أنقرة وتفكيك "قنبلة القرن"

آراء 13-07-2026 | 05:25

أنقرة وتفكيك "قنبلة القرن"

إفشال "قنبلة القرن" لم يكن مجرد إحباط لمخطط استخباري عابر، بل شكّل صدمة عكسية تسببت بولادة جدار دفاعي خماسي صلب يمتلك من أوراق القوة العسكرية والاقتصادية ما يؤهله لإسقاط أوهام "الشرق الأوسط الجديد".

أنقرة وتفكيك "قنبلة القرن"
الشرع وأردوغان على هامش قمة الناتو في أنقرة
Smaller Bigger

إيمان درنيقة الكمالي*

 

في ظلّ مناخ إقليمي معقد، جاءت التحذيرات الحاسمة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمثابة جرس إنذار كشف الستار عن "مؤامرة خبيثة" صُنِّفت بأنها "قنبلة القرن".

 

لم تكن تلك المؤامرة مجرد جولة صراع تقليدية عابرة، بل كانت هندسة لسيناريو يحاكي إعادة استنساخ مأساة تدمير سوريا عام 2011 وتطبيقها حرفياً على جمهورية إيران الإسلامية؛ بهدف تفجير اقتتال داخلي عرقي وطائفي شامل يضع مكونات المنطقة (الأتراك، والعرب، والأكراد، والفرس) في جبهات تصادميةٍ مدمرة تؤسس لخرائط "الشرق الأوسط الجديد".

 

وقد ظهرت أولى آليات هذا المخطط ميدانياً عبر حراك كثيف لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) لتسليح آلاف الأكراد كـ"جيوش بديلة" لإشعال العمق الإيراني، تزامناً مع ضربات إسرائيلية استباقية استهدفت نقاط الجيش والشرطة الإيرانية على الحدود العراقية، لتفريغ المنطقة أمنياً وتمهيد الزحف البري لإغراق طهران في حرب استنزاف داخلية.

ولكن، خلافاً للحسابات الأميركية والإسرائيلية، انقلبت التوقعات بفضل الوعي التاريخي الذي أظهره الأكراد برفضهم الانجرار ليكونوا وقوداً لحرب بالوكالة، مدفوعين بعقدة الخذلان التي عاينوها لدى أشقائهم في شمال سوريا (قسد) إثر تخلّي واشنطن عنهم وإعلانها انتهاء "تحالف الهدف"، كما وصفه المسؤول الأميركي توم براك صراحةً، مما ولّد قناعة لدى أكراد إيران بأن أميركا ستتركهم في كماشة قاتلة. وعلى رغم أهمية هذا الوعي الكردي في تفكيك لغم الفوضى، إلا أن الدور التركي البراغماتي ومناوراته الميدانية كانا العامل الأهم والحاسم في إفشال المخطط كلياً عبر تحييد جبهات الجوار، انطلاقاً من إدراك أنقرة أن سقوط طهران يعني أن الدور القادم سيكون عليها وفق التهديدات الإسرائيلية المعلنة.

ولذلك، استخدمت تركيا ثقلها السياسي وموقعها الميداني لكبح المخطط عبر مسارين متوازيين: تمثل المسار الأول في تحييد جبهة الشمال السوري من خلال منع فصائل أحمد الشرع من التورط في أي حراك أو تشتيت أمني ضد المصالح الإيرانية، ليكون الوجود العسكري التركي هناك بمثابة جدار منيع يحفظ الاستقرار ويمتص الصدمات الإقليمية منعاً لانزلاق المنطقة نحو صراعات طائفية وحروب ممتدة من سوريا إلى اليمن. وأما المسار الثاني، فقد تجسد في نجاح أنقرة في تحييد جبهة أذربيجان؛ فرغم العلاقات الوثيقة بين باكو وإسرائيل، إلا أن النفوذ التركي الثقيل دفع الرئيس الأذري إلهام علييف إلى اتخاذ موقف حذر وعدم المغامرة بالدخول في أي زحف بري ضد الجارة الإيرانية، تزامناً مع فشل المخطط في تحريك المكون الأذري داخل إيران نظراً الى كون المرشد الأعلى الحالي ينحدر من أصول أذرية، مما يمنحهم شعوراً بنيل حقوقهم ومشاركتهم في الدولة ويحصنهم ضد الاختراق العرقي.

وأكثر من ذلك، لم يقتصر الحراك التركي على هذه التوازنات الميدانية البراغماتية، بل ارتكز في قلب هذه التوترات على خطاب سياسي مبدئي يتبناه الرئيس أردوغان، يدعو فيه بقوة إلى توحيد الصف الإسلامي وتجاوز الانقسامات المذهبية والطائفية التي أضعفت الأمة. ويقدم هذا الخطاب رؤية بديلة من الصراعات التقليدية، مؤكداً أن الدين الإسلامي هو الرابط الجوهري والجامع الذي يرفض التمييز العرقي أو الطائفي، ويعمل أداة لتحصين المنطقة من خلال تعزيز التنسيق الاستراتيجي المشترك بين الدول الإسلامية والعربية لمواجهة التهديدات الخارجية وتجنب الانزلاق نحو التقاتل الداخلي.

ولم تكن أنقرة قادرة على قيادة هذه المناورات المعقدة لولا مستندات قوتها في التوازنات الدولية؛ إذ نجحت في الجمع بين كونها عضواً فاعلاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وشريكاً استراتيجياً لروسيا، وحليفاً سياسياً لإيران في مواجهة الضغوط الصهيو-أميركية. هذا التموضع الجيوسياسي الفريد منح الديبلوماسية التركية هوامش مناورة واسعة أتاحت لها التحرك بحرية في المحافل الدولية وضبط الإيقاع الميداني، مستخدمةً هذه العلاقات المتناقضة أوراق ضغط لحماية أمن الإقليم وإجهاض مخطط التفتيت. وتتجلى ثمار هذه البراغماتية وموقع القوة الجديد في الحراك الديبلوماسي الأخير المتمثل في زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أنقرة، والتي فتحت الباب لإمكان إبرام صفقة طائرات حربية كبرى؛ ما يؤكد أن واشنطن باتت مرغمة على اعتماد الواقعية السياسية والتعامل مع تركيا كشريك إقليمي محوري لا يمكن تجاوزه، بدلاً من سياسة الإملاءات والضغوط.

وبموازاة ذلك، برز العديد من مشاريع التلاحم في وجه مخطط إسرائيل لتفتيت المنطقة، حيث وُلد سياق تنسيقي خماسي غير مسبوق جمع القوى الإقليمية الخمس الكبرى: مصر، السعودية، تركيا، باكستان، وإيران. وقد اتفقت هذه القوى على وضع خطوط حمراء ثابتة أمام العبث الإسرائيلي بأمن المنطقة، وإسقاط مشروع "الشرق الأوسط الجديد" صراحةً، والانتقال إلى مرحلة تفرض فيها قوى الإقليم شروطها السياسية والأمنية. ولم يقتصر هذا التقارب على المسارات الديبلوماسية، بل تُرجم مباشرة إلى خطوات عملية طموحة على الأرض؛ تجلت أولاها في تفعيل مناورات "نسر الأناضول" وتدريباتها العسكرية المشتركة بين مصر وتركيا لرفع كفاءة القوات المسلحة وجاهزيتها، مع أخذ أعلى درجات الحذر والتحذير من الاختراقات الاستخباراتية المحتملة من أطراف دولية تحاول عرقلة هذا التقارب العسكري التاريخي.

أما الخطوة العملية الثانية، فجاءت عبر طرح مشروع جيو-اقتصادي طموح لإعادة إحياء خط "سكة حديد الحجاز" التاريخي، الذي تأسس مطلع القرن العشرين بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني ودمر إبان الحرب العالمية الأولى؛ إذ يهدف المشروع اليوم إلى ربط تركيا جغرافياً واقتصادياً بالعمق العربي عبر سوريا، الأردن، والسعودية، وصولاً إلى سلطنة عمان، فيعيد بذلك وصل ما قطعته حدود "سايكس بيكو" الاستعمارية. ورغم المخاوف السياسية والضغوط المتوقعة من أميركا وإسرائيل لتعطيل هذا المخطط –لكونه يعيد دمج المنطقة ويقلص نفوذ القوى التي استفادت تاريخياً من تقسيمها– إلا أنه يُطرح كأبرز أدوات الربط الاستراتيجي المستقبلي.

وفي المحصلة، فإن إفشال "قنبلة القرن" لم يكن مجرد إحباط لمخطط استخباري عابر، بل شكّل صدمة عكسية تسببت بولادة جدارٍ دفاعي خماسي صلب يمتلك من أوراق القوة العسكرية والاقتصادية ما يؤهله لإسقاط أوهام "الشرق الأوسط الجديد". فبينما أرادوها حرباً طائفية وعرقية تذر ما تبقى من المشرق، جاءت النتيجة تلاحماً استراتيجياً يعيد وصل ما انقطع؛ إذ برز الدور التركي وبراغماتية أنقرة كعامل توجيه أساسي أثبتت من خلاله عواصم الإقليم الكبرى قدرتها على انتزاع الاعتراف الدولي بقوتها، وتوظيف هوامش المناورة والتحرك الديبلوماسي لفرض شروطها على القوى الكبرى، مؤذنةً بولادة موازين ردع جديدة صاغها الإقليم بذاته ولأجل سيادته.

*أستاذة جامعيّة - باحثة سياسيّة

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 7/9/2026 11:38:00 AM
حملت الصورة أجواء عائلية دافئة عكست لحظة خاصة من حياة العائلة الهاشمية...
فن ومشاهير 7/9/2026 1:17:00 PM
أعلن الفنان ماجد المصري عن خضوعه لعملية جراحية عاجلة إثر إصابته بنزيف وقطع في شبكية العين عقب حضوره مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026.
فن ومشاهير 7/11/2026 10:40:00 AM
علّقت مي عمر على تعليقات الكثير من الفتيات اللواتي يعتبرنها محظوظة بزوجها محمد سامي.
موضة وجمال 7/11/2026 3:43:00 PM

لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته