثبات، ولو تدريجاً.
ثالثاً: تنويع الاقتصاد بعيداً من الوقود الأحفوري
ستُسرّع دول الخليج العربية عملية تنويع اقتصادها بعيداً من الاتكال على الوقود الأحفوري. الدافع المباشر لذلك هو تجنّب تداعيات أي إغلاق مستقبلي لمضيق هرمز أو محاولة إيران التحكم بالصادرات النفطية عبره. كما أن التطور المتسارع لمصادر الطاقة البديلة يفرض هذا التحول كخيار استراتيجي بعيد المدى. عملياً، بدأت الدول الخليجية بالفعل بتطوير مساراتٍ بديلة لتصدير النفط والغاز لا تمر بمضيق هرمز، مثل أنبوب الفجيرة الإماراتي الذي يصل إلى خليج عُمان على المحيط الهندي، وأنبوب ينبع السعودي المنتهي على البحر الأحمر، وإعادة تشغيل الأنبوب العراقي إلى جيهان في تركيا أخيراً. وتدور حالياً مشاورات بين قطر والكويت والسعودية لفتح خط تصديرٍ نفطي لهما عبر أراضي الأخيرة، وكذلك بين العراق وعُمان، كما يُتداول على نطاق أضيق بإعادة ضخّ النفط من خلال الأنابيب الآتية من السعودية والعراق إلى البحر الأبيض المتوسط عبر لبنان، الموجودة منذ عقود والمتوقفة منذ 1990 و1984، على التوالي, كما من العراق الى بانياس في سوريا.
ستهدف دول الخليج العربية من هذه الإجراءات مجتمعة إلى أمرين: تخفيف الاعتماد على "الحماية" الأمنية الأميركية، وتنويع الشركاء الاقتصاديين، ضمن توجه عام لتوسيع علاقاتها العالمية.
الأرضية المشتركة بين دول الخليج العربية وإيران
رغم عقود من العلاقة النزاعية منذ سقوط النظام الشاهنشاهي في إيران عام 1979، تبقى المشتركات بين إيران ودول الخليج قائمة وجوهرية. فهي سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى، وديموغرافية وحضارية بالدرجة الثانية. فالقرب الجغرافي يفرض حداً أدنى من التعاون بين الدول المشاطئة للخليج كلّها، حتى في ظل التنافس أو حتى النزاع. وقد تجلى ذلك في الاتفاق السعودي-الإيراني الذي استضافت الصين المفاوضات التي أدّت إلى توقيعه في عام 2023. لكن طموحات إيران التاريخية بمدّ نفوذها في الخليج، والتي ازدادت حدتها بعد 1979، إلى جانب استمرار العداء بين الولايات المتحدة وإيران، ما زالا يشكلان، بترابطهما ورفدهما لبعضهما، عائقاً كبيراً أمام نشوء علاقات سلسة ومستقرة بين دول الخليج العربية وإيران، مما يصعب تخطيه في المديين القريب والمتوسط.
انعكاسات الصدمة النفطية وإدارة الأزمة
بعد إعادة فتح مضيق هرمز جزئياً في 17 حزيران 2026، تمكنت دول الخليج من تعويض جزء من خسائرها الناجمة عن الإقفال شبه التام للمضيق خلال الأشهر الأربعة السابقة. إلا أن استمرار إصرار إيران على السيطرة على الممر، كما ظهر في استهداف الناقلات القطرية والسعودية في 6 و7 تموز والردود الأميركية العنيفة، يفرض على الخليج إجراءات وقائية دائمة. ويأتي في مقدمها الاستثمار في البنى التحتية لتصدير الطاقة عبر طرق بديلة، وهو ما يندرج ضمن السياسات الأوسع المذكورة سابقاً.
لبنان بين الفرصة والتعقيد
إذا ما تمّ تحويل "مذكرة التفاهم" الأميركية-الإيرانية إلى اتفاقٍ نهائي وملزم فسيستفيد لبنان بشكلٍ مباشرٍ، لأنه يتضمن وقف الأعمال الحربية الإسرائيلية. ذلك، في حال حصل، سيخفف الخسائر البشرية والمادية في لبنان، ويوقف تدريجاً ضغط النزوح من جنوبه وأماكن أخرى واسعة منه، فتتحسن بيئة الأعمال ويستفيد الاقتصاد المحلي ويرتفع الاستثمار الخارجي. كما أن وقف الحرب في الخليج سينعكس إيجاباً على لبنان بشكل غير مباشر أيضاً، عبر انتعاش الاقتصاد الإقليمي والعالمي وانخفاض أسعار الطاقة.
لكن تأثير هذا الاتفاق المرتقب على "اتفاق الإطار" اللبناني-الإسرائيلي الموقع في 26 حزيران يبقى ضئيلاً. فالتباين الجوهري في تفسير بنود الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل، ولا سيما منها حول آلية نزع سلاح "حزب الله" وربط الانسحاب الإسرائيلي بذلك، كفيلٌ تمديد المفاوضات إلى ما بعد اتضاح صورة العلاقة بين واشنطن وطهران. أما تأثير "اتفاق الإطار" اللبناني-الإسرائيلي على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران فمعدوم، لأن واشنطن ستُقدّم مصلحتها في التفاهم مع إيران، فيما لن تساعد طهران على نزع سلاح حليفها الأهم في المنطقة. يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستعطي الأولوية للاتفاق الأميركي-الإيراني، إن كان بصيغته الحالية كمذكرة تفاهم أو بصيغته النهائية إذا ما تم التوصل إليها، على تطبيق الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، توخياً لمصلحتها ولو تجاوزت بذلك مصلحة لبنان، وحتى مصلحة حليفها الأول في الشرق الأوسط، أي إسرائيل.
أما الدعم العربي، فسيكون ملموساً في مساندة لبنان لكنه لن يكون حاسماً في إنفاذ الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، نظراً الى محدودية تأثيره على المجهود العسكري الإسرائيلي، خصوصاً في ظل المعركة الانتخابية المحتدمة في إسرائيل وصعود التيار اليميني المتطرف الذي يلعب دوراً مُرجّحاً فيها.
لذلك، فإن مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لن يُفضي على الأرجح إلى نتائج إيجابية في المدى المنظور. فتفسير إسرائيل للاتفاق يشترط نزع الجيش اللبناني سلاح "حزب الله" من لبنان بكامله قبل أي انسحاب، مع احتفاظها بحرية الحركة العسكرية والتحقق من نزع ذلك السلاح. وهذا شرط يصطدم بموقف رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش الرافضتَين إثارة فتنة داخلية أو إدخال الجيش في مواجهة عسكرية مع "حزب الله"، وهو ما عبّر عنه الرئيس مراراً بالحديث عن الحفاظ على السلم الأهلي، وعبّرت عنه قيادة الجيش في بياناتٍ متتالية منذ 2 آذار 2026.
سيناريو المنطقة: تعايش هش
كخُلاصة، من المرجح أن يبقى وضع المنطقة في المدى المتوسط متأرجحاً بين جولات ضربات عسكرية متبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة ثانية، وبين هدن هشة تتخللها مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. أما في المدى الأبعد، فالأرجح هو وصول الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى تعايش على خلفية نزاعية مستمرة.
ضمن هذا الإطار المتقلب، الفرصة المتاحة للبنان تكمن في التقاط لحظة انخفاض منسوب التوتر الإقليمي لمعالجة أزمته الداخلية بالحوار بين مكوناته الطائفية والسياسية، لا في انتظار حلول خارجية.
*محامٍ في الولايات المتحدة الأميركية سابقاً، مُقيم في لبنان.
نبض