الترويج الروسي لسرديّة "النصر الإيراني" وتداعياته على الملف الأوكراني
يُستخدم المثال الإيراني كمرآة غير مباشرة للحرب في أوكرانيا؛ فكما يُقدَّم الصمود الإيراني كعامل دفع نحو التفاوض، يُلمَّح إلى أن صمود أوكرانيا قد يقود بدوره إلى مسار مشابه ينتهي بتسوية لا تحقق انتصاراً مطلقاً لأي طرف...
د. خالد العزي*
في أعقاب الجولة الأولى من المحادثات الإيرانية–الأميركية التي انعقدت في سويسرا، بدأ يتبلور مشهد جديد في العلاقة بين البلدين، يوحي بأن الحرب التي اندلعت في شباط/فبراير الماضي قد دخلت فعلياً مرحلة النهاية.
فقد بدا وقف إطلاق النار المبدئي الذي وُقّع في منتصف حزيران/يونيو، ثم عودة حركة الملاحة إلى الموانئ الإيرانية دون عوائق، وكأنه إعلان غير رسمي عن طيّ صفحة مواجهة عسكرية قصيرة لكنها مكثفة. وفي الوقت نفسه، استؤنفت حركة السفن في مضيق هرمز، وافتتحت قنوات تفاوضية نحو تسوية أوسع.
رواية واحدة: إيران صمدت
لم يكن صمود إيران مجرد بقاء عسكري، بل لحظة سياسية رمزية. فلأول مرة منذ عقود، تدخل قوة كبرى مواجهة مباشرة دون أن تنجح في دفع دولة متوسطة بحجم إيران إلى الانهيار. ورغم الكلفة الباهظة، بما في ذلك تضرر البنى التحتية، واستهداف قطاعات صناعية، وسقوط كوكبة من الضباط والجنود، وارتفاع الخسائر الاقتصادية، فإن الدولة لم تنهَر، ولم يتغير شكلها السياسي، ولم تُنتزع سيادتها.
في المقابل، لم تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل نتائج حاسمة على المستوى الاستراتيجي رغم التفوق العسكري والتكنولوجي، ما أفرز مفارقة واضحة: طرف يمتلك قوة ساحقة لكنه لا يملك الحسم.
ومن هنا تُطرح مقارنة غير مباشرة في الخطاب الروسي، تُستخدم لتبرير قراءة موازية في الملف الأوكراني، الذي لم يحقق بدوره حسماً عسكرياً واضحاً، رغم الكلفة العالية التي تكبدتها روسيا من تضرر البنى التحتية، واستهداف قطاعات صناعية، وسقوط خسائر بشرية كبيرة، وارتفاع الأعباء الاقتصادية، دون تغيّر جذري في شكل الدولة الأوكرانية أو انهيارها.
الترويج الروسي وتحضير الرأي العام
لقد برز خطاب إعلامي روسي يسعى إلى إعادة تفسير نتائج المواجهة بين إيران والولايات المتحدة من زاوية مختلفة عن السرد الغربي. ومع الحديث عن "اتفاق إطار" جديد في سويسرا، قدّمت بعض وسائل الإعلام الروسية صورة مفادها أن إيران لم تخرج صامدة فقط، بل استطاعت أيضاً فرض شروطها على طاولة التفاوض. وفق هذا الخطاب، تُقدَّم التفاهمات كامتداد مباشر لصمود إيران خلال الحرب، لا كتنازلات متبادلة. فالعقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية لم تحقق أهدافها، بينما حافظت إيران على تماسكها ومنعت انهيار بنيتها السياسية والعسكرية، وهو ما يُقدَّم باعتباره "إفشالاً للرهان الأميركي".
ومن هذا المنظور، يصبح أي اتفاق لاحق نتيجة لتوازن جديد فرضته إيران، لا نتيجة ضغط عسكري. كما يُنظر إلى دخول واشنطن في مفاوضات جديدة كمؤشر على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك.
ولا يقتصر هذا الخطاب على الملف الإيراني، بل يتجاوز ذلك إلى بناء نمط تفسيري أوسع يقوم على أن “الصمود الطويل” أصبح بديلاً من “الحسم السريع”، وأن الحروب الحديثة تُدار بمنطق الاستنزاف والتفاوض أكثر من منطق الانتصار الكامل والهزيمة المطلقة.
ومن هنا يُستخدم المثال الإيراني كمرآة غير مباشرة للحرب في أوكرانيا؛ فكما يُقدَّم الصمود الإيراني كعامل دفع نحو التفاوض، يُلمَّح إلى أن صمود أوكرانيا قد يقود بدوره إلى مسار مشابه ينتهي بتسوية لا تحقق انتصاراً مطلقاً لأي طرف، بل مكاسب جزئية مرتبطة بميزان القوى على الأرض.
خلف السردية: قسوة الواقع
خلف هذا البناء الإعلامي، يبرز واقع أكثر تعقيداً. فالدول لا تتحرك دائماً وفق حسابات عقلانية خالصة، إذ قد تُتخذ قرارات الحرب تحت تأثير اعتبارات أيديولوجية أو سياسية تجعل المواجهة ممكنة رغم كلفتها العالية.
وفي قلب هذا الصراع، فرضت التكنولوجيا نفسها كعنصر حاسم. غير أن هذا التفوق التقني لم يتحول إلى حسم سياسي واضح، ما يعزز دور الاستخبارات والمعلومة بوصفهما عنصرين أكثر تأثيراً من القوة النارية، إذ إن غياب المعلومات الدقيقة يحد من فعالية السلاح نفسه.
وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون الهدف بالضرورة تحقيق نصر شامل، بل منع الخصم من فرض حسم كامل. وهكذا يصبح الصمود نفسه شكلاً من أشكال الفعل السياسي، حتى وإن لم يتحول إلى تفوق كامل، لأنه يكسر فكرة أن التفوق وحده كافٍ لإنهاء الصراع.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.
نبض