الجيش والبنتاغون... رقابة وقيود أمنية بلا سلاح
المنطقة اليوم تدخل مرحلة إعادة ترتيب شاملة، تتجاوز الحسابات التقليدية، حيث إنّ المواجهة الأخيرة لم تُنهِ الصراع، لكنها دفعت أطرافه للبحث عن قواعد جديدة لإدارته...
د. رائد المصري*
زادت العقوبات الأميركيّة على نوّاب "حزب الله"، وعلى الضبّاط الأمنيين، ومسؤولين في "حركة أمل"، توتراً إضافياً في الداخل اللبناني، فهذا المسار، كما سرَّبت معلومات عن صحف أميركية، سيُشكّل عاملاً مُعرقِلاً للمفاوضات على مستويَيها الأمنيّ والسياسيّ، لما له من أبعاد داخليّة وردود فعل سلبية ظهرت نتائجها في التوغل الإسرائيلي جنوباً وفي بيروت قصفاً متجدداً للضاحية، في سياق محاولة رسم واقع أمني جديد، برعاية أميركية مباشرة، هدفه إعادة تنظيم المشهد الأمني اللبناني برمّته، في ضوء تحوُّلات تفرضها هذه الحرب، وتفرزه الوقائع الميدانية والسياسية الجديدة.
واشنطن بين الرقابة والإشراف
التحرك الأميركي جاء نتيجة قناعة في واشنطن، بأنّ مرحلة ما بعد المواجهة في إيران ولبنان، ستدار بأسلوب جديد مع خشونة ظاهرة، لذلك اتجهت الإدارة الأميركية إلى نوع من المقاربة، تقوم على إدخال عناصر تنفيذية وعسكرية مباشرة في قلب العملية التفاوضية. من هنا برز الحديث عن اجتماعات تقنية وأمنية تجمع ضباطاً لبنانيين وإسرائيليين تحت إشراف أميركي، كدلالة تتجاوز البُعد الإجرائي، وتسعى إلى إنشاء قنوات تنسيق أمنية دائمة للبناء عليها لاحقاً، تعرف سلفاً أنها ستقوِّض أي إمكانية لاتفاق وقف النار الشامل والدائم.
من هنا تدرك واشنطن، أنَّ أيّ تهدئة، لتكون قابلة للاستمرار، تحتاج إلى منظومة رقابة ميدانية أكثر فعالية من الآليات السابقة، خصوصاً أنَّ التجارب الماضية أظهرت هشاشة اتفاقات التهدئة عندما تغيب عنها أدوات المتابعة والتنفيذ، لذلك، تعمل واشنطن بالدفع نحو بناء أنموذج أمني يقوم على مراقبة التحركات العسكرية، وتعزيز تبادل المعلومات، وتوسيع هامش تدخل المؤسسات العسكرية الرسمية في ضبط الوضع الحدودي، ولذلك يصطدم هذا التوجُّه بعقبات داخلية لبنانية شديدة الحساسية، خصوصاً لناحية الدور العسكري لـ"حزب الله"، حيث لا يُقرأ في لبنان من زاوية أمنية فحسب، بل يرتبط مباشرة بالتوازنات السياسية والطائفية، وبطبيعة النظام الداخلي نفسه، ولذلك كانت رسالة العقوبات على قادة أجهزة أمنيين شيعة.
الحفاظ على المكاسب الميدانية
جنوب لبنان يمر بأخطر مراحله منذ عام 1948، ضمن مسار الصراع والأطماع التي تسوقها تل أبيب عبر حروبها المستمرة ومن دون عذر، ولبنان الذاهب إلى جولات من المفاوضات المباشرة، يحمل عناوين حسب المصادر الرسمية اللبنانية، يتعلق أولها بتثبيت وقف إطلاق النار، وثانيها وقف الاعتداءات، وثالثها الانسحاب من الأراضي التي احتُلّت، ليظهر بالتدرج أنّ ما تفكر فيه تل أبيب، يختلف تماماً عن الرغبة اللبنانية، لناحية ما يقدم على تسويقه بنيامين نتنياهو وفريقه اليميني، بوضع المفاوضات في مكان، والواقع الذي تعمل عليه حكومة إسرائيل وتنفيذه في مكان آخر.
ولذلك يتعاطى نتنياهو مع المفاوضات بما يمكن أن تحصّله الحرب، لفرضها كواقع في حربه المفتوحة مع إعادة رسم جغرافية الجنوب بالنار، عبر خطة عسكرية هدفها تحويل منطقة جنوبي نهر الليطاني وما بعده إلى شريط أمني عازل، خالٍ من السكان وأيّ مقوّمات للحياة، مع إبقاء فرض السيطرة بالنار على القرى شماليه عبر الغارات والقصف والإنذارات والإخلاءات المتواصلة والتهديد باحتلاله.
وأمام عُقم نتائج جولة المفاوضات، تترسّخ قناعة أكثر وضوحاً بأن الجانب الإسرائيلي لم يذهب الى المفاوضات للتنازل، أو إعطاء لبنان ما يرغب، وإنما يتمسّك بمسار نقاشات تتركّز على تجريد سلاح "حزب الله" قبل أيّ مسار سياسي، وهذا لا يعني أن وقف العدوان يرتبط بترتيبات ميدانية، أو أن الانسحاب سيحصل في المرحلة المقبلة، فنتنياهو بات على قناعة بأن أوراق ضغطه تبدأ من مكاسبه الميدانية والمتوسِّعة التي يتمسّك بها، بغضّ النظر عن مسار تقدّم المفاوضات، في سعي منه لفرض هذا الواقع على لبنان.
أخيراً...
المؤشرات الديبلوماسية الفاشلة الآتية من واشنطن، تدلُّ إلى أنَّ الولايات المتحدة تسعى إلى بناء إطار أمني طويل المدى، يتجاوز فكرة التهدئة الموقتة، وبحسب المعطيات المتداولة، ستُنشأ آلية دائمة للإشراف والمتابعة، تضمّ عناصر تقنية واستخباراتية وعسكرية، وتقوم هذه الصيغة على إشراف أميركي مباشر، يتيح مراقبة التنفيذ والتدخل السريع، لمنع أيّ تصعيد محتمل، فالمنطقة اليوم تدخل مرحلة إعادة ترتيب شاملة، تتجاوز الحسابات التقليدية، حيث إنّ المواجهة الأخيرة لم تُنهِ الصراع، لكنها دفعت أطرافه للبحث عن قواعد جديدة لإدارته، وتبقى المرحلة مفتوحة على مفاوضات طويلة وصعبة، لتشكيل التوازنات الأمنية والسياسية في لبنان لسنوات مقبلة.
وهنا تترسّخ قناعة أكثر، بأن الجانب الإسرائيلي لم يذهب الى المفاوضات للتنازل لإعطاء لبنان ما يريحه، بل يتمسّك بمسار نقاشات هدفها تجريد سلاح "حزب الله" قبل أي مسار سياسي، والتمسُّك بالمكاسب الميدانية، لذلك تنتقل الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية، مع محاولة الحسم العسكري المباشر، نحو السعي لفرض قيود أمنية طويلة الأمد، عبر ترتيبات تتيح مراقبة النشاط العسكري للحزب وتقليص هامش حركته، وهنا نكون أمام وقائع لحراك عربي ودولي بدأ ينشط، يقايض إيران بتنازلات إقليمية حيال سلاح الحزب، قبل أن يدْهم الوقت الجميع، ويصعب معه طرح الحلول بعد أن يكون التدمير قد نكَّل بالمنطقة وبلبنان وجنوبه.
* كاتب سياسي وأستاذ محاضر في الفكر السياسية والعلاقات الدولية.
- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض