تسير منطقة الشرق الأوسط مجدداً فوق حبل مشدود من الأوهام والواقعية السياسية القاسية، حيث لم يفصلنا عن الواقع حبل مشدود متمثل بإعلان اتفاق تاريخي ومثير للجدل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران لإنهاء الحرب الحالية المشتعلة منذ فبراير.
إن الاتفاقية التي تسرّبت بنودها من كواليس العواصم الكبرى، تكشف عن فجوة سحيقة في القراءة والنيّات بين طرفي النزاع. فبينما تقف طهران لتسوّق المشهد لجمهورها على أنه "انتصار استراتيجي" وعقائدي صلب ثبّت معادلة الصمود، وأجبر واشنطن على التراجع عن شروط الاستسلام غير المشروط؛ ينظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الأمر برمّته من خلف زجاج مكتبه البيضاوي كمجرد صفقة تجارية، يحكمها ميزان الربح والخسارة المالي. إنه منطق رجل الأعمال الذي يرى في تفكيك عناصر القوة الإيرانية مقابل الإفراج عن ملياراتها المحتجزة، استثماراً طويل الأجل يستنزف الأيديولوجيا بالدولار.
إن التناقض الصارخ لا يقف عند حدود القراءة الفكرية للاتفاق، بل يمتد إلى جوهره التنفيذي، لا سيما في المعضلة الأكبر التي تقلق المنطقة برمّتها: موضوع الأذرع العسكرية وحركات المقاومة، وأين لبنان من كل هذا الترتيب؟ ينص الاتفاق بوضوح على وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، كشرط أساسي للمضيّ قدماً في التهدئة الممتدة لستين يوماً.
لكن الشياطين تكمن في التفاصيل الإيرانية؛ إذ تصر طهران، وفق تسريباتها الفوقية، على أن المفاوضات محصورة في الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، وبرنامج إعادة الإعمار، دون أيّ مساس أو مناقشة لمنظومتها الصاروخية أو دعمها اللوجستي والعسكري لحلفائها في المنطقة.
وهنا يقع لبنان في منزلة بين منزلتين: ساحة يُفرض عليها الهدوء بقرار علوي، وتفصيل صغير في معادلة إقليمية كبرى، بينما الواقع على الأرض يشير بوضوح إلى أن "حزب الله" لن يسلم سلاحه، ولن يفرّط في أوراق قوته المحلية والإقليمية مقابل ورقة تفاهم أميركية-إيرانية عابرة. وكذلك، فإن إعلان نتنياهو عدم الانسحاب من المناطق التي احتلها العدو أخيراً، خير دليل على أن لبنان مجرد تفصيل صغير في هذه المعادلة، ولن يقدم ولن يؤخر في الاتفاق أو في نتائجه.
طهران (أ ف ب).
مع العلم بأن هذا التناقض بالذات هو ما يجعل إسرائيل تقف في حالة من الإحباط الشديد والرفض المطلق لهذا الاتفاق؛ فشعبها ومستواها العسكري يريان في التفاهمات الحالية مكافأة لطهران، تمنحها متنفساً اقتصادياً ضخماً عبر استعادة نحو 24 إلى 25 مليار دولار من الأموال المجمدة وتسهيلات لتصدير النفط، دون تفكيك حقيقي للبنية التحتية لحلفائها على حدود إسرائيل الشمالية والجنوبية.
وإذا ما تتبّعنا مسار التاريخ، ندرك أن هذا التباين والتعارض الحاد بين واشنطن وتل أبيب ليس وليد الساعة، ولا هو سابقة فريدة؛ فالتاريخ الديبلوماسي يعجّ بمحطات تصادمت فيها المصالح الأميركية العليا مع الرغبات الإسرائيلية الجامحة.
لعل المحطة الأبرز والأكثر فجاجةً في هذا السياق كانت إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عندما قادت إسرائيل بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا هجوماً عسكرياً لاحتلال سيناء وإسقاط جمال عبد الناصر، ليأتي الرد الصارم من الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، الذي وجه إنذاراً حاسماً للحلفاء، مهدداً بقطع المساعدات الاقتصادية وتدمير العملة البريطانية إن لم ينسحبوا فوراً، ما أجبر إسرائيل على الانصياع.
ولم تقف حدود التعارض عند تلك الحقبة؛ إذ تكرر المشهد عام 1973 حين ضغطت واشنطن على تل أبيب لإنهاء حصار الجيش المصري الثالث، وعام 1982 عندما اتصل الرئيس رونالد ريجان برئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن آمراً إياه بوقف "المحرقة" والقصف العنيف لبيروت، وصولاً إلى خريف عام 1991 عندما رهن الرئيس جورج بوش الأب ضمانات القروض بقيمة 10 مليارات دولار بوقف الاستيطان وذهاب إسرائيل إلى مؤتمر مدريد للسلام، بخلاف رغبات إسحق شامير.
في ظل هذا التاريخ الممتد من "الخلافات المضبوطة"، يبرز السؤال المصيري: هل ستنصاع إسرائيل وتوقف ضرباتها العسكرية في العمق الإيراني وفي لبنان والمنطقة؟ المؤشرات السياسية والعقيدة الأمنية الإسرائيلية توحي بأن تل أبيب قد تعلن نفسها طرفاً غير ملزم بهذه التفاهمات، وما تصريح نتنياهو إلا خير دليل على ذلك. وسوف تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها الموضعية تحت ذريعة الدفاع عن النفس ومنع تصدير السلاح.
وفي حال حدوث ذلك، لن تجد إيران مفراً من المناورة؛ فهي لن تلغي الاتفاق بالسرعة التي تخدم الرغبة الإسرائيلية في تفجير المشهد، بل ستحاول امتصاص الضربات أو الرد عبر حلفائها بطرق غير مباشرة للحفاظ على المكتسبات المالية الثمينة ومنافذ تصدير النفط التي أمّنتها الاتفاقية. أما إذا تجاوزت الضربات الخطوط الحمر وأصابت كبرياء النظام في مقتل، فإن المنطقة قد تشتعل مجدداً، ليرتدّ الاتفاق رماداً في عيون صانعيه.
أما في جوهر الأرقام والمصالح، فإن الأنباء حول ربط الإفراج عن عائدات إيران النفطية وأصولها المجمّدة البالغة 24 مليار دولار ببرامج إعمار وتطوير تشارك فيها شركات أميركية أو دولية، تكشف الوجه الحقيقي للعقلية الترامبية.
هنا يتجلى التناقض الصارخ والممتع في آن واحد: نصر إيراني عقائدي غريزي يكتفي بالاعتراف بالسيادة ورفع الحصار البحري، مقابل نصر مالي تجاري بحت لترامب، يعيد ضخ الأموال الإيرانية المفرج عنها مباشرة في شرايين الشركات الغربية عبر عقود البناء والتقنية. إنه احتواء غير مباشر بالمال والعمل الذكيّ؛ حيث يفرج عن أموالها بيد، ويستعيدها باليد الأخرى من خلال آليات السوق، مستعيداً إياها بطريقة ناعمة ومحاصراً نفوذها السياسي بأدوات استثمارية.
في المحصّلة الختامية، إذا كُتب النجاح لهذا الاتفاق الهش، فإن المعادلة اللبنانية ستبقى تدور في حلقتها المفرغة؛ فـ"حزب الله" سيبقي على ترسانته العسكرية كاملة كضمانة وجودية وإقليمية لمرحلة ما بعد ترامب.
وفي المقابل، سيبقى لبنان الرسمي وبنيته التحتية المدمّرة مجرد تفصيل صغير ومهمل في حسابات الربح والخسارة الدولية، حيث سيكون ثمن التهدئة داخلياً هو الاستمرار في الشلل السياسي، والقبول بـ"ستاتيكو" عسكري وأمني معقد مع إسرائيل، يحكمه توازن الرعب والهدوء الحذر، بانتظار الجولة القادمة التي ستحددها شروط التطبيق العسير لهذا التفاهم الأميركي-الإيراني المحفوف بالمخاطر.
في أجواء عائلية دافئة، شارك كريم محمود عبدالعزيز وروجينا وإلهام شاهين جمهورهم فرحة تخرج أبنائهم، مبرزين الجانب الإنساني والأسري بعيداً من أضواء الشهرة.