كيف يمكن للاقتصاد اللبناني الصمود وسط التقلبات؟

آراء 13-03-2026 | 09:48

كيف يمكن للاقتصاد اللبناني الصمود وسط التقلبات؟

تضيف الزيادة الحادة في أسعار الطاقة ضغوطًا تضخمية كبيرة على الدول المستوردة مثل لبنان
كيف يمكن للاقتصاد اللبناني الصمود وسط التقلبات؟
حي المريجة في الضواحي الجنوبية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

 

ميراي شدياق الحاج 

 

في ظل صدمات اقتصادية وجيوسياسية متلاحقة، يواجه الاقتصاد اللبناني اختبارًا صعبًا، إذ تتقاطع التحديات العالمية والإقليمية مع أزمات محلية عميقة تهدد الاستقرار الاقتصادي. في الفترة الأخيرة، أبرزت البيانات الاقتصادية تعمق الأزمة في لبنان، لا سيما مع التصعيد في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو ٢٠٪ من النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا. وقد دفع هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، إذ تجاوزت أسعار خام برنت أحيانًا ١٠٠ دولار للبرميل، ويتوقع محللون أن تصل إلى ١٥٠ دولارًا في حال طال تعطّل الإمدادات.

 

تضيف الزيادة الحادة في أسعار الطاقة ضغوطًا تضخمية كبيرة على الدول المستوردة مثل لبنان، حيث ارتفعت أسعار الوقود والغذاء بشكل ملموس، ما انعكس مباشرة على تكاليف النقل والشحن والطاقة. وفق معطيات محلية، تنفق الأسر اللبنانية الفقيرة نحو ٤٠٪ من دخلها على الغذاء، في وقت يتآكل فيه الدخل الحقيقي للمواطنين مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة. وتشير تقديرات بعض المؤسسات الاقتصادية إلى أن معدل التضخم قد يصل إلى نحو ٢٠٪ خلال عام ٢٠٢٦ إذا استمرت الضغوط السعرية والسياسات الحكومية الحالية، بما في ذلك رفع أسعار الوقود وضرائب القيمة المضافة.

 

على المستوى الاقتصادي، حذّر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع أسعار النفط فوق ١١٥ دولارًا للبرميل قد يؤدي إلى تضخم عالمي إضافي، ما يزيد الضغط على لبنان ويهدد بانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو ٧٪ إذا استمرت المواجهات الإقليمية. كما حذر برنامج الغذاء العالمي من أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود قد يدفع المزيد من الأسر نحو انعدام الأمن الغذائي، مما يزيد الأعباء الإنسانية ويضع ضغوطًا إضافية على القدرة الشرائية للمواطنين ويؤثر على استقرار المجتمع بشكل عام.  

 

أما على المستوى الاجتماعي، فإن هذه التحديات الاقتصادية تنعكس بشكل مباشر على حياة اللبنانيين اليومية. فارتفاع تكاليف المعيشة يقلّص قدرة الأسر على تغطية احتياجاتها الأساسية، ويضغط على الطبقات الوسطى، بينما يعاني الشباب والنساء من تراجع فرص العمل ونمو المشاريع الصغيرة، ما يزيد من خطر الاستقطاب الاجتماعي ويقوّض الاستقرار المجتمعي. كما يخلق الفقر المتصاعد ضغوطًا نفسية واجتماعية كبيرة، ويضع البلاد أمام تحد مزدوج يجمع بين الأزمة الاقتصادية الحادة والتأثيرات المباشرة للصراع الإقليمي على الأمن الغذائي والطاقة.

 

فما الحل؟

 

في ظل هذه الضغوط، يظهر سؤال أساسي: كيف يمكن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؟ التجربة اللبنانية خلال السنوات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن القطاع الخاص يشكل اليوم الرئة الاقتصادية الأساسية، فهو القادر على ضخ قدر من النشاط والإنتاج في الاقتصاد الوطني، حتى في ظروف غير مستقرة. لذلك يصبح تعزيز هذا القطاع وحمايته شرطًا ضروريًا للحفاظ على القدرة الإنتاجية ومنع مزيد من الانكماش الاقتصادي.

 

لقد أثبت القطاع الخاص خلال جائحة كوفيد-١٩ قدرته على الصمود والابتكار في ظروف شديدة التعقيد، من خلال تطوير طرق عمل جديدة للتكيف مع القيود الصحية وسلاسل الإمداد المضطربة، وتمكين الأسواق المحلية من الحصول على منتجات إضافية بنسبة تتراوح بين ١٠٪ و١٥٪ رغم التحديات. لم يقتصر هذا التكيف على استمرار الإنتاج فحسب، بل ساهم أيضًا في تعزيز قدرة المؤسسات على الابتكار وإعادة تنظيم عملياتها التشغيلية، كما أطلقت العديد من الشركات مبادرات لتطوير مهارات العاملين، مما ساهم في الحفاظ على آلاف الوظائف في فترة شهدت فيها الأسواق العالمية فقدانًا واسع النطاق للوظائف.

 

وفي خضم الأزمة الاقتصادية الحالية، اتخذ القطاع الخاص اللبناني خطوات عملية للتخفيف من آثار الصدمات المتلاحقة. فقد بادرت شركات الإنتاج والتوزيع إلى تنسيق جهودها عبر شبكات لوجستية مشتركة ساهمت في خفض تكاليف النقل والتوزيع بنسبة تتراوح بين ١٥٪ و٢٠٪، وفق تقديرات خبراء اقتصاديين، ما أدى إلى تحسين وصول السلع إلى الأسواق المحلية بسرعة أكبر وبكلفة أقل. كما أطلقت بعض الشركات برامج تمويل داخلي مرنة لدعم استمرارية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، في محاولة للحفاظ على النشاط الإنتاجي المحلي رغم تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

 

ولضمان استمرار هذا الدور الحيوي، اتخذت عدة مؤسسات محلية ودولية خطوات عملية لدعم الشركات اللبنانية. تشير تصريحات ممثلي الهيئات الاقتصادية إلى أن المخزون الغذائي في لبنان يكفي لعدة أشهر رغم التوترات الإقليمية، في حين يواصل القطاع التجاري التكيف مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وشهدت المرحلة الأخيرة اجتماعات بين ممثلي شركات الشحن والجهات الحكومية لبحث سبل خفض كلف النقل وضمان استمرارية الإمدادات في ظل المخاطر الجيوسياسية.

 

إلى جانب هذه الجهود المحلية، قدم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والاتحاد الأوروبي دعمًا لعدد من الشركات اللبنانية، لا سيما الصغيرة والمتوسطة، من خلال برامج تمويل تهدف إلى تعزيز كفاءتها التشغيلية وقدرتها على الابتكار والتكيف مع التحديات الاقتصادية الراهنة. كما شهدت المرحلة الأخيرة نشاطًا متزايدًا لعدد من الجمعيات الاقتصادية التي نظمت ورش عمل ولقاءات تجمع أصحاب الأعمال لتبادل الخبرات ومناقشة حلول عملية للحفاظ على استمرارية الشركات. وفي هذا السياق، برز توجه واضح لدى رواد الأعمال نحو تسريع التحول الرقمي واعتماد المنصات الإلكترونية لتوسيع نطاق التسويق والمبيعات، في محاولة لتعويض ضعف القدرة الشرائية في السوق المحلية.

 

كل هذه المبادرات تعكس حقيقة مهمة: القطاع الخاص اللبناني لا يزال يمتلك قدرة استثنائية على التكيف وإدارة الأزمات. غير أن استمرار هذا الدور يتطلب بيئة اقتصادية وتنظيمية أكثر استقرارًا، لأن قدرة هذا القطاع على الصمود ليست غير محدودة. فارتفاع تكاليف التشغيل، من كهرباء ومياه ووقود ورواتب وتأمينات، وتراجع الطلب الداخلي وعدم وضوح السياسات الاقتصادية، كلها عوامل تضغط على قدرة الشركات على الاستمرار وتحد من قدرتها على الاستثمار والتوسع، ما يجعل إشراك القطاع الخاص في رسم السياسات الاقتصادية ضرورة عاجلة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

 

لذلك، لم يعد إشراك القطاع الخاص خيارًا ثانويًا، بل أصبح عنصرًا أساسيًا لأي استراتيجية للتعافي. فالقطاع الخاص لا يشكل فقط محركًا للنمو الاقتصادي، بل يمثل شبكة أمان اجتماعية توفر فرص العمل وتساهم في الحد من الضغوط المعيشية التي يواجهها المواطنون يوميًا. ومع ذلك، لا يمكن لأي اقتصاد أن يعتمد على صمود القطاع الخاص وحده، فبدون إصلاحات مؤسسية حقيقية واستقرار سياسي وسياسات اقتصادية واضحة، ستبقى قدرة هذا القطاع على التعويض محدودة.

 

كما يجب تعزيز التحول الرقمي والتصدير لتخفيف الاعتماد على الطلب المحلي الضعيف وفتح قنوات جديدة للأسواق الخارجية، وفي الوقت نفسه الاستثمار في الطاقة والبنية التحتية والخدمات الأساسية لخفض تكاليف الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية للشركات اللبنانية، كما يقوم بعض رجال الأعمال اللبنانيين الذين ما زالوا يؤمنون ببلادهم رغم كل الصعوبات بمبادرات صغيرة وكبيرة لدعم الاقتصاد المحلي وتعزيز الاستدامة، مما يعكس روح المثابرة والإصرار على مواجهة التحديات وبناء مستقبل أفضل.

 

وفي النهاية، في زمن الحروب والأزمات المتلاحقة، لا يملك لبنان رفاهية الانتظار أو الحلول المثالية، لكن ما أثبتته التجربة هو أن القطاع الخاص يبقى اليوم المساحة الاقتصادية الوحيدة التي تنتج وتبتكر وتوفر فرص العمل رغم كل الصدمات. إن حماية هذه القدرة الإنتاجية وتعزيزها لم تعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبحت ضرورة وطنية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. فبين الانكماش والانهيار، يبقى الرهان الحقيقي على تمكين القوى الاقتصادية الحية في المجتمع من الصمود والعمل. ومن هذا الصمود قد تبدأ الطريق نحو إعادة بناء اقتصاد أكثر مرونة وثقة بالمستقبل.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 3/12/2026 9:20:00 PM
نتنياهو: حققنا إنجازات كبيرة ضد إيران وحزب الله سيدفع ثمناً باهظاً
لبنان 3/11/2026 9:01:00 PM
تحذيرات ديبلوماسية من اجتياح بري إسرائيلي للمنطقة العازلة خلال ساعات وسط تهديدات بتوسيع العمليات إلى كل لبنان.
لبنان 3/12/2026 7:46:00 PM
تصعيد إسرائيلي يطاول قلب بيروت بغارات على الباشورة وزقاق البلاط والضاحية، وسلام يؤكد العمل لوقف الحرب وسط مخاوف من توسّع الاستهدافات في العاصمة.
لبنان 3/12/2026 8:24:00 PM
إنذار إسرائيلي بإخلاء مبنى في حي العمروسية بالضاحية… ونفي صحة إنذار مماثل في فردان