من حرب غزة إلى الحرب ضدّ إيران: كيف تُشكل الحرب المزاج العامّ في الأردن؟
شهد الأردن منذ اندلاع الحرب على غزة تحوّلات متدرّجة في المزاج العام، انتقلت من حالة تعبئة عاطفية مكثفة إلى مقاربة أكثر تركيباً مع اتساع رقعة الصراع إقليمياً.
في الأسابيع الأولى، تركزت الاستجابات الشعبية حول تضامن واسع مع غزة بوصفها قضيّة مركزية تمسّ الأمن الوطني والسلم المجتمعي. إلا أن انتقال المواجهة إلى ما يمكن وصفه بـ“حرب إقليمية محدودة” شملت ضربات على إيران ومواجهات على الساحة اللبنانية، أدخل بُعداً جديداً أعاد ترتيب أولويات قطاعات من الرأي العام، في ظلّ تنامي المخاوف من تداعيات مباشرة على الاستقرار الداخلي والأمن الوطني الأردني.
في هذا السياق، لم يتراجع البعد التضامني الشعبي مع غزة، لكنه بات يتعايش مع اعتبارات أكثر براغماتية. فقد برزت المخاوف الاقتصادية والأمنية كعامل ضاغط، خاصة مع ارتفاع كلف المعيشة، واستمرار اضطراب سلاسل الإمداد، والقلق من انعكاسات أيّ تعطّل محتمل في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، وباب المندب فضلاً عن احتمالات توسع المواجهة إلى نطاق أوسع. هذه المعطيات دفعت شرائح، خصوصاً من الطبقة الوسطى، إلى إعادة تقييم أولوياتها بين دعم القضايا الإقليمية العابرة للحدود، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمعيشي.
قضيّة غزة
ورغم وجود رواسب تاريخية تتعلق بالهويّات الفرعية، والولاءات السياسية والتنظيمية، حافظت قضية غزة على مستوى مرتفع من الإجماع الوطني العابر للأصول والمنابت والولاءات السياسية. غير أن إدخال العامل الإيراني واللبناني في المعادلة أخيراً أسهم في بروز تباينات في التفسير السياسي للأحداث، حيث باتت بعض الفئات تنظر إلى الصراع من زاوية التوازنات الإقليمية ومخاطر الانزلاق إلى حرب أوسع، دون أن يترجم ذلك إلى أي انقسام مجتمعي حاد أو مؤثر على النسيج الاجتماعي أو الأمن الوطني الأردني.
على صعيد الحراك الشعبي، أفرزت الحرب في غزة وتوسّعها الإقليمي موجة احتجاجات تُعد الأكبر في الأردن منذ الربيع العربي عام 2011. وقد تغذت هذه الاحتجاجات من مزيج من العوامل، أبرزها البعد الإنساني والشعبي المرتبط بغزة، والإحساس بضعف الفاعلية العربية الرسمية، إلى جانب تراكمات داخلية مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والبطالة. وأدّت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تسريع التعبئة وتوسيع قاعدة المشاركة، ولا سيما بين الشباب، ما منح الاحتجاجات طابعاً ديناميكياً سريع الانتشار.
مقاربة مزدوجة
في المقابل، تعاملت الأجهزة الأمنية الأردنية بحرفية مع هذه الموجة عبر مقاربة مزدوجة، جمعت بين السماح بهوامش تعبير محدودة ومنضبطة، وفرض قيود ميدانية عندما قُدّر أن بعض التحرّكات قد تنطوي على مخاطر تتجاوز الاحتجاج السلمي. وقد أسهمت هذه المقاربة المرنة في احتواء التصعيد ومنع تحوّله إلى أزمة مفتوحة، لكنه أدّى أيضاً إلى تراجع تدريجي في زخم الاحتجاجات، مع بقاء مستوى من التوتر الكامن داخل بعض الأوساط، خاصة لدى قوى المعارضة التقليدية والتيارات والأحزاب السياسية المنظمة.
اقتصادياً واجتماعياً، عمّقت الحرب في غزة والحرب ضدّ إيران التحديات البنيوية التي يواجهها الأردن، إذ أعادت هذه التطورات تنشيط المخاوف المرتبطة بإمكانية تدفقات لجوء جديدة من الأراضي المحتلة في فلسطين في بلد يستضيف أصلاً أعداداً كبيرة من اللاجئين، ما يضع ضغوطاً إضافية على الموارد والخدمات. كذلك تأثرت قطاعات حيوية مثل السياحة والاستثمار سلباً بحالة عدم الاستقرار، وارتفعت كلف التأمين والنقل، فيما أسهم تراجع النشاط التجاري والسياحي في زيادة الضغوط على الاقتصاد الأردني عموماً.
في الوقت ذاته، يواجه الشباب تحديات مركبة تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الفرص الاقتصادية، إلى جانب شعور متزايد بغياب الأفق السياسي. ويؤدي هذا التداخل بين الضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية إلى تعميق مشاعر الإحباط، ما يجعلها أكثر قابلية للتحوّل إلى تعبيرات سياسية، خصوصاً في ظل بيئة إعلامية رقمية تسرّع من وتيرة التفاعل والتعبئة.
أما على مستوى المستقبل، فإن تخفيف الضغوط عن الأردن يرتبط بمدى احتواء هذه “الحرب الإقليمية المحدودة” ومنع تحوّلها إلى مواجهة شاملة. ويبرز في هذا الإطار دور التنسيق العربي، خاصة بين الأردن ودول الخليج، في توفير دعم اقتصادي وتعزيز استقرار إمدادات الطاقة. وأيّ تحوّل في السياسة الأميركية نحو التهدئة أو إعادة إحياء المسارات الديبلوماسية سيؤثر مباشرة في خفض مستوى التوتر، ولا سيما مع استمرار أهمية الدعم الأميركي للأردن في هذه المرحلة الحساسة.
في المقابل، تظلّ احتمالات التصعيد الداخلي قائمة مع استمرار التصعيد العسكري حالياً ضد إيران واتساعها جغرافياً، إذا استمر فشل المفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة، أو في حال تعرّض الاقتصاد الأردني لهزات إضافية.
ويظلّ التحدي الجوهري متمثلاً في قدرة الدولة على موازنة الاستجابة للضغوط الشعبية مع متطلبات الاستقرار، في بيئة إقليمية عالية التقلب والتغيّر حيث كثيراً ما تتحوّل الأزمات الخارجية إلى اختبارات داخلية معقدة خبرها الأردن مراراً في تاريخه الحديث.
* مدير مركز شُرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب (عمّان-الأردن)
نبض