عن تباين الأهداف الأميركية والإسرائيلية من الحرب على إيران

آراء 29-03-2026 | 06:06

عن تباين الأهداف الأميركية والإسرائيلية من الحرب على إيران

من المنظور الإستراتيجي، وفي ظل وجود الإدارة الحالية في واشنطن والحكومة الحالية في تل أبيب، حتى إشعار آخر، تبقى أي اختلافات تظهر بين البلدين هي بمثابة اختلافاتٍ ثانوية وفرعية وليست أساسيةً أو جوهرية.
عن تباين الأهداف الأميركية والإسرائيلية من الحرب على إيران
التباين إن حصل بين ترامب ونتنياهو يبقى ثانوياً؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

عندما اندلعت الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، وربما للقليل من الوقت بعدها، تصور البعض أن هناك تناغماً شاملاً وانسجاماً كاملاً بين واشنطن وتل أبيب في ما يتعلق بالأهداف المتوخاة من شن هذه الحرب والغايات المراد تحقيقها من ورائها.

 

وكانت هذه هي الحال بشكل خاص بسبب ما أعلنت عنه الدولتان صراحة، وفي أكثر من مناسبة، وعلى لسان أكثر من مسؤول من مسؤوليها الكبار، بمن فيهم الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، في مرحلةٍ مبكرة من الحرب أن هذه الحرب لن تتوقف إلا بإسقاط الحكم القائم في طهران وإحلال نظام حكمٍ آخر مكانه بشكلٍ كامل ونهائي.

إلا أنه مع تقدم تطورات الحرب والتصعيد الدائر فيها وتزايد تعقيداتها واتساع نطاقها وتتابع أيامها وأحداثها وعدم وضوح الرؤية بشأن فرص انتهائها وإمكاناته وشروطه من جهة أو المدى الزمني لنهايتها من جهة أخرى، فإنه بدا من الواضح أمران: الأول هو أن هناك اختلافات ما بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في ما يتعلق بأهداف الحرب، والآخر أنه حتى بالنسبة لكل طرف منهما، فإن هناك تحولاتٍ وتعديلات وتغييرات في الأهداف تطرأ ما بين حينٍ وآخر منذ اندلاع الحرب، وذلك في ما يمكن مقارنته بحركة "البندول"، بحيث بات من الصعب التنبؤ بأي هدفٍ سوف يبقى ثابتاً وأي هدفٍ سوف يتعرض للتغيير، أو بتوقيت مثل هذا التغيير واتجاهه وحجمه وعمقه.

تناقضات ثانوية

ومع الإقرار بوجود هذه الاختلافات، فإنه يجب عدم الوقوع في فخ المبالغة فيها أو التعويل عليها باعتبارها قابلةً للوصول إلى مرحلة الإطاحة بالتحالف الأميركي- الإسرائيلي في الحرب ضد إيران، لأنها في نهاية الأمر تقع ضمن طائلة ما يطلق عليه في العلوم السياسية "التناقضات الثانوية أو الفرعية"، وليست "التناقضات الأساسية أو الجوهرية"؛ فمساحة المشترك بين الطرفين تبقى، على الأقل حتى الآن وفي ظل الإدارة الحالية في واشنطن والحكومة الحالية في تل أبيب، أكثر وأعرض وأعمق بدرجةٍ واضحة من مساحة المختلف عليه بينهما.

فقد راوحت الأهداف الأميركية وتأرجحت ما بين الحديث عن إسقاط النظام الحاكم في طهران واختيار بديلٍ يفضل الرئيس الأميركي أن يكون من داخل إيران أو من بين بدائل عدة في ذهنه، أو إتاحة الفرصة للشعب الإيراني، بحسب قول الإدارة الأميركية، لحرية اختيار قيادته الجديدة ونظامه السياسي الجديد، وما بين إضعاف إيران من خلال بوابة تدمير قدراتها الصاروخية وبرنامجها النووي، ثم حديث آخر عن استهداف القضاء على قدرات الدفاع الجوي لدى إيران، ثم إضافة القوات البحرية الإيرانية إلى ما يجب تدميره، ومن ثم التوسع للحديث عن تدمير البنية التحتية الإيرانية، وما بين الحديث عن القيام بعملية إنزالٍ جوي للسيطرة على جزيرة "خرج" الإيرانية الاستراتيجية وإنهاء سيطرة إيران على مضيق هرمز، ثم الحديث عن تدمير مرافق قطاع النفط الإيراني ومنشآته، وكذلك كلام عام عن القيام بما يلزم من أعمالٍ عسكرية من أجل جعل إيران عاجزةً عن القيام بأي عملٍ يهدد جيرانها أو إسرائيل أو المصالح الأميركية والغربية في المستقبل، ومن ثم العودة مجدداً للحديث عن القضاء على قدرات إيران النووية، وعن ضرورة قطع إيران "الحبل السري" الذي من خلاله تقدم طهران الدعم العسكري واللوجيستي والمادي الى جماعاتٍ إقليمية متحالفةٍ معها.

وعلى الجانب الإسرائيلي، وعلى رغم أن التباينات والتغييرات في المواقف كانت أقل من حيث السرعة والتفاوت والمدى والحدة من مثيلاتها على الجانب الأميركي، فإن الأمر لم يخل من تحولات، ما بين القضاء تماماً على النظام الإيراني و"تحرير" الشعب الإيراني منه ومنحه حريته، على حد تعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلى ضمان التدمير الكامل للقدرات العسكرية الإيرانية، ولاسيما منها النووية والباليستية والجوية، إلى ضمان عدم قدرة إيران على تهديد إسرائيل في المستقبل، إلى فك عرى التحالف الوثيق بين إيران والجماعات والتنظيمات المتحالفة معها إقليمياً في لبنان (حزب الله)، وفي العراق (الفصائل الشيعية المسلحة الموالية لإيران)، وفي اليمن (جماعة الحوثيين)، وفي فلسطين (حركة "حماس" وجماعات فلسطينية مسلحة أخرى ذات توجهات إسلامية أصولية).

والمتتبع لهذه التحولات في المواقف يستطيع بسهولة ربطها باعتباراتٍ عدة منها مخاطبة الرأي العام الداخلي في كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وكذلك مخاطبة الحكومات والرأي العام في الدول الغربية، والحكومات والشعوب في الشرق الأوسط والخليج، والحكومات في الدول التي تعتبر في حالة تنافس، إن لم نقل تناقض، في المصالح والأهداف مع الولايات المتحدة الأميركية مثل الصين وروسيا، ومنها أيضاً اعتبار ارتباط التغير في الأهداف بتطور واقع العمليات العسكرية على الأرض وما مرت به من منحنيات صعودٍ وهبوط في هذا الاتجاه أو ذاك على مدار الأسابيع المنصرمة منذ بدء الحرب، ومنها بالطبع السعي لممارسة الضغوط والتلويح بالتهديد للجانب الإيراني لمحاولة إجباره على القبول بمطالبٍ معينة لواشنطن وتل أبيب وللتسليم لهما، ولو بقدرٍ ما، بالأهداف التي شنا الحرب من أجلها أو ببعضها على أقل تقدير.

ويقودنا هذا إلى حجم ومقدار والاختلاف الذي تبلور وازداد وضوحاً بمرور الوقت بين الأهداف الأميركية والأهداف الإسرائيلية من الحرب على إيران.

فالثابت أن الرئيس الأميركي، ولأسباب ذاتية، أولها طابعه الشخصي في إدارة الأمور واهتمامه الكبير والأولوية التي يوليها لموضوعي الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك لصورته أمام الداخل والخارج على حدّ سواء وحرصه على إظهار نفسه دائماً بمظهر المنتصر، ولأسبابٍ أخرى موضوعية يأتي في مقدمها ألا يتم تحميله المسؤولية عن أي خسارةٍ محتملة قادمة للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وألا يضاف إلى قائمة رؤساء أميركيين سابقين تم تحميلهم مسؤولية توريط الولايات المتحدة الأميركية في حروبٍ وغزوات خارجية لم يكن هناك ما يستدعيها في المقام الأول، مثل ليندون جونسون في فيتنام وجورج دبليو بوش في كل من أفغانستان والعراق، وكانت النتائج النهائية في كل تلك الحالات كارثية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. كما لا يود الرئيس الأميركي أن يطول أمد الحرب بحيث يكون تحت رحمة الكونغرس للحصول على تفويضٍ باستمرارها بعد الستين يوماً الأولى، وأخيراً يسعى إلى ألا يتم تحميله مسؤولية تمويل الحرب من خلال تفاقم عبء المديونية الأميركية المتضخمة أصلاً.

شهر على الحرب

وبالتالي، فالقراءة الحالية بالنسبة للأهداف الأميركية من الحرب على إيران، وبعد شهرٍ من اندلاع الحرب، تشير إلى أن هدف إسقاط النظام القائم في طهران أو تغييره تراجع بقوة، بل يعتبره البعض قد تلاشى تماماً، وأصبحت الأهداف تدور في فلك ما يتعلق بضمانات والتزامات عدم إنتاج إيران لأسلحةٍ نووية، وربما الدفع في اتجاه تحجيم، إن لم يكن تفكيك، برنامجها النووي، وكذلك الضغط للحصول على تنازلاتٍ من الجانب الإيراني، إن أمكن لواشنطن تحقيق ذلك، بشأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية ووضع قيود على مداها، وذلك على أقل تقدير. وأخيراً السعي للحصول على تعهداتٍ إيرانية بوقف الدعم، على الأقل التسليحي واللوجيستي والتدريبي، للجماعات والتنظيمات الحليفة لإيران في المنطقة مثل "حزب الله" اللبناني، والحوثيين في اليمن، والحركات التي ترفع شعارات الإسلام السياسي في فلسطين، والتنظيمات الشيعية المسلحة الموالية لإيران في العراق مثل "كتائب حزب الله" و"الحشد الشعبي" وغيرهما.

أما على الجانب الإسرائيلي، فالصورة تختلف بعض الشيء، فقد تقبل الحكومة الإسرائيلية، تحت مستوى معين من الضغوط من الإدارة الأميركية الحالية، بالقبول بما وصلت إليه حالة المطالب الأميركية كما وردت في نهاية الفقرة السابقة، ولكنها ستبقى من دون اعتبار أن الحرب انتهت أو أن أي وقف لإطلاق النار نهائي، وذلك نظراً الى التكرار على مدار مراحل الحرب المختلفة حتى الآن على لسان المسؤولين الإسرائيليين الكبار أن إسرائيل تعتبر مجرد وجود نظام الحكم الحالي في طهران، في ظل مواقفه المعلنة ضد إسرائيل، تهديداً لوجود الدولة ذاته وليس مجرد تهديد لأمنها أو سلامتها الإقليمية أو لحدودها، وإن كان البعض يشكك في صدقية هذا الدفع ويرى أن ما يؤرق إسرائيل وقيادتها السياسية الحالية هو أنها لا ترغب في بزوغ أي قوةٍ إقليمية أخرى غيرها في المنطقة، نظراً لرغبتها في الهيمنة على المنطقة بأسرها بحيث تكون هي القوة الإقليمية الوحيدة المهيمنة على مقدرات المنطقة والتي تلعب دور شرطي المنطقة، وهو الدور الذي كان يلعبه نظام الشاه السابق في إيران حتى سقوطه في عام 1979. وربما الفارق بين الحالتين هو أن إسرائيل لا تود أن تلعب هذا الدور لحساب طرفٍ دولي آخر، ولو كان الولايات المتحدة الأميركية، حليفتها الأكبر والأهم في العالم، بل لحساب نفسها ومصالحها، بل تطمع في أن تنتقل في المستقبل، حسب ما ذكره رئيس وزرائها، من موقع القوة الإقليمية الوحيدة في الشرق الأوسط إلى مصاف القوى الدولية الكبرى.

 

وأخيراً يجب ألا نغفل عن بعدٍ ذاتي مرتبطٍ برئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، وهو أنه كلما امتدت حالة الحرب، ورغم أن هذا قد لا يكون في صالح شعبه وبلده، فهذا سيمد من أمد وجوده في السلطة ويجنبه المساءلات القانونية وربما المحاكمة التي قد يتعرض لها على خلفية اتهاماتٍ داخلية بالفساد.

ويجب أن نتابع ما ستأتي به الأيام القادمة من توسيع الهوة أو تجسير الفجوة مجدداً بين الأهداف الأميركية وتلك الإسرائيلية جراء الحرب على إيران، ولكن في الحالتين يجب أن نعيد هنا تأكيد ما ذكرناه في مطلع هذا المقال أن من المنظور الاستراتيجي، وفي ظل وجود الإدارة الحالية في واشنطن والحكومة الحالية في تل أبيب، وحتى إشعار آخر، تبقى أي اختلافات تظهر بين البلدين هي بمثابة اختلافاتٍ ثانوية وفرعية وليست أساسيةً أو جوهرية.

*مفكر وكاتب مصري

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

الأكثر قراءة

لبنان 3/28/2026 10:47:00 PM
قالت السلطات السورية إنَّها عثرت على نفق يربط بين أراضي سوريا ولبنان وأغلقته...
كتاب النهار 3/28/2026 5:03:00 PM
لا تغيب العيون الأمنية في العاصمة ومناطق عدة عن مراقبة حركة النزوح ويومياته، وقد تبين أن 20 في المئة لجأوا إلى المدارس ومراكز إيواء تعود إلى الدولة
ايران 3/29/2026 2:21:00 AM
نصح الحرس الثوري "موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد" على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.
لبنان 3/26/2026 6:39:00 PM
رسامني بحث في تداعيات ارتفاع اسعارالنفط: نحو تعديل متوازن وموقت لتعرفة النقل