هل اغتيل أحمد بلوط على طريق الحرير؟
الصراع الصيني الأميركي، إلى الآن لم يأخذ شكل الصدام العسكري، لكنه صدام بأشكال مختلفة، على رأسها تلك الرسائل التي عمدت بكين إيصالها في حرب الأربعين يوماً بين أميركا وإيران...
كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تصريح له من بكين، بعد لقائه نظيره الصيني وانغ يي، أن "الأصدقاء الصينيين يعتقدون بأن إيران بعد الحرب تختلف عمّا كانت عليه قبلها".
جولة عراقجي إلى بكين حملت الكثير من قضايا محورية وجوهرية ترتبط بتمتين العلاقة بين الطرفين، على رأسها كيفية إنهاء الحرب، وقضايا البرنامج النووي والعقوبات، وطبعاً مضيق هرمز، الذي يشكّل الهمّ الأول للصين، إذ يُعدّ المضيق شرياناً حيوياً لأمن الطاقة الصينية، حيث يمرّ عبره نحو 30% إلى 50% من واردات الصين النفطية والغازية، ممّا يجعله "عنق زجاجة استراتيجياً".
لا نقاش في أن الحكومة الصينية تعمل على إيجاد مشاريع طاقة بديلة عن طاقة النفط، بعدما عمدت واشنطن إلى تضييق الخناق عليها في كلٍّ من فنزويلا وإيران. لكن بكين تدرك أن مواجهة واشنطن يجب أن تستند إلى خيارات بديلة وصلبة، على رأسها تركيب توربينات الرياح الحديثة، وهي خطوة تعتبر استراتيجية لتقليل الاعتماد على النفط والوقود الأحفوري. ووفقاً لشبكة التلفزيون الصينية CCTV، فقد تمّ الانتهاء من تركيب تروبين رياح عائم بقدرة 16 ميغاواط في مقاطعة هوانغدونغ، على بعد أكثر من 70 كيلومتراً من ساحل يانغ جيانغ. ويعتبر المسمّى "الوديان الثلاثة" واحداً من أكثر المشاريع تعقيداً من الناحية التكنولوجية في مجال طاقة الرياح البحرية، وأحد أكبر توربينات الرياح العائمة في العالم.
خيارات بكين في عالم الطاقة لن تغنيها عن تمتين علاقات مع دول تتقاطع معها في عدائيّتها للولايات المتحدّة للحدّ من نفوذها في العالم، وإيران نموذجاً، إذ لم يكد عراقجي يُنهي تقديم بلاده كقوة إقليمية للرئيس الصيني، شي جين بينغ، حتى أتت عملية استهداف قائد قوة الرضوان في "حزب الله"، أحمد بلوط، بعد ساعات قليلة، في الضاحية الجنوبية لبيروت خارقة بذلك اتفاق وقف إطلاق النار الموقت بين "حزب الله" وإسرائيل.
يرى البعض أن توقيت العملية يأتي في اليوم الأول لتسلم القائد الجديد لسلاح الجو الإسرائيلي عومر تيشلر مهامه، مما قد يعكس محاولة إسرائيلية لتقديم "إنجاز عملياتي" سريع يردّ على الانتقادات الداخلية لحكومة بنيامين نتنياهو، بشأن تقييد حرية عمل الجيش في لبنان. لكنّ هذه العملية تحمل دلالات تتجاوز نطاق الاستهداف خارج حدود نهر الليطاني، لكونها جرت بضوء أخضر من واشنطن، وفق ما نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي كبير.
على طريق الحرير، أو ما بات يعرف بمبادرة "الحزام والطريق"، أتى استهداف بلوط، وذلك قبل أيّام من اللقاء المنتظر في بكين، الذي سيجمع الزعيم الصيني بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب. قمة يتحضر لها كلا المتخاصمين عبر تجميع أوراق القوة لديهما لطرحها على طاولة المفاوضات، إذ في الوقت الذي تجد بكين أن "توربين الرياح"، سيعزّز موقفها أمام الجانب الأميركي، تحمل واشنطن ورقة "الضوء الأخضر"، الذي أعطته إلى تل أبيب لتنفيذ عملية اغتيال بلوط، كدلالة واضحة على قدرة واشنطن على التحكم بالشرق الأوسط، تحديداً عبر إشعال منطقة ترتكز عليها طريق حرير الصين؛ فهي نقطة محورية ارتكازية للوصول إلى العمق الأوروبي.
صدام بأشكال مختلفة
الصراع الصيني - الأميركي حتى الآن لم يأخذ شكل الصدام العسكري، لكنه صدام بأشكال مختلفة، على رأسها تلك الرسائل التي عمدت بكين إلى إيصالها في حرب الأربعين يوماً بين أميركا وإيران، عبر تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي؛ وإنّ ما قاله عراقجي يكمن وضعه في هذا الإطار. فعدم تمكّن واشنطن من الوصول إلى تحقيق أهداف الحرب دفع طهران إلى تقديم نفسها لحلفائها، موسكو وبكين، على أنها قوّة إقليمية يُمكن الاستناد عليها، وإن قوتها لا ترتكز على قدرة صمودها وتماسك شعبها وصواريخها الباليستية، بل عبر وكلاء لها في المنطقة على رأسهم، "حزب الله" في لبنان.
لم يعد مستغرباً حاجة الحزب إلى ربط مصير الهدنة في لبنان مع ما يجري في مفاوضات إسلام آباد. فالحزب هو ورقة إيران القوية. وبحسب اعتراف قيادييها، فإن صمود إيران كان في جزء منه فتح الحزب جبهة إسناد الحزب لها. أمام هذا الترابط في المصير، تأتي عملية قتل بلوط في خانة تبادل رسائل أميركية على طريق الحرير الصينية. صحيح أن عملية الاغتيال لن تدفع إلى تغيير في قواعد الاشتباك القائمة في لبنان، بانتظار لقاء القمة، لكنها رسالة قوية إلى كل من إيران والصين بأن مفتاح الحلّ كما الحرب في الشرق الأوسط هو في واشنطن، فهل تلقتها بكين؟
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض