آراء
24-06-2026 | 14:11
"هل أنت من بيروت وسنّي؟"... عندما يصبح المذهب شرطاً لاستئجار منزل
عندما يصبح السكن، وهو أبسط حقوق الإنسان، خاضعاً لاختبار الهوية، فإن المشكلة لا تكون في شقة للإيجار، بل في وطن لم ينجح بعد في استئجار مساحة مشتركة لأبنائه جميعاً.
بيروت. (أرشيف)
"هل أنت من بيروت؟ وهل أنت سنّي؟"... كان هذا أول ما سمعته عند اتصالي بإحدى سماسرة العقارات للاستفسار عن شقة معروضة للإيجار. لم يكن السؤال عن عدد أفراد العائلة، ولا عن القدرة على دفع بدل الإيجار، ولا حتى عن مدة العقد، بل عن الهوية والمنطقة والانتماء المذهبي.
بعد السؤال الصادم وغير المتوقع أجبتها بكل براءة "صحيح من بيروت وسني". لبرهة انغمست معها بالطائفية المطلقة أو المذهبية المناطقية، وخوّلني الجواب الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي إرسال فيديو للشقة.
هذا السؤال "القنبلة" يكشف وجهاً مقلقاً لمحيطنا حيث يتحوّل السكن، وهو حق أساسي، إلى مساحة فرز وتمييز غير معلن. فبدلاً من أن تقوم العلاقة بين المالك والمستأجر على الثقة والالتزام بالقانون، يجد كثيرون أنفسهم أمام أسئلة تتعلّق بأصولهم ومناطقهم وطوائفهم، وكأن الانتماء بات معياراً يسبق الأخلاق والقدرة المالية.
المشكلة لا تقتصر على حالة فردية، بل تعكس ثقافة متجددة ومتجذّرة كرّستها سنوات الانقسامات والخوف المتبادل، حتى بات بعض السماسرة والمالكين يبررون هذه الممارسات تحت عنوان "رغبة صاحب العقار" أو "الحفاظ على طبيعة الحي"، أو البلدية عمّمت هذه الثقافة. لكن النتيجة واحدة: تعزيز الحواجز بين اللبنانيين وإعادة إنتاج خطوط التماس بصورة جديدة، هذه المرة داخل المباني والأحياء السكنية.
في بلد يرفع شعار العيش المشترك، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زلنا نبحث عن مستأجر ملتزم، أم عن مستأجر يحمل هوية محدّدة؟ وهل يجوز أن يتحول حق الإنسان في السكن إلى اختبار للانتماء الطائفي والمناطقي؟ فهل كبيروتي سنيّ ممنوع مثلاً السكن في الضاحية الجنوبية أو في الجديدة أو الحازمية أو سن الفيل؟ وهي مناطق قريبة من بيروت.
ربما تكون الإجابة التي سمعتها مجرد سؤال عابر بالنسبة إلى البعض، لكنها بالنسبة إلى كثيرين مؤشر إلى أزمة أعمق؛ أزمة مجتمع لم يتحرّر بعد من تصنيف أبنائه، حتى في أبسط تفاصيل حياتهم اليومية.
المؤلم في الأمر أن السؤال لم يكن عن شخصي، بل عن اسمي ومنطقتي ومذهبي، وكأن الإنسان في لبنان ما زال يُعرَّف بانتمائه قبل أن يُعرَّف بأخلاقه وسيرته.
فبعد عقود على انتهاء الحرب، يبدو أن خطوط التماس اختفت من المناطق والخرائط، لكنها بقيت حيّة في العقول والخوف المتبادل. والأكثر إيلاماً أن جيلاً لم يعش الحرب يرث هواجسها وأحكامها المسبقة، فيكبر على فكرة أن الآخر المختلف هو مصدر قلق لا شريك في وطن واحد.
وعندما يصبح السكن، وهو أبسط حقوق الإنسان، خاضعاً لاختبار الهوية، فإن المشكلة لا تكون في شقة للإيجار، بل في وطن لم ينجح بعد في استئجار مساحة مشتركة لأبنائه جميعاً.
وفي قرار نهائي، ورغم أن الشقة مناسبة بالحجم وبدل الإيجار، قررت عدم الإكتراث بها، لأنها بنظري مصدر للفرز الطائفيّ ومالكها، الذي لم أتعرف إليه، لكنني تعرّفت على شروطه، عراب المذهبية. أمّا السمسارة فهي فتنة متنقلة!
بعد السؤال الصادم وغير المتوقع أجبتها بكل براءة "صحيح من بيروت وسني". لبرهة انغمست معها بالطائفية المطلقة أو المذهبية المناطقية، وخوّلني الجواب الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي إرسال فيديو للشقة.
هذا السؤال "القنبلة" يكشف وجهاً مقلقاً لمحيطنا حيث يتحوّل السكن، وهو حق أساسي، إلى مساحة فرز وتمييز غير معلن. فبدلاً من أن تقوم العلاقة بين المالك والمستأجر على الثقة والالتزام بالقانون، يجد كثيرون أنفسهم أمام أسئلة تتعلّق بأصولهم ومناطقهم وطوائفهم، وكأن الانتماء بات معياراً يسبق الأخلاق والقدرة المالية.
المشكلة لا تقتصر على حالة فردية، بل تعكس ثقافة متجددة ومتجذّرة كرّستها سنوات الانقسامات والخوف المتبادل، حتى بات بعض السماسرة والمالكين يبررون هذه الممارسات تحت عنوان "رغبة صاحب العقار" أو "الحفاظ على طبيعة الحي"، أو البلدية عمّمت هذه الثقافة. لكن النتيجة واحدة: تعزيز الحواجز بين اللبنانيين وإعادة إنتاج خطوط التماس بصورة جديدة، هذه المرة داخل المباني والأحياء السكنية.
في بلد يرفع شعار العيش المشترك، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زلنا نبحث عن مستأجر ملتزم، أم عن مستأجر يحمل هوية محدّدة؟ وهل يجوز أن يتحول حق الإنسان في السكن إلى اختبار للانتماء الطائفي والمناطقي؟ فهل كبيروتي سنيّ ممنوع مثلاً السكن في الضاحية الجنوبية أو في الجديدة أو الحازمية أو سن الفيل؟ وهي مناطق قريبة من بيروت.
ربما تكون الإجابة التي سمعتها مجرد سؤال عابر بالنسبة إلى البعض، لكنها بالنسبة إلى كثيرين مؤشر إلى أزمة أعمق؛ أزمة مجتمع لم يتحرّر بعد من تصنيف أبنائه، حتى في أبسط تفاصيل حياتهم اليومية.
المؤلم في الأمر أن السؤال لم يكن عن شخصي، بل عن اسمي ومنطقتي ومذهبي، وكأن الإنسان في لبنان ما زال يُعرَّف بانتمائه قبل أن يُعرَّف بأخلاقه وسيرته.
فبعد عقود على انتهاء الحرب، يبدو أن خطوط التماس اختفت من المناطق والخرائط، لكنها بقيت حيّة في العقول والخوف المتبادل. والأكثر إيلاماً أن جيلاً لم يعش الحرب يرث هواجسها وأحكامها المسبقة، فيكبر على فكرة أن الآخر المختلف هو مصدر قلق لا شريك في وطن واحد.
وعندما يصبح السكن، وهو أبسط حقوق الإنسان، خاضعاً لاختبار الهوية، فإن المشكلة لا تكون في شقة للإيجار، بل في وطن لم ينجح بعد في استئجار مساحة مشتركة لأبنائه جميعاً.
وفي قرار نهائي، ورغم أن الشقة مناسبة بالحجم وبدل الإيجار، قررت عدم الإكتراث بها، لأنها بنظري مصدر للفرز الطائفيّ ومالكها، الذي لم أتعرف إليه، لكنني تعرّفت على شروطه، عراب المذهبية. أمّا السمسارة فهي فتنة متنقلة!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي
10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي
10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق
10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.
نبض