حرب الممرات البحرية
بعد فشل المفاوضات في إسلام آباد، يبدو أن المواجهة الأميركية–الإيرانية دخلت مرحلة جديدة تتجاوز استهداف القدرات الدفاعية والهجومية والصناعية الإيرانية، لتنتقل إلى مستوى أكثر حساسية وخطورة: حرب الممرات البحرية.
المؤشرات المتوافرة توحي بأن الهدف الأميركي المباشر من فرض الحصار على الموانئ الايرانية، يتمثل في ممارسة أقصى درجات الضغط على طهران لإعادتها إلى طاولة المفاوضات، ولكن هذه المرة وفق الشروط الأميركية، مع انتزاع واحدة من أهم أوراق القوة الإيرانية، وهي ورقة مضيق هرمز.
فالولايات المتحدة، كما يبدو، لم تكن مستعدة لدفع الثمن السياسي لهذه الورقة في المفاوضات التي جرت في باكستان ، وهو ثمن كان سيعني خفض سقف الشروط الاميركية في ملفي البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، فضلاً عن الاعتراف بالنفوذ الإقليمي للنظام الإيراني.
حتى الآن، لا تبدو إيران في وارد التراجع تحت وطأة الضغوط الأميركية، لا سيما في ضوء ما تتداوله الصحافة الغربية عن تزويدها بمعلومات استخباراتية روسية تتعلق بالمواقع العسكرية الأميركية في المنطقة وبأهداف قطاع الطاقة في الخليج، إلى جانب الحديث عن تحضيرات صينية لتزويدها بأنظمة دفاع جوي لا تُخلّ بالتوازن القائم، لكنها تتيح لها حماية مجالها الجوي من الضربات الأميركية والإسرائيلية.
لكن الاسئلة المهمة : ما هي السيناريوهات المحتملة في حرب الممرات البحرية؟ وفي حال نجحت المبادرة الفرنسية في انشاء تحالف آسيوي- اوروبي لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز ، فما هي حظوظ النجاح في الفصل بين هذه المهمة والحصار البحري الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على موانئ ايران ؟
السيناريو الأول: الاحتواء المضبوط
يبدو هذا السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب. إذ بموجبه، تواصل الولايات المتحدة فرض حصار على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، في حين يتحرك تحالف آسيوي - أوروبي بزعامة فرنسا ، لتأمين الملاحة نحو الموانئ غير الإيرانية، وحماية السفن التجارية، وربما مرافقة بعضها، مع توسيع قدرات المراقبة البحرية والمشاركة مع الاميركيين في إزالة الألغام.
في هذا الإطار، تتراجع بشكل كبير قدرات إيران في إغلاق مضيق هرمز بالكامل، لكنها سترفع مستوى المخاطر إلى أقصى حد عبر التهديد، والاقتراب من السفن، واستخدام الزوارق السريعة، وربما اللجوء إلى التشويش أو التحرش المحدود، من دون الانزلاق إلى ضربة مباشرة كبيرة ضد سفن التحالف هذا .
ويعزز هذا الاحتمال حرص لندن على حماية حرية الملاحة من دون الانخراط في الحصار، في مقابل مقاربة باريس التي تتحدث عن تسهيل العبور لا عن حرب بحرية مفتوحة، في وقت بدأت فيه الناقلات تتجنب المضيق، بالتوازي مع ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار.
السيناريو الثاني: فصل أميركي–أوروبي في الأهداف، ووحدة تكتيكية في البحر
هنا لا نتحدث عن تحالف موحد بالكامل، بل عن مستويين متوازيين للعمل: مستوى أميركي هجومي يفرض الحصار على إيران، ومستوى أوروبي دفاعي يهدف إلى حماية التجارة الدولية ومنع انهيار منظومة الملاحة.
قد يفضي ذلك إلى تنسيق استخباري وميداني بين الطرفين، رغم الاختلاف الواضح في الهدف النهائي. هذا السيناريو ربما يمنح طهران فرصة اللعب على الخلافات الغربية، عبر الإيحاء للأوروبيين بأن جوهر الأزمة لا يتعلق بحرية الملاحة، بل بالحصار الأميركي.
وفي هذه الحالة، قد تتجنب إيران استهداف القطع الأوروبية مباشرة، وتكتفي باختبار الخطوط الحمراء الأميركية، مع الاستمرار في التلويح بأن أي تهديد لموانئها سيجعل موانئ الخليج وبحر عُمان غير آمنة.
السيناريو الثالث: الرد الإيراني على الموانئ الخليجية
إذا تمكن الاميركيون من تشديد الحصار على الموانئ الايرانية، ونجح تحالف بحري أوسع في الحد من قدرة إيران على الضغط داخل هرمز، فإن نقل المعركة إلى الموانئ والمنشآت الخليجية من الممكن أن يصبح خياراً محتملاً عند الحرس الثوري . وقد لا يأخذ ذلك شكل حرب تدمير شاملة، بل ضربات انتقائية، أو هجمات بواسطة المسيّرات، أو استهداف منشآت لوجستية ونفطية، بما يرفع كلفة الاصطفاف ضد طهران. ويزداد احتمال هذا السيناريو إذا خلصت إيران إلى أن المضيق لم يعد ورقتها الوحيدة، وأن التحالف البحري حرمها من أداة الابتزاز المباشر داخله.
إلا أن هذا الخيار يبقى شديد الخطورة، لأنه قد يدفع إلى اصطفاف أوسع مع الولايات المتحدة ودول الخليج. كما يدفع دول الخليج إلى الخروج عن سياسة ضبط النفس والانتقال إلى مرحلة المواجهة المباشرة مع التهديدات الايرانية. إن اتصال وزير خارجية ايران مع وزير خارجية المملكة العربية السعودية بعد محادثات باكستان يدفع إلى الاعتقاد بان طهران تحاول ترميم الثقة مع الرياض لما تمثله من ثقل كبير في المنطقة، وبالتالي من المحتمل أن يتم تحييد المملكة عن سيناريو الاستهداف الإيراني لموانئ الخليج، أو على الاقل تقييده إلى الحدود الدنيا لاسيما بعد وصول قوات باكستانية إلى إحدى القواعد العسكرية في المملكة.
السيناريو الرابع: نقل الضغط إلى باب المندب عبر الحوثيين
في تقديري، يزداد ترجيح هذا السيناريو كلما أصبحت المواجهة المباشرة داخل هرمز أكثر صعوبة. فإذا بات المضيق تحت رقابة القوة البحرية الاميركية وأصبح الاشتباك المباشر مع سفن أوروبية أو بريطانية ، او أميركية مكلفاً سياسياً وعسكرياً، فإن البديل المنطقي سيكون توسيع الحرب البحرية جنوباً عبر الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب.
بهذا المعنى، توجه طهران رسالة واضحة إلى العالم: حتى لو جرى تأمين هرمز، فإن سلسلة التجارة العالمية ستظل مهددة.
ويتسق هذا السيناريو مع التقارير التي تتحدث عن استعداد الحوثيين للانخراط عند الضرورة، ومع حقيقة أن الرد غير المباشر يبقى أقل كلفة من صدام مباشر مع قوة بحرية أوروبية–أطلسية.
السيناريو الخامس: حادث بحري كبير يجر الجميع إلى مواجهة أوسع
هذا هو السيناريو الأخطر بلا شك.
قد يبدأ الأمر باحتكاك محدود: زورق يقترب أكثر من اللازم، إنذار خاطئ، لغم بحري، صاروخ يصيب سفينة تجارية، أو استهدافقطعة لدولة مشاركة في حماية الملاحة. عندها يصبح الفاصل بين “حماية حرية الملاحة” و”الدخول في الحرب” بالغ الضيق. فإذا أصيبت سفينة بريطانية أو فرنسية، أو سقط قتلى من البحارة الأوروبيين، فإن الحكومات الأوروبية ستتعرض لضغوط كبيرة للرد، ما قد يحول قوة الحماية والمرافقة إلى قوة اشتباك وردع مباشر.
كما أن تصريحات الحرس الثوري التي تعتبر اقتراب السفن العسكرية من المضيق خرقاً لوقف النار ترفع منسوب احتمال سوء التقدير.
السيناريو السادس: تثبيت ممر آمن من دون حسم سياسي
هذا أيضاً احتمال بالغ الأهمية.
فيه لا تُهزم إيران عسكرياً في البحر، لكنها تفشل في تحويل هرمز إلى أداة خنق شامل.
ويتمكن التحالف الدولي من فرض نوع من المرور المحمي، فيما تستمر الأزمة في شكل استنزاف طويل: ارتفاع أقساط التأمين، اضطراب الملاحة، أسعار نفط مرتفعة، وضغوط اقتصادية متزايدة على أوروبا وآسيا.
وهذا السيناريو أقرب إلى منطق إدارة الأزمة لا حلّها، وربما يكون الأكثر انسجاماً مع المقاربة الأوروبية التي تسعى إلى منع الانهيار التجاري من دون الانجرار إلى حرب أميركية شاملة ضد إيران.
ويبدو أن المؤشرات الاقتصادية، من ارتفاع أسعار النفط إلى تراجع الأسهم الأوروبية والإجراءات الألمانية للتخفيف من صدمة الطاقة، تعكس ذهنية احتواء اقتصادي–أمني أكثر مما تعكس استعداداً لحرب حاسمة.
في المحصلة، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تحالف دولي لحماية الملاحة من دون الانضمام الكامل إلى الحصار الأميركي، مع استمرار واشنطن في مسارها بشكل منفصل نسبياً.
ويليه احتمال الرد الإيراني غير المباشر، سواء عبر الضغط على الموانئ الخليجية أو من خلال الحوثيين في باب المندب.
أما السيناريو الأقل احتمالاً، لكنه الأخطر، فهو الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة بين إيران وقوة أوروبية مشاركة في تأمين المضيق.
وفي النهاية، فإن تشكيل تحالف اوروبي آسيوي لحماية حرية الملاحة لا يلغي حرب الممرات البحرية، بل يعيد تشكيلها من صراع أميركي–إيراني مباشر داخل هرمز إلى صراع متعدد الطبقات: أميركي يفرض الحصار، وأوروبي يؤمن المرور، وإيراني يبحث عن نقاط ضغط بديلة في الخليج وباب المندب.
وتبقى الأسئلة المفتوحة مرتبطة بالموقف الصيني: هل ستتحرك بكين فعلياً نحو وساطة ضاغطة على طهران لفتح المضيق وتقديم تنازلات فعلية ، نظراً لما يلحق الحصار البحري باقتصادها من أضرار كبيرة؟ أم أنها ستبحث عن بدائل للنفط الإيراني وتنأى بنفسها عن هذه المواجهة، خشية تمددها إلى مضيق ملقا الذي تعتمد عليه الصين بشكل كبير ويعد من أهم نقاط ضعفها الاستراتيجية؟ الايام المقبلة ستشهد ما إذا كانت حرب الممرات البحرية ستعيد ايران إلى طاولة المفاوضات أم ستكون مفتاحاً لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة ؟
استاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.

نبض