الناتو بعد حرب إيران
الناتو خرج من الحرب الباردة بوظيفة، ومن حرب أوكرانيا بوظيفة أخرى، وربما يخرج من تداعيات الحرب مع إيران بوظيفة ثالثة أكثر اتساعاً، والتحدي الحقيقي أمام الحلف لم يعد البقاء، بل إعادة تعريف نفسه...
لم تعد قمم حلف شمال الأطلسي مجرد اجتماعات دورية لتنسيق المواقف بين ضفتي الأطلسي، بل أصبحت محطات لإعادة تعريف وظيفة الحلف في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. وتأتي القمة الأخيرة بعد أيام في تركيا في لحظة استثنائية، بعد الحرب المباشرة بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وفي ظل حرب أوكرانيا المستمرة، ومع تصاعد المنافسة مع الصين، وتنامي الشكوك داخل الغرب نفسه حول مستقبل القيادة الأميركية.
لكن القمة تبدو مختلفة عن سابقاتها، فهي لا تناقش فقط كيفية تعزيز قدرات الردع التقليدية، بل تبحث أيضاً عن إجابة لسؤال أكثر عمقاً: ما هو الناتو الذي يحتاجه الغرب خلال العقد المقبل؟
لقد فرضت الحرب مع إيران واقعاً أمنياً جديداً، كشف عن أن الأزمات الإقليمية لم تعد منحصرة داخل حدودها الجغرافية، إذ تمتدّ سريعاً إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية وحسابات القوى الكبرى، كما أظهرت أن الولايات المتحدة ما زالت اللاعب العسكري الأكثر تأثيراً داخل المنظومة الغربية، حتى مع تزايد الدعوات الأوروبية إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.
لكن الخلافات داخل الحلف لم تختف؛ فالهدوء الذي يرافق القمة يخفي تباينات عميقة تراكمت خلال السنوات الماضية، سواء بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية أو بشأن مستقبل الدعم العسكري لأوكرانيا أو طبيعة العلاقة مع روسيا، وصولاً إلى كيفية التعامل مع الصعود الصيني.
وتبقى قضية الإنفاق الدفاعي أبرز نقاط الخلاف، فالولايات المتحدة ترى أن كثيراً من الدول الأوروبية استفادت لعقود من المظلة الأمنية الأميركية دون أن تتحمل نصيباً عادلاً من تكاليف الدفاع الجماعي، بينما تنظر عواصم أوروبية إلى هذا الطرح باعتباره تبسيطاً لمعادلة أكثر تعقيداً، خصوصا أن الحرب الأوكرانية دفعت معظمها إلى رفع موازناتها العسكرية بصورة غير مسبوقة.
أما أوكرانيا، فلا تزال تمثل اختباراً حقيقياً لوحدة الحلف؛ فبينما تتفق الدول الأعضاء على ضرورة منع روسيا من تحقيق انتصار استراتيجي، فإنها تختلف حول سقف الدعم العسكري والسياسي، وحول فرص انضمام كييف إلى الناتو، وحول الكيفية التي يمكن بها إنهاء الحرب من دون الإضرار بمصداقية الردع الغربي.
كذلك، لم تعد روسيا هي التحدّي الوحيد، فالصين تحوّلت تدريجياً إلى بند دائم على جدول أعمال الحلف، ليس باعتبارها خصماً عسكرياً مباشراً في أوروبا، وإنما قوة عالمية تؤثر في الأمن السيبراني والتكنولوجيا والبنية التحتية وسلاسل التوريد؛ وهذا الاتساع في تعريف التهديدات يعكس انتقال الناتو من تحالف دفاعي تقليدي إلى إطار أوسع لإدارة المنافسة الجيوسياسية.
وسط هذه التوازنات المعقدة، تبرز تركيا بوصفها أحد أكثر أعضاء الحلف أهمية وتعقيداً في آن واحد، فهي تمتلك ثاني أكبر جيش داخل الناتو، وتتحكم بموقع جغرافي يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود، كما تحافظ على قنوات اتصال مع روسيا وأوكرانيا في الوقت نفسه، وتملك علاقات متشابكة مع دول الشرق الأوسط. هذا الموقع يمنح أنقرة قدرة استثنائية على لعب دور الوسيط وصانع التوازنات، لكنه يجعلها أيضاً عرضة لضغوط متعارضة من واشنطن والعواصم الأوروبية، واستضافة القمة ليست مجرد تفصيل بروتوكولي، بل تعكس إدراكاً متزايداً بأن تركيا أصبحت عنصراً لا يمكن تجاوزه في أيّ تصور جديد للأمن الأوروبي والإقليمي.
والسؤال الأهم قد لا يتعلّق بأوروبا، بل بالشرق الأوسط؛ فالحرب الأخيرة مع إيران دفعت كثيراً من دوائر القرار الغربية إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الأمن الأوروبي وأمن المنطقة؛ فمن الصعب اليوم الفصل بين أمن البحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط من جهة، وبين أمن أوروبا من جهة أخرى، في ظل الترابط الوثيق بين الطاقة والتجارة والهجرة والأمن البحري.
ومع ذلك، من المستبعد أن يتحول الناتو إلى لاعب مباشر في إدارة أمن الشرق الأوسط بالمعنى التقليدي؛ فالحلف لا يزال يفضّل العمل عبر الشراكات وبناء القدرات والتعاون الاستخباراتي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بالدور القيادي في إدارة الأزمات العسكرية الكبرى داخل المنطقة. لكن ذلك لا ينفي أن الشرق الأوسط أصبح جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الجديدة للحلف؛ فالتحديات العابرة للحدود، من الهجمات على الممرات البحرية إلى الصواريخ والطائرات المسيرة والتهديدات السيبرانية، تجعل أمن المنطقة عنصراً مؤثراً في معادلة الردع الأطلسية، حتى وإن بقيت آليات التعامل معها مختلفة عن النموذج الأوروبي.
وبالنسبة إلى دول الخليج العربي، فإن مخرجات القمة تحمل دلالات تتجاوز البيانات السياسية، فكلما ازداد التنسيق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، تعززت فرص بناء شراكات أمنية أكثر استقراراً في المنطقة، سواء في مجالات الدفاع الجوي، أو أمن الملاحة، أو حماية البنية التحتية الحيوية، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية. أما إذا عادت الخلافات عبر الأطلسي إلى الواجهة، فإن ذلك سيمنح القوى الإقليمية والدولية مساحة أوسع لإعادة رسم موازين النفوذ.
برأيي، لا يبدو أن قمة تركيا ستنهي الخلافات البنيوية داخل الحلف، لكنها قد تؤسّس لمرحلة جديدة من إدارتها؛ فالروابط الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة ما زالت أقوى من عوامل الانقسام، غير أن شكل هذه العلاقة يتغير باستمرار تحت ضغط التحولات الدولية.
ويبقى القول إن الناتو خرج من الحرب الباردة بوظيفة، ومن حرب أوكرانيا بوظيفة أخرى، وربما يخرج من تداعيات الحرب مع إيران بوظيفة ثالثة أكثر اتساعاً؛ والتحدّي الحقيقي أمام الحلف لم يعد البقاء، بل إعادة تعريف نفسه، وما إذا كان الشرق الأوسط سيصبح جزءاً دائماً من استراتيجية الردع الأطلسية، أم سيظل ساحة تتحرك فيها الولايات المتحدة منفردة مع دعم سياسي ولوجستي من شركائها الأوروبيين.
*مستشار سياسي
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.
نبض