خاص "النهار" - إنهاء الحرب: المدخل إلى استعادة الدولة السودانية وبناء سلام مستدام
د. عبد الله حمدوك (*)
دخل السودان عامه الرابع في أتون حرب مدمرة خلّفت واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث. فقد حصدت أرواح مئات الآلاف، وشرّدت عشرات الملايين، ودفعت البلاد إلى حافة الانهيار الشامل. ولم تقتصر آثارها على الخراب المادي وتعطيل مؤسسات الدولة، بل امتدت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإضعاف الروابط الوطنية، بما يهدد وحدة السودان ذاتها ويفتح الباب أمام احتمالات التفكك والتشظي إلى كيانات متعددة.
ومع تصاعد أزمات إقليمية ودولية أخرى، وآخرها المواجهة بين إسرائيل وإيران، تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، رغم أنها لا تزال تمثل أكبر أزمة إنسانية في العالم. غير أن الجهود الجارية لإحياء مسار السلام تمنح أملاً مشروعاً في إعادة السودان إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، باعتبار أن استقرار السودان يشكل ركيزة أساسية لاستقرار محيطه الأفريقي والعربي.
مبادرات تبعث على الأمل: لا حلّ عسكرياً
ورغم الصورة القاتمة، فقد شهدت الأشهر الماضية تطورات مهمة تبعث على الأمل. فعلى الصعيد الإقليمي والدولي، بدأت المبادرات المتعددة والمتفرقة تتجه نحو قدر أكبر من التنسيق والتوافق. وفي هذا السياق، تمثل مبادرة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، خطوة بالغة الأهمية، إذ أرست مبادئ أساسية نتفق معها تماماً: لا حل عسكرياً للحرب، والحل السياسي المؤدي إلى انتقال مدني ديموقراطي هو السبيل الوحيد لحل أزمة البلاد، مع عدم السماح لأطراف الحرب باحتكار مستقبل السودان، واستبعاد فلول النظام السابق والقوى المتطرفة التي أسهمت في دفع البلاد نحو هذا المصير المأسوي.
وفي الاتجاه نفسه، توحدت جهود الاتحاد الأفريقي والإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ضمن إطار تنسيقي مشترك لتيسير عملية سياسية سودانية تقودها القوى المدنية. ثم جاء مؤتمر برلين، بمشاركة أكثر من خمسين دولة ومنظمة، ليؤكد مجدداً التوافق الدولي حول أهداف الحل السياسي ومبادئه.
ولعل التطور الأهم يتمثل في ما بدأ يتشكل داخل المعسكر المدني السوداني نفسه. فعلى هامش مؤتمر برلين، توصلت قوى مدنية سودانية ذات رؤى وخلفيات مختلفة إلى إعلان مشترك لخفض التصعيد. ثم تعزز هذا المسار بصورة أوضح وأشمل في إعلان القاهرة وفي مؤتمر قوى إعلان المبادئ الذي انعقد في نيروبي والذي أقر إعلان مبادئ وخارطة طريق لإنهاء الحرب، وجمع طيفاً واسعاً من القوى السياسية والمهنيين والمجتمع المدني والشخصيات المستقلة الرافضة للحرب. كما شهدت الفترة الماضية تنسيقاً متزايداً بين هذه القوى تجاه مختلف المبادرات المطروحة، بما في ذلك اجتماعات مجموعة الخماسية في أديس أبابا. إن أهمية هذه التطورات لا تكمن فقط في ما أفرزته من تفاهمات، بل في الرسالة التي تحملها:
لا يوجد طريق واقعي لمعالجة الأزمة السودانية سوى الحل السياسي الشامل القائم على الحوار والتوافق الوطني.
ثلاثة مسارات متوازية لإنهاء الحرب
ومن هذا المنطلق، فإن رؤيتنا لإنهاء الحرب وتحقيق سلام مستدام تقوم على ثلاثة مسارات متوازية ومترابطة: أولها هدنة إنسانية تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار؛ وثانيها إطلاق عملية إنسانية واسعة عبر خطوط القتال وعبر الحدود لإغاثة الملايين من المدنيين؛ وثالثها تدشين عملية سياسية شاملة ومستقلة تحت مظلة مجموعة الخماسية، يمتلكها ويقودها المدنيون السودانيون عبر آلية تحضيرية يتم تشكيلها بواسطة القوى الرئيسية المشاركة في الحوار ومهمتها تصميم العملية السياسية ووضع الأجندة ومواضيع الحوار وتحديد الأطراف التي تشارك فيه ودور الميسّرين الإقليميين والدوليين ومكان انعقاد العملية السياسية وزمانه.
إن التجارب السودانية السابقة، وتجارب المنطقة من حولنا، تؤكد أن وقف إطلاق النار وحده لا يصنع السلام. فأيّ هدنة لا ترتبط بمسار سياسي جاد ستتحول إلى مجرد استراحة موَقتة تعود بعدها الحرب بصورة أشد ضراوة. أما استمرار القتال أو تجميده دون معالجة جذوره السياسية والتاريخية، فلن يقود إلا إلى ترسيخ الانقسام وتفكيك الدولة الوطنية.
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم. ما بين استمرار الحرب والانزلاق نحو التفكك والانهيار، أو اغتنام الفرصة المتاحة لصناعة سلام عادل ومستدام. وتقع المسؤولية التاريخية على عاتق السودانيين أولاً، وعلى الأشقاء والأصدقاء والشركاء في محيطنا الأفريقي والعربي والمجتمع الدولي ثانياً. فالوقت لم يعد يسمح بمزيد من الانتظار، لأن كلفة السلام، مهما بلغت، تظل أقل بكثير من كلفة الحرب المستمرة.
(*) رئيس الوزراء السوداني السابق
رئيس "التحالف المدني الديموقراطي لقوى الثورة" (صمود)
نبض