رسالة مفتوحة إلى الرئيس نبيه بري: هل يأتي السلام متأخراً؟

آراء 04-06-2026 | 15:26

رسالة مفتوحة إلى الرئيس نبيه بري: هل يأتي السلام متأخراً؟

هناك لحظات في التاريخ يحتاج فيها القائد إلى شجاعة تتجاوز الممكن، لا إلى براعة في إدارة الوقت الضائع. شجاعة تعيد تعريف المسار كله، حتى لو بدا القرار صادماً أو مستحيلاً أو مكلفاً.
رسالة مفتوحة إلى الرئيس نبيه بري: هل يأتي السلام متأخراً؟
الرئيس نبيه برّي (نبيل اسماعيل).
Smaller Bigger

النائب مارك ضو 

في الحروب الكبرى، لا تُقاس الهزائم بعدد البيوت المهدّمة فقط، بل بعدد الأوهام التي تسقط معها.

 

وما يجري اليوم في الجنوب ليس جولة عابرة في نزاع طويل، بل انهيار مرحلة كاملة من تاريخ لبنان الحديث. العقوبات، القصف، تدمير البيوت، التوغلات، النزوح، والخراب المفتوح على المجهول… كلها تقول إن البلاد دخلت زمناً جديداً لا يشبه ما قبله. دولة تتآكل، مجتمع يُستنزف، وطائفة تُدفع مرة أخرى إلى قلب النار.

 

لهذا أكتب إليك اليوم، دولة الرئيس نبيه بري، لا كخصم سياسي، بل كلبناني يعرف أن اللحظات المصيرية لا تنتظر أحداً.

 

لا يحق لإسرائيل أن تفرض إرادتها على لبنان. هذه بديهية وطنية وأخلاقية. لكن الأوطان لا تُحمى بالشعارات عندما يصبح الدمار أوسع من قدرة الناس على الاحتمال، وعندما يتحوّل الجنوب إلى أرض معلّقة بين الحرب الدائمة والغياب الكامل للدولة.

 

لقد انتهى زمن المناورات. لم تعد المنطقة تحتمل سياسة الانتظار، ولا لعبة التوازن بين المحاور، ولا الرهان على تسويات إقليمية تأتي متأخرة فوق الركام. المأساة أكبر من الحسابات التقليدية، والخطر بات وجودياً على الجنوب وعلى الطائفة الشيعية نفسها، بعدما تحوّلت الحرب إلى استنزاف بشري واجتماعي واقتصادي وثقافي مفتوح.

 

هناك لحظات في التاريخ يحتاج فيها القائد إلى شجاعة تتجاوز الممكن، لا إلى براعة في إدارة الوقت الضائع. شجاعة تعيد تعريف المسار كله، حتى لو بدا القرار صادماً أو مستحيلاً أو مكلفاً.

أتذكر هنا أنور السادات.

الرجل الذي قرر، بعد الهزائم والحصار والانقسامات، أن يخرج مصر من زمن الحرب المفتوحة. ذهب إلى القدس رغم الاحتلال الاسرائيلي وغلو المتطرفين، وتخوين قسم كبير من العالم العربي. لكنه كان يرى ما هو أبعد من الشعارات: رأى شعباً يريد أن يعيش، ودولة منهكة، وجيشاً لا يمكن أن يبقى أسيراً لحروب لا تنتهي.

 

فدفع حياته ثمناً لقراره، لكنه أنقذ مصر من مصير التفكك والفوضى والاحتلال والحروب الدائمة. وكذلك فعل الملك حسين عندما اختار حماية الأردن من الانهيار بعد عقود من الصدامات والتوترات الإقليمية. علي خلاف اخرين كحافظ الأسد وضعوا شعوبهم في سجون من الشعارات جرت وما تزال تجر الويلات، فقد نجح السادات والملك حسين في الحفاظ علي أراضي بلادهم كاملة.

 

والمقصود هنا ليس التحوّل إلى نسخة مشوهة عن السلام، ولا فتح أبواب التطبيع الاجتماعي والثقافي بلا حدود. فمصر والأردن، رغم اتفاقيات السلام، لم تتحولا إلى مجتمعات مندمجة بإسرائيل، ولم تصبح تل أبيب وجهة السهر العربي، ولا شواطئ صور مقصد السياحة الإسرائيلية. بقيت العلاقات في حدود الدولة والمصلحة والأمن والاستقرار، فيما حافظت الشعوب على حساسيتها السياسية والثقافية تجاه إسرائيل.

 

لذلك فإن السلام الذي يحتاجه لبنان ليس استسلاماً ولا ذوباناً، بل مقاربة وطنية هدفها حماية اللبنانيين، إعادة إعمار الجنوب، عودة الناس إلى بيوتهم، وقف النزيف الدائم، وتحرير ما تبقى من أراضٍ محتلة عبر الدولة لا عبر تحويل لبنان إلى ساحة حرب مفتوحة إلى الأبد.

 

السؤال اليوم ليس إن كان السلام مثالياً أو مريحاً عاطفيا ًأو أخلاقياً. السؤال: هل يبقى لبنان موجوداً إذا استمرت هذه الحرب المفتوحة على أرضه؟
وهنا أصل إليك، دولة الرئيس.

 

هل تستطيع أن تكون صاحب هذا التحوّل التاريخي؟

هل تستطيع أن تقود انتقال الطائفة الشيعية من زمن السلاح إلى زمن الدولة؟

من ثقافة الجبهة إلى ثقافة الحياة؟

أعترف بصراحة: لا أعتقد ذلك.

 

ليس لأنك تفتقر إلى الخبرة أو الذكاء، بل لأن حركة أمل نفسها فقدت تدريجياً استقلال مشروعها السياسي الذي بدأه الامام الصدر، حتى باتت ملحقة بالكامل بمعادلة حزب الله وخلفه ايران، لا شريكاً مختلفاً عنها. ومع هذا المسار، تراجعت الحركة وفقدت هويتها الأولى، وبات مستقبلها مرتبطاً بمصير السلاح نفسه.

 

لهذا يبدو أن القرار لم يعد ممكناً من داخل الثنائية الشيعية الحالية.

 

ومن هنا تصبح المسؤولية على الدولة اللبنانية نفسها: على رئيس الجمهورية، وعلى الحكومة، وعلى كل من لا يزال يؤمن بأن وظيفة الدولة حماية الناس لا إدارة الخراب.

 

لبنان لا يحتاج اليوم إلى انتصار عسكري وهمي، بل إلى ثورة فكرية كاملة: إسقاط ثقافة السلاح، واستبدالها بثقافة السلام. أن يصبح السؤال الوطني الأساسي: كيف نبني دولة قابلة للحياة؟ لا كيف نطيل عمر الحرب المقبلة.
ثمانون عاماً من الصراع لم تصنع وطناً آمناً ولا جنوباً مستقراً ولا قضية رابحة. بل صنعت أجيالاً كاملة تعيش بين المقابر والهجرة والخوف والانهيار.
فمن يحمل هذا المشروع الآن؟

من يكون "أنور السادات الشيعي"؟

هل يولد من داخل الطائفة نفسها؟

أم من حركة وطنية جديدة تتجاوز الطوائف كلها؟

أم من جيل تعب من دفن أبنائه ويريد فقط أن يعيش؟

لا أحد يعرف.

 

لكن ما نعرفه أن استمرار هذا الطريق لن ينتج إلا مزيداً من القتل والخراب والهجرة، وأن الجنوب لن يُنقذ بالسلاح وحده، بل بقرار تاريخي يعيد لبنان إلى نفسه قبل فوات الأوان.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.