تذكيراً بتحذير الرئيس حسين الحسيني: "لا تحاولوا إعادة فتح الطرق المسدودة"!
المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...
البروفسور أنطونيوس أبو كسم*
مصادفةً مع ذكرى مئوية الدستور اللبناني، هذا الدستور القائم على قِيَمٍ مجتمعية تسمو على لعبة المحاصصة السياسية والطوائفية، يتعرّض في كلّ محطّة حربيّة لعملية تشكيكٍ في قدرته على أن يكون الإطار القانوني الضابط للمؤسسات. ويستند المشككون في الدستور إلى معيارين: معيار العدديّة ومعيار السلاح.
بيد أنّ الديموقراطية اللبنانية التعددية تخطّت معيار الديموقراطية العددية، وتطوّرت نحو ديموقراطية الشراكة والعيش المشترك، التي تشكّل الطريق المستقبلية الحقيقية نحو إلغاء الطائفية السياسية. لذا، فإنّ العودة إلى التداول بالديموقراطية العددية والتمسّك بها يناقض تماماً مبدأ تطوير النظام ليصبح غير طائفي. وما التمسّك بهذا المعيار العدديّ إلّا طمع في تكريس المحاصصة، ورغبة في الاستئثار بالسلطة وجني مغانمها.
حرب أهلية... إذا؟
وإذا ما غلّفنا الديموقراطية بعناوين أخرى وبمقترحات مغامراتية، فسندخل حتماً في دوّامة الصراع المذهبي (الشيعي-السنّي)، ونعود إلى خطاب حماية الأقليات، ونصل إلى طَرْقِ أبواب التوطين والاستقواء بالمُجنَّسين. إنّ المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية.
والخطاب الأكثر مناقضةً للشرعية هو مقايضة سلاح المجموعات المسلّحة بصلاحيات دستورية إضافيّة وبمواقع قيادية في الدولة. إنّ مواجهة الاحتلال تقتضي التمسّك بالدستور أكثر من أيّ وقتٍ مضى حمايةً للوحدة الوطنية، لا المقايضة عليه عبر "السير في الطرق المسدودة".
وإذا تكلّمنا على سلاح المقاومة، فإنّ هذا الخطاب والممارسات يمسّان برسالته؛ فإن كان هذا السلاح موكولاً للدفاع عن لبنان بوجه الاحتلال، لا يجوز المطالبة بقبض ثمنه وتمنين الأمّة به، فالتضحيات لأجل الوطن ليست محلاً للمتاجرة السياسية، وقبض الثمن ينزع عن السلاح عنوان التضحية.
إنّ الدستور ليس اتفاقاً ظرفياً يهدف إلى توزيع النفوذ وفقاً لنتائج الميدان، والاستقواء بالدول النافذة أو الداعمة أو الراعية يمسّ بمبدأ سيادة القانون. وإنّ التلطّي خلف الدستور عند خسارة الرهانات الحربية ما هو إلّا مسّ بالدستور في جوهره، حيث يُعلن الخاسر – تحت مُسمّى الخوف من المتآمرين – أنه يقتضي منحه نفوذاً إضافياً لحماية جماعته!
أما المعضلة الدستورية الأكبر، فهي محاولة المسّ بالأعراف الدستورية وتحويرها. إن الاستفاقة المفاجئة على تطبيق الطائف كاملاً من بوابة المادّة 95، تستدعي ورشة تشريعية وتنظيمية شاملة، لكسر احتكارات النفوذ ولمأسسة المقارّ الرسمية والإدارات والمؤسسات العامة التي تحوّلت إلى مراكز حزبية ومحميّات لجماعات طائفية. على كلّ حال، إنّ الإمام الراحل العلّامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين في "وصاياه" قد أعلَنَ بشكلٍ صريح قائلاً: "تبيّن لي أنَّ إلغاء نظام الطائفيّة السياسيّة في لبنان، يحملُ مغامرةً كُبرى قد تهدّدُ مصير لبنان، أو على الأقلّ ستُهدّد استقرار لبنان، وقد تخلقُ ظروفاً للاستقواء بالخارج من هنا ومن هناك، ولتدخّل القوى الأجنبية من هنا ومن هناك، وأدعو إلى سحب هذا المشروع من التداول (...) فأكّررُ وصيّتي المُلِحّةَ بأن يتجنَّبَ الشيعةُ في كلّ وطنٍ من أوطانهم شعارَ حقوق الطائفة والمطالبةَ بحصصٍ في النظام".
والأهمّ من كلّ ذلك، وضع التشريعات المناسبة لتحصين مبدأ "فصل السلطات"، هذا المبدأ الدستوري الذي يُعدّ أحد أُسس روح الشرائع. إنّ ما يعوق تطبيق الطائف هي ممارسات النفوذ المُناقِضة للشرعيّة لا ممارسة الصلاحيات الدستورية؛ وإنّ المسؤولين المفترض بهم أن يكونوا القيّمين على تطبيق الدستور يعبثون به، ويُحاولون التدخّل في شؤون سُلطاتٍ أخرى وصولاً إلى مشاركتها جهراً، تارةً عبر الشراكة في القرار من باب معزوفة "الميثاقية"، وتارةً أخرى عبر التهديد بالشارع رقصاً على لحن التخوين والإقصاء. والأخطر والمؤسف في آن واحد، أنّ أمراء الحرب اللبنانية، ممّن فشلوا في أن يكونوا أمناء على تطبيق الدستور، يتآمرون اليوم عليه وباسمه لتثبيت نفوذهم وتدويره من جيل إلى جيل.
إنّ هذه الممارسات وخطابات الكراهية لا يمكن أن تشكّل مسوّغات لتعديل شكل النظام، وليس لنا هنا إلّا الاستشهاد بأحد آباء وثيقة الوفاق الوطني، دولة الرئيس حسين الحسيني، الذي أعلن في كلمته الافتتاحية لاجتماع النواب اللبنانيين في 30/9/1989 في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية، الثوابت الركائزية للعقد الاجتماعي قائلاً: "لسنا هنا للاندفاع في الطرق المسدودة، وتوهّم المستحيلات (...) فمن الطرق المسدودة أن نتصوّر أنّ فئة، مهما يكبر عددها، أو يشتدّ ساعدها، قد تنجح في فرض رأيها وتطلّباتها على الفئات الأخرى.
ومن الطّرق المسدودة أن نتوهّم أن الحلّ قد يكون حلاً، إذا انطوى على إبعاد أيّ فئة مهما يقلّ عددها، أو تظهر مغلوبة على أمرها. ومن الطرق المسدودة أن نتّجه إلى الجمع والتلفيق بين المطالب المتضاربة المتناقضة لكل الفئات، وأن نتوهّم من بعد، أنّ في ذلك صلاحاً للمجتمع وقياماً للدولة".
* محامٍ دوليّ وأستاذ جامعي
- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض