لو كان العميد ريمون ادّه بيننا لرفع الصوت ضد الاحتلال والهيمنة
الدكتورة فاديا كيوان
في العاشر من أيار تكتمل ستة وعشرون عاماً على رحيل العميد ريمون اده. رحل العميد ذات يوم من أيار، قبل ثلاثة اسابيع من وفاة الرئيس حافظ الأسد، رأس ذلك النظام الذي كان سبباً رئيسياً لاختيار العميد العيش الاختياري في المنفى بعد محاولات عدة لأغتياله. اختار المنفى ليس حباً بالحياة وهرباً من خطر الموت إنما لكي يكون أمامه منصة دولية يتكلم من خلالها، فيرفع الصوت ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان والانتداب السوري عليه ويطالب بتحريره من كل الاحتلالات واستعادة سيادته كاملة على أرضه…
بعد ستة وعشرين عاماً، ها نحن نطالب بالشيء نفسه ولكن في ظروف مختلفة تماماً.
فاليوم سقط نظام البعث في سوريا وانهارت المنظومة التي كانت مرتبطةً به والتي كانت تستبد وتتحكم بكل شيء في سوريا وفي لبنان. كان لها ذلك عبر حلفاء وعملاء وأذرع. وقد طال ذلك الاحتلال حتى خال اللبنانيون أن لبنان انتهى أمره وأن سوريا ابتلعته. ولكن حتى قبل سقوط نظام البعث، تبدلت التوازنات الدولية وفقد النظام السوري الضوء الأخضر الذي كان قد أعطي له لاحتلال لبنان، وبعد أن استمر وجوده في لبنان بتسميات مختلفة مدى ثلاثة عقود أي من 1976 الى 2005، سحب جيشه وراحت تتداعى قواه شيئاً فشيئاً حتى سقط واندثر أركانه. لكن لبنان انتقل من احتلال الى هيمنة ومن انسلاب إلى آخر.
واليوم للأسف، نلاحظ أننا أمام خطر انسلاب ثالث في ضوء المجريات المتسارعة للأحداث.
ورقة ضغط في لعبة الأمم…
لو كان العميد حياً اليوم بيننا لكان استنكر شوائب كثيرة من تخلي الدولة عن مهماتها لأكثر من عقدين وتركها الجنوب المحرر عام 2000 أرضاً سائبة تجتذب الاطماع والخطط ومصير أهل الجنوب الذين أحبهم وأحبوه على كف عفريت… فللتذكير فقط وبالنظر الى مواقف ريمون إده المتنبهة آنذاك الى مطامع اسرائيل بأرض لبنان حتى الليطاني ودعواته المتكررة الى طلب قوات دولية لحفظ حدود لبنان، لذلك صوت له أهل القرى الجنوبية بالآلاف في إحدى الانتخابات العامة مع أنه لم يكن مرشحاً.
لو كان اليوم بيننا لكان ثار غضباً على استعمال أرض الجنوب ومصير الجنوبيين قوتاً للطامعين بالنفوذ، وقد تحولوا الى ورقة ضغط يجري استعمالها في لعبة الأمم.
هل لبنان هو دائماً بحاجة لحماية ورعاية؟
لو كان اليوم بيننا لكان رفض رفضاً قاطعاً أن يجري دفع لبنان من حضن الى حضن كدويلة ذات شعب مبعثر وغير قابلة للحياة إذا لم يحتضنها أحدهم.
عدم وجود مرتكب واحد بالسجن…
لو كان العميد بيننا لكان ارتفع صوته عالياً ومنذ سنوات، ضد سجن الناس من دون محاكمة لمدة وصلت أحياناً الى 12 عاماً. وكان ليغضب ويثور أمام أي ميوعة في حل قضية اكتظاظ السجون وأوضاعهم المزرية من جهة وإمكان الدخول في صفقات لحل تلك القضية. لكان قال لنا لا يجوز إبقاء سجناء من دون محاكمة ولا يجوز التهاون في جرائم القتل والجرائم ضد أمن الدولة. واكيد لم يكن ليفتح بازاراً سياسياً أو فئوياً في هذا الموضوع، فيما لو كان بيننا…
انهيار القطاع المصرفي
لو كان العميد حياً بيننا اليوم لكان انتفض ضد الشطط والفساد اللذين أطاحا النظام المصرفي اللبناني وأفقدا العالم الثقة به، هذا النظام الذي كان عاملاً رئيسياً في ازدهار لبنان لمدة، والذي عاد وانقضّ على المودعين من غير النافذين وأفقرهم لا بل أعدمهم.
لو كان العميد بيننا لكان غاضباً وثائراً ضد الفساد وصرف النفوذ اللذين لم تقو عليهما كل الإرادات الطيبة حتى الآن، غاضباً وثائراً على انهيار القطاع العام وانعدام الخدمات الأساسية، مع أن الدولة تستوفى عنها رسوماً حرزانة تحتسبها بدولار 89 ألفاً فيما تصرف للمودع فُتاتاً من حساباته على دولار 15 ألفاً…
لكان العميد مستغرباً ألا يكون هناك سجين واحد من المتورطين بسرقة موارد لبنان و تجويع شعبه وتركيعه وترويعه.
ويبقى لبنان متميزاً!
عجيب أمر هذا البلد الذي، رغم كل ذلك، لا يزال متقدماً على سواه بثقافة الحقوق والحريات العامة والشخصية، تلك الثقافة التي جعلت المجتمع اللبناني في موقع متقدم دائماً على دولته… لكن تلك السمة هي سلاح ذو حدين.
لو كان العميد بيننا لكان حري بهؤلاء الذين خوّنوه يوماً أن يعتذروا منه ويعترفوا بأنه رأى مسبقاً ما كان ليحصل إذا لم نتخذ مواقف شجاعة ووطنية وصلبة وليس انتهازية وجبانة، كما حصل، فوصلنا الى ما وصلنا اليه.
لو كان العميد حياً لثار وقلب الطاولة على رؤوس الجميع…
لم تشأ أن يبقى حزب من بعدك بل كنت تردد أننا سنصبح مثل الديغوليين بعد ديغول، وكنت تحب أن تشبّه نفسك به علماً أن الشعب اللبناني ليس الشعب الفرنسي…
لم تمت يا عميد، إذ كنت مدرسةً في رجل، ومن عرفك قبل أن يدخل الى نفسه فيروس المصلحة والانتهازية وحب الذات على حساب الوطن، إنطبع بمواقفك وبمسيرتك وهم كثر وما زالوا رسلاً يتشبثون باعتماد القيم الاخلاقية في العمل السياسي وينظرون بأسى الى وضع لبنان اليوم متأرجحاً من حضن الى حضن، وشعب لبنان وأهل الجنوب بخاصة قلقون على المصير. الغضب والثورة شعلة في نفوسنا لن تنطفىء بل سنبقى نسعى ونواجه بالحجة وبكلمة الحق دفاعاً عن كل معاني لبنان.
نحن في ذلك لسنا بحاجةٍ لترخيص أو أذن ولا بحاجة لمقر ومكاتب وتمويل ووسائل إعلامية مواكبة ولا لكورس داعم. سنمضي في طريق أضأتها أنت وسينضم إلينا كثيرون، يا عميد، لأنه لا يصح إلا الصحيح.
دمت نبيلاً في عليائك وانتقلت الشعلة الى من أصرّ على حملها وإن كانت كأساً مرة. فلا بأس. فالنضال من أجل الحق أمر مشرف ويغني من يمارسه ولو ضاقت به الدنيا.
ستة وعشرون عاماً ولم تفارقنا، بل ملهماً كنت وستبقى نموذجاً يحتذى في الوطنية اللبنانية الخالصة . وستبقى حياً في ذاكرة اللبنانيين.
نبض