الاستراتيجيّة الأميركيّة لمكافحة الإرهاب 2026: هل بدأت واشنطن مرحلة المواجهة مع الإسلام السّياسي؟
تكشف استراتيجية مكافحة الإرهاب للرئيس ترامب لعام 2026 عن عودة واضحة إلى منطق القوة والردع، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى مرحلة أعمق في التفكير الأمني الأميركي، يُعاد فيها تعريف العلاقة مع الإسلام السياسي...
الدكتور سعود الشَرَفات*
في ختام تقديمه للاستراتيجية الأميركية الجديدة لمكافحة الإرهاب التي نشرت في 6 أيار/مايو 2026، قال الرئيس الأميركي: إذا قمتم بإيذاء الأميركيين، أو كنتم تخططون لإيذائهم، فسنعثر عليكم وسنقتلكم.
هذا التصريح لم يأتِ بوصفه جملة خطابية عابرة، بل يعكس ملامح عقيدة أمنية جديدة تقوم على الانتقال من إدارة التهديد إلى استئصاله، ومن الردع التقليدي إلى الردع الهجومي المباشر. وتكشف المقدمة أن الاستراتيجية لا تنظر إلى الإرهاب كأفعال معزولة، بل كمنظومة ممتدة تشمل التنظيمات المسلحة، والشبكات الداعمة، والبيئات الأيديولوجية التي تنتج التطرف العنيف أو تبرره.
وفي هذا السياق، يضيف ترامب في مقدمة الاستراتيجية إشارة أكثر حساسية حين يؤكد أن الولايات المتحدة "صنّفت فروعاً رئيسية من جماعة الإخوان المسلمين كجماعات إرهابية كما كانت دائماً"، في انتقال واضح من الجدل السياسي حول طبيعة الجماعة إلى مقاربة أمنية تعتبر أن بعض فروعها ليست استثناءات، بل أجزاء من بنية تنظيمية ممتدة يُعاد تعريفها ضمن منظومة التهديد.
الأصل البنيوي
وذهبت الاستراتيجية إلى بناء سردية سببية أوسع، لم يسبق لرئيس أميركي قبل ترامب أن صرح بها؛ من خلال التأكيد بالقول صراحة إن "جميع الجماعات الجهادية الحديثة، من القاعدة إلى تنظيم داعش وصولاً إلى حركة حماس، يمكن تتبع جذورها إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي تُقدَّم بوصفها الأصل البنيوي للإرهاب الإسلامي الحديث القائم على مشروع إعادة الخلافة وتوظيف العنف ضد غير المسلمين".
وانطلاقاً من هذا التصور، تتحدث الاستراتيجية عن خطوة وصفتها بالتاريخية، تمثلت في إصدار أمر تنفيذي صنّف بموجبه الفروع الأصلية للجماعة، بما في ذلك الفرع المصري، والفرع الأردني، والفرع اللبناني، كمنظمات إرهابية أجنبية، على أن يتبع ذلك توسيع هذا التصنيف ليشمل فروعاً أخرى في الشرق الأوسط وخارجه. ويُفهم من ذلك أن المقاربة الجديدة تتجه نحو تفكيك الشبكة التنظيمية للجماعة عبر فروعها وليس التعامل معها ككتلة واحدة.
وتؤكد الاستراتيجية أن الهدف من هذا النهج لا يقتصر على الاحتواء، بل يمتد إلى تفكيك التنظيم وتقويض قدرته التشغيلية عالمياً، عبر استهداف شبكات التمويل، والروابط التنظيمية، والبنى العابرة للحدود التي تصل بين الفروع المختلفة.
وفي موازاة ذلك، ربطت الاستراتيجية هذا التوجه بمجموعة من المصالح الجوهرية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من بينها ضمان تدفق الطاقة في الخليج ومنع وقوعه تحت سيطرة خصوم معادين، والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ومنع تحوّل الإقليم إلى مصدر أو حاضنة للإرهاب ضد المصالح الأميركية أو أمنها الداخلي، مع التأكيد أن أمن إسرائيل يمثل إحدى الثوابت الاستراتيجية في هذا الإطار.
تقليدياً، ميّزت الإدارات الأميركية السابقة، خصوصاً الديموقراطيين خلال مرحلتي باراك أوباما وجو بايدن، بين التنظيمات الجهادية المسلحة مثل القاعدة وتنظيم "داعش"، وجماعات الإسلام السياسي التي تنشط في المجال السياسي أو الدعوي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين. غير أن استراتيجية 2026 تشير إلى تراجع هذا الفصل تدريجياً لمصلحة مقاربة أكثر شمولاً تربط بين الإسلام السياسي العابر للحدود وبين بيئات إنتاج التطرف.
ضمن هذا الإطار، تُصنَّف القاعدة وتنظيم "داعش" بوصفهما تهديداً عملياتياً مباشراً، بينما تُدرج حركة "حماس" ضمن شبكة إقليمية أوسع تتداخل فيها الأبعاد السياسية والعسكرية مع النفوذ الإقليمي.
بيئة حاضنة
أما جماعة الإخوان المسلمين، فتظهر في المقاربة الجديدة باعتبارها جزءاً من البنية الأيديولوجية والتنظيمية التي قد توفر بيئة حاضنة أو داعمة أو مبررة للعنف، حتى دون انخراط مباشر فيه. وتنعكس التداعيات الإقليمية لهذا التحول بوضوح في عدد من الساحات العربية. ففي الأردن الذي شكّل لعقود نموذجاً للتوازن الحذر بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، يفرض هذا التحول ضغوطاً متزايدة على الفروع المحلية للجماعة، خصوصاً في ظل تصاعد الربط بين الإسلام السياسي وحركة "حماس"، وإيران، وما قد يترتب على ذلك من إعادة تقييم للتمويل والنشاط التنظيمي وشبكات العلاقات العابرة للحدود.
أما في لبنان، فإن التحول الأميركي الجديد يرتبط بتنامي المخاوف من تداخل الإسلام السياسي مع شبكات النفوذ الإقليمي والتنظيمات المسلحة، ضمن بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد تتداخل فيها الأطراف الفاعلة من غير الدول مع البنية الطائفية للدولة، ما يعزز مقاربة أكثر تشدداً في التعامل مع هذه الشبكات ضمن إطار الأمن الإقليمي. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل هذا التحول دائم أم مرتبط بإدارة ترامب؟
من الواضح أن جزءاً من هذا التوجه يعكس نهج ترامب القائم على الردع الصلب والخطاب المباشر. غير أن المؤشرات الأعمق تشير إلى أن التحول لا يقتصر على اللحظة السياسية، بل يمتد إلى داخل مؤسسات التفكير الأمني، حيث يجري إعادة تقييم الفرضية التقليدية التي تفصل بين الإسلام السياسي غير المسلح والتنظيمات الجهادية المسلحة. وقد ساهمت عوامل عدة في تسريع هذا التحول، أبرزها تصاعد التهديدات العابرة للحدود، وتوسع الشبكات التنظيمية غير التقليدية، وتداعيات الحروب الإقليمية، إضافة إلى تراجع أو فشل النماذج السابقة في احتواء ما يُسمى الإسلام السياسي.
وبالتالي، حتى في حال تغير الإدارة الأميركية مستقبلاً ووصول الديموقراطيين، فمن المرجح أن تتغير اللغة والأسلوب، لكن ليس بالضرورة أن تعود واشنطن إلى الفصل الصارم السابق بين الإسلام السياسي والتطرف العنيف. فالمسار الحالي يبدو أقرب إلى تحول تدريجي في تعريف التهديدات، لا مجرد خيار سياسي عابر.
في الخلاصة، تكشف استراتيجية مكافحة الإرهاب للرئيس ترامب لعام 2026 عن عودة واضحة إلى منطق القوة والردع، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى مرحلة أعمق في التفكير الأمني الأميركي، يُعاد فيها تعريف العلاقة مع الإسلام السياسي، ليس بوصفه فاعلاً سياسياً محايداً، بل كجزء محتمل من البيئة الاستراتيجية المنتجة للتهديدات المتخطّية للحدود.
*مؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب عمان-الأردن
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض