مضيق هرمز بين القانون الدولي ومنطق الابتزاز الجيوسياسي
المحامية ميرنا الحلبي
ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائي تمر عبره إمدادات الطاقة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة القانون الدولي على الصمود أمام الضغوط الجيوسياسية. وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى تحويل المضيق إلى أداة ابتزاز سياسي، رغم أنه ليس ملكاً سيادياً لها ولا يحق لها قانوناً التحكم بإغلاقه أو فتحه وفق حساباتها.
إن ما تقوم به إيران لا يستند إلى تفوق عسكري حاسم، بل إلى استغلال موقعها الجغرافي للضغط على العالم عبر التهديد بإغلاق أحد أهم شرايين التجارة الدولية. وهذا السلوك لا يهدد فقط الأمن الإقليمي، بل يستهدف القواعد التي يقوم عليها النظام الدولي، وفي مقدمتها حرية الملاحة.
من الناحية القانونية، يخضع مضيق هرمز لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي كرّست مبدأ “المرور العابر” (Transit Passage)، والذي يضمن لجميع السفن حق العبور المستمر دون تعطيل. وهذا الحق ليس امتيازاً تمنحه الدول، بل التزام قانوني دولي لا يجوز تعليقه أو التفاوض عليه. لذلك، فإن المقاربة الصحيحة تقتضي تثبيت هذا المبدأ وأنه غير قابل للمساومة. وهذا يتطلب موقفاً دولياً حازماً يضمن استمرار الملاحة ويربط أي خرق بعواقب فعلية تمنع تكراره.
وعليه، فإن أي إغلاق للمضيق يُعد خرقاً صريحاً للقانون الدولي، وليس إجراءً سيادياً مشروعاً. والأخطر أن التعامل مع فتحه ضمن صفقات سياسية يضفي شرعية ضمنية على هذا الخرق، وكأن للدولة التي أغلقت المضيق حقاً يمكن التنازل عنه مقابل مكاسب.
هذا المنطق يحوّل حرية الملاحة من قاعدة قانونية ثابتة إلى أداة تفاوض، ويفتح الباب أمام سابقة خطيرة قد تمتد إلى ممرات بحرية أخرى، بما يهدد استقرار التجارة العالمية ويقوض الثقة بالنظام الدولي.
كما أن أي تفاهم لا يقترن بضمانات وآليات تنفيذ واضحة سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار، ما يسمح بتكرار استخدام المضيق كورقة ضغط. فالتجارب تثبت أن غياب العواقب يكرّس السلوك نفسه بدل أن يردعه.
ولا يقل خطورة احتمال تحول هذا النهج إلى نمط دائم. فإذا لم يتم وضع حد حاسم لهذا السلوك، ستجد إيران في كل أزمة فرصة لإعادة استخدام المضيق كأداة ابتزاز وتهديد، خاصة تجاه دول الجوار والخليج العربي، ما يبقي أمن الطاقة والتجارة رهناً بقرار سياسي أحادي ويمنع الوصول إلى استقرار مستدام.
إن الإشكالية الأساسية تكمن في افتراض وجود حق لإيران في التحكم بالمضيق، ثم التفاوض معها للتخلي عنه. بينما الحقيقة القانونية واضحة: لا يوجد حق أصلاً. فالمضيق ممر دولي، وإغلاقه عمل غير مشروع، وإنهاؤه يجب أن يتم كالتزام قانوني لا كتنازل سياسي.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمضيق هرمز وحده، بل بمستقبل النظام الدولي. فإما أن تُحكم الممرات البحرية بالقانون، أو تتحول إلى أدوات ابتزاز. وبين الخيارين، لا مجال للحلول الوسط.
نبض