دمشق بين أنقرة وتل أبيب
لم تعد سوريا مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع تتعلق بإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط.
تدخل سوريا اليوم مرحلة تختلف عن كل ما عرفته خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت ساحة تتقاطع فيها الحسابات الأميركية والروسية، أو مسرحاً للمواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل، أخذت تتشكل معادلة جديدة عنوانها الرئيسي التنافس التركي الإسرائيلي، وليس المقصود هنا صراعاً عسكرياً وشيكاً بين الطرفين، بقدر ما هو سباق على التأثير في مستقبل الدولة السورية وموقعها ضمن التوازنات الإقليمية المقبلة.
لقد أوجدت التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا فراغاً سياسياً وأمنياً تسعى قوى إقليمية إلى ملئه، كل وفق أولوياته ومصالحه، وبينما تبدو دمشق معنية باستعادة الدولة ومؤسساتها، تنظر أنقرة وتل أبيب إلى هذا المسار من زاويتين مختلفتين، بل ومتعارضتين في كثير من الأحيان.
بالنسبة لتركيا، لم يعد الملف السوري مجرد قضية حدود أو أزمة لاجئين، وإنما تحول إلى أحد أهم ملفات الأمن القومي، فالقيادة التركية تدرك أن استقرار الجنوب ينعكس مباشرة على استقرار الداخل التركي، وأن إنهاء الفوضى يحد من نشاط التنظيمات المسلحة، ويفتح المجال أمام إعادة تنشيط الاقتصاد الإقليمي وشبكات النقل والتجارة، ولهذا تعمل أنقرة على بناء علاقة وثيقة مع السلطة السورية الجديدة، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن سوريا المستقرة تمثل عمقاً استراتيجياً لا عبئاً أمنياً.
كما تنظر تركيا إلى مرحلة إعادة الإعمار باعتبارها فرصة اقتصادية وجيوسياسية في آن واحد، فإعادة فتح طرق التجارة البرية وربط الخليج العربي بأوروبا عبر الأراضي السورية والتركية يمنح أنقرة موقعا محوريا في حركة التجارة والطاقة، ويعزز مكانتها الإقليمية في مرحلة تتغير فيها خرائط الاقتصاد والنقل.
في المقابل، تنطلق إسرائيل من حسابات مختلفة، صحيح أن تراجع النفوذ الإيراني في أجزاء واسعة من سوريا خفف من أحد أبرز مصادر القلق الإسرائيلي، إلا أن ذلك لم يؤد إلى تراجع الاهتمام بالملف السوري، بل أعاد ترتيب الأولويات، فتل أبيب تراقب اليوم تمدد النفوذ التركي بالقدر نفسه الذي كانت تراقب به سابقاً التحركات الإيرانية، لأنها لا ترغب في ظهور قوة إقليمية تمتلك نفوذاً واسعاً على حدودها الشمالية.
ومن هذا المنطلق، تبدي إسرائيل حساسية واضحة تجاه أي تعاون عسكري أو أمني بين دمشق وأنقرة، سواء تعلق الأمر بتطوير الجيش السوري، أو بإنشاء مراكز تدريب، أو بتوسيع الحضور العسكري التركي داخل الأراضي السورية، فهي ترى أن بناء مؤسسات أمنية سورية بدعم تركي قد يغير موازين القوى مستقبلاً، حتى وإن لم يكن ذلك موجهاً ضدها في الوقت الراهن.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين تركيا وإسرائيل لا تتحرك بمنطق المواجهة المباشرة. فالمصالح الاقتصادية بين البلدين لا تزال قائمة، كما أن كلا الطرفين يدرك أن أي صدام عسكري ستكون كلفته مرتفعة سياسياً واقتصادياً، ويبدو المشهد أقرب إلى منافسة محسوبة، يستخدم فيها كل طرف أدوات النفوذ السياسي، والعلاقات الدولية، والتحالفات المحلية، بدلاً من الانخراط في مواجهة مفتوحة.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بعيداً عن دور واشنطن، فالولايات المتحدة تجد نفسها أمام حليفين استراتيجيين لكل منهما أهمية مختلفة، فمن جهة، تمثل تركيا ركناً أساسياً في بنية حلف شمال الأطلسي، ومن جهة أخرى، تبقى إسرائيل شريكاً أمنياً رئيسياً في الشرق الأوسط، ولهذا تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى إدارة التوازن بين الطرفين بدلاً من ترجيح كفة أحدهما بصورة كاملة.
ويمنح هذا النهج الإدارة الأميركية هامشاً أوسع للحفاظ على نفوذها في الملف السوري، إذ يمنع أي قوة إقليمية من الانفراد برسم مستقبل سوريا، ويجعل الجميع بحاجة إلى المظلة الأميركية في إدارة الخلافات وتحديد حدود الحركة، وبكلام اخر، استمرار التنافس ضمن سقوف محددة قد يكون بالنسبة لواشنطن أكثر فائدة من إنهائه بصورة نهائية.
أما دمشق، فتواجه تحدياً مختلفاً، فهي مطالبة بإعادة بناء الدولة واستعادة الاقتصاد، وفي الوقت نفسه مطالبة بإدارة شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والدولية، ومن مصلحتها الاستفادة من الانفتاح التركي اقتصادياً وسياسياً، دون أن تتحول إلى طرف في صراع إقليمي جديد، كما أن تجنب التصعيد مع إسرائيل يبقى عاملا مهما في تسهيل مسار الانفتاح الدولي واستقطاب الاستثمارات وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي.
ولا يبدو أن المنطقة تتجه نحو مواجهة تركية إسرائيلية مباشرة داخل سوريا، لأن الظروف الإقليمية والدولية لا تشجع على ذلك، ولأن مختلف الأطراف تدرك أن أي انفجار واسع ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود السورية، إلا أن ذلك لا يلغي استمرار التنافس، الذي سيأخذ أشكالاً أكثر هدوءاً، عبر النفوذ السياسي، والوجود الأمني المحدود، والتفاهمات المحلية، والمشاريع الاقتصادية، ومحاولات التأثير في شكل الدولة السورية خلال السنوات المقبلة.
يبقى القول، لم تعد سوريا مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع تتعلق بإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط. وما يجري بين أنقرة وتل أبيب يتجاوز حدود الجغرافيا السورية، لأنه يرتبط بالسؤال الأكبر: من سيمتلك القدرة على التأثير في النظام الإقليمي الجديد؟ والإجابة عن هذا السؤال لن تتوقف على حجم النفوذ الخارجي وحده، بل على قدرة الدولة السورية نفسها على استعادة قوتها ومؤسساتها، فكلما نجحت دمشق في بناء دولة مستقرة وفاعلة، تراجعت قدرة الآخرين على تحويل أراضيها إلى ساحة مفتوحة لصراعاتهم.
*باحث ومستشار سياسي
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الصغير ترى أنها "السائقة الماهرة" التي تستطيع قيادة سيارة الحقوق والحريات عكس اتجاه السير الذكوري للمجتمعات العربية، وتستطيع أن تبلغ بها بر الأمان، أما بقية النساء في الشارع، فحمقاوات وبطيئات ولن يُجدن التراقص بين المسارات.
نبض