الجلجثة المعاصرة: حين تُصلَب الحرّيّة
الأب الدّكتور سميح رعد
في الـ لبنان الّذي تتشابك فيه الجغرافيا مع طبقات التّاريخ، ويشهد محاولاتٍ متواصلةً لإعادة إنتاج الهويّات على نحوٍ يحوّلها إلى أسوارٍ غير مرئيّةٍ تعيد تحديد مجال الإنسان قبل أن ينطق باسمه أو يتكلّم، يبدو فعل الإرادة نوعاً من الانكسار البطيء، بحيث لا يعود الإنسان مالكاً قراره بقدر ما يصبح محمولاً داخل شبكةٍ من الأصوات السّابقة عليه، تعيد صياغة وعيه قبل أن يتشكّل وعيه بذاته.
هنا لا يظهر سلب الإرادة حدثا فجائيّاً أو قراراً معلناً، بل يبدو تحوّلاً أنطولوجيّاً بطيئاً يعمل في طبقات الوعي، حيث يتماهى صوت الفرد تدريجاً مع صوت الجماعة، حتّى يتآكل الفاصل النّقديّ الّذي يسمح للذّات بأن تقف قبالة نفسها. وعندئذٍ لا يعود "الاختيار" فعلاً حرّاً صادراً عن داخلٍ سيّدٍ لذاته، بل يصبح أثراً لسياقٍ سابقٍ للوعي، يعيد تعريف الممكن والمستحيل، وينتج الحقيقة بوصفها معطًى جاهزاً قبل أن يتاح للضّمير أن يساءلها أو يفكّكها أو يعترض عليها. وهكذا يغدو سلب الإرادة في زمن الحرب، حين يتلبّس لغة الدّين أو الخطاب المقدّس آليّةً رمزيّةً مركّبةً لإنتاج الطّاعة، حيث تتحوّل الحرّيّة إلى امتثال والإكراه إلى يقينٍ أخلاقيٍّ مغلقٍ على مساءلة العقل.
غير أنّ هذا الانحسار لا يُفْهَم، في ضوء الإيمان المسيحيّ، بوصفه مجرّد انتقاصٍ من الكرامة أو تعطيلٍ للقدرة، بل ينفتح على سؤالٍ لاهوتيٍّ جذريٍّ: كيف يحضر المسيح في جسدٍ تُسْتَلَب إرادته؟ وكيف يمكن التّاريخ، في لحظات الانسحاق القصوى، أن يتحوّل إلى موضعٍ لتجلّي سرّ الصّليب، لا كواقعةٍ منتهية، بل كبنيةٍ مستمرّةٍ لانكشاف الإنسان في جرحه الأصليّ؟
إنّ سلب الإرادة هنا لا ينفصل عن صمت الجلجثة، ذلك الصّمت الّذي لا يُفْهَم غياباً للكلمة، بل كثافة معنًى تتجاوز القدرة على القول. فالمسيح، الّذي لم يقف خارج الانكسار بل دخله حتّى أقصاه، يكشف أنّ الحرّيّة لا تقاس بقدرة الفعل أو السّيادة، بل بقدرة الكائن على حمل الوجود حين تُسلب منه أدوات الفعل نفسها.
غير أنّ السّؤال لا يتوقّف عند البعد الوجوديّ، بل يتعمّق أنطولوجيّاً: ما الّذي يبقى من الإنسان حين تُسْلَب إرادته؟ أهو مجرّد كائنٍ حاضرٍ جسديّا وغائبٍ إنسانيّا؟ إنّ سلب الإرادة لا يظهر هنا كفقدانٍ لخاصّيّةٍ من خصائص الإنسان، بل كمسٍّ بجوهر حضوره، لأنّ الإرادة ليست وظيفةً مضافةً إلى الإنسان، بل هي شكل ظهوره في العالم، وشرط تحقّق حرّيّته. وحين تنكمش الإرادة إلى حدّ الغياب، لا يتلاشى الفعل فقط، بل يتآكل إمكان أن يكون الإنسان ذاتًا قائلةً لـ "أنا"، قادرةً على التّعيين والمساءلة والاختيار. ومن ثمّ لا يعود الانقياد المستمرّ مجرّد ضغطٍ خارجيّ، بل يتحوّل إلى تآكلٍ داخليٍّ للذّات، إلى ذوبانٍ تدريجيٍّ للوعي في بنيةٍ جماعيّةٍ تتقدّم على الفرد وتعيد تشكيله من الخارج.
من هنا يمكن قراءة سلب الإرادة بوصفه شكلاً من أشكال "الاستعمار الرّوحيّ للذّات"، حيث لا يُسْتَعْمَر الجسد فقط، بل يُحْتَلّ الدّاخل، وبعد ذلك تعاد هندسة الوعي بحيث يفقد الإنسان مسافته مع ذاته، فيغدو حاملاً لذاته كشيءٍ مفروضٍ عليه لا كقرارٍ صادرٍ عنه. وفي هذا الأفق، يصبح ما نسمّيه "سلب الإرادة" ليس فقط أزمةً اجتماعيّةً أو سياسيّة، بل يصير تشقّقاً في صورة الإنسان نفسها، لأنّ الإنسان، في عمقه اللاهوتيّ، ليس كائنًا يُعَرَّف بما ينجزه، بل بقدرته على أن يريد، وأن يجعل من إرادته موضعا للمعنى.
لكنّ هذا الانكسار، في أفق الإيمان المسيحيّ، لا يغلق على مأساةٍ صرفة، بل ينفتح على لاهوت الصّليب. فالصّليب ليس حدثاُ ماضياُ، بل بنيةٌ تكشف أنّ الحرّيّة نفسها قابلةٌ لأن تصلب، حين تختزل إلى طاعةٍ غير واعيةٍ أو تستلب داخل أنظمة المعنى والسّلطة. وهكذا يصبح الصّليب ليس فقط موضع آلام المسيح، بل موضع انكشاف قابليّة الإنسان ليعاد إنتاجه كذاتٍ مصلوبة الإرادة، يديرها خارجها، فاقدة القدرة على قول نَعَمها أو لائها بوعيٍ كامل. إنّه صلبٌ متجدّدٌ للحرّيّة داخل التّاريخ.
غير أنّ هذا الامتداد الصّليبيّ لا يفهم إلّا في ضوء القيامة، لأنّ سلب الإرادة لا يملك الكلمة الأخيرة في تعريف الإنسان. فالصّليب هنا ليس مجرّد رمزٍ للآلام، بل هو بنية سلب الحرّيّة نفسها، حيث تُصْلب الإرادة وتنحسر قدرة الفعل حتّى تتحوّل الذّات إلى وجودٍ محكومٍ بخارجه. لكنّ القيامة لا تلغي الصّليب، بل تفكّ حتميّته، وتفتحه على أفقٍ أنطولوجيٍّ جديد، حيث لا تستعاد الحرّيّة كقوّة سيطرة، بل كحرّيّةٍ مقرونةٍ بالانبعاث، أي كحضورٍ معاد تشكيل الذّات بفضل النّعمة الإلهيّة وليس بالقدرة البشريّة. فالقيامة ليست نقيض الألم، بل تحويله إلى موضع انفتاح، لا نفياُ للجرح بل إعادة إدخاله في مسار الخلاص.
هكذا يغدو التّاريخ نفسه مسرحاً لتوتّرٍ لاهوتيٍّ دائمٍ: بين صلب الحرّيّة داخل أنظمة الاستلاب، وبعثها مجدداً في سرّ القيامة. فالموت، سواءٌ فُهِم سلبا للإرادة أو نهايةٍ بيولوجيّة، لا يملك تأسيس معنى الإنسان، لأنّه يحوّل الوجود إلى انطفاءٍ مغلق. أمّا القيامة، فتدخل في قلب التّاريخ منطقاً جديداً، يجعل الإنسان كائناً لا يختزل في نهايته، بل مفتوحاً على ما يتجاوزه. وهكذا لا يُحْصَر الإنسان في انكساره، ولا يُخْتَزل الصّليب في مأسويّته، بل يعاد قراءتهما معاً كحركةٍ واحدة: صلبٌ للحرّيّة وإقامةٌ لها في آنٍ واحدٍ، حيث لا حياة إلّا حيث تُسْتَعاد الإرادة لا كسيطرة، بل كنعمةٍ تقيم الإنسان في الله.
نبض