دولة "المصفّرة"
لم تعد الأزمة اللبنانية مجرد تعثر سياسي أو اقتصادي تقليدي، بل تحولت إلى حالة من الفصام البنيوي المزمن. وحادثة ضبط شحنة متفجرات ضهر البيدر تفتح الباب أمام نقاش حقيقي يتجاوز الشكليات القضائية، كإحالة الملف إلى المجلس العدلي من عدمها. فالمسألة الجوهرية لا تتعلق بالجهة القضائية التي تتولى الملف، بل في غياب الجدية المفقودة سلفاً في التحقيق والملاحقة أمام منظومة "الدولة العميقة" التي تحمي النشاط العسكري والأمني الخارج عن القانون، مكرسةً ذهنية الإفلات من العقاب رغم القرارات الحكومية الواضحة، التي لم تنتقل إلى حيِّز التنفيذ رغم كونها متخذة في مجلس الوزراء الذي يعود له بحسب الدستور اتخاذ القرارات ووضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات.
الانكشاف الأمني القائم والمستمر، على خطورته، يتزامن مع انصراف كامل عن الأساسيات. حيث أن لبنان يعيش مفارقة مالية واقتصادية غير مسبوقة تكاد تكون الأغرب في التاريخ المالي الحديث. فخلافاً للمظاهر السائدة والخطاب الرسمي المستكين، أصبحت الدولة اللبنانية اليوم في وضع مالي "نظيف" محاسبياً، بعد أن تمكنت، بفعل الانهيار المالي الشامل وتلاشي قيمة العملة الوطنية، من تصفير دينها العام الداخلي وتذويب التزاماتها المالية بالليرة اللبنانية، فضلاً عن التحلل الفعلي من عبء خدمة اليوروبوندز. فقد تحررت ميزانية الدولة من الأغلال التي كبلتها لعقود، من الناحية الدفترية، وهو وضع استثنائي تحلم به أي دولة تسعى لإعادة بناء اقتصادها من نقطة الصفر.
ورغم هذه الفرصة "الصفرية" المتاحة لإعادة الإقلاع، تصر الحكومة على الإقامة في مستنقع الانتظار الطويل. وبدلاً من الإقدام على طرح مشاريع إنتاجية جريئة تستثمر موارد الدولة وأملاكها ومرافقها العامة والسيادية كالمرافئ والمطار والاتصالات لإعادة ضخ الحياة في الشرايين الاقتصادية، تمارس السلطة التنفيذية برودة قاتلة وكأن الدنيا بألف خير. وهذا التقاعس الحكومي يثبت أن العقدة لم تعد كما في السابق في نقص الأموال أو في تضخم الدين العام وغياب القدرة على التمويل، بل تكمن في غياب الإرادة والرؤية السياسية التي تقيّدها الصراعلت والتوازنات داخل الجماعة السياسية الحاكمة.
وفي غمرة هذا الجمود المصطنع، يدفع المواطن اللبناني الثمن مضاعفاً، بعد أن تحللت وتلاشت مدخراته في المصارف واستفادت الدولة منها في تصفير ديونها. إذ تتداخل المخاوف الأمنية وتوقعات عودة الحرب مع الشلل الخدماتي شبه التام. الإدارة الداخلية للشؤون الحياتية معطلة، والقطاعات الحيوية من كهرباء ومياه واتصالات متهالكة ومتروكة للتحلل الذاتي دون أي انكباب فعلي على المعالجات المطلوبة.
إن الرابط البنيوي بين هذه الأبعاد للأزمة واضح لأن الدولة نفسها عبر سلطاتها ولا سيما السلطة التنفيذية وعبر أجهزتها المرتبطة بها، لا تزال في حالة من التخلّي عن سيادتها وأمنها لصالح التنظيمات العسكرية الخارجة عن القانون، بحسب توصيف مجلس الوزراء، والشحنات المتفجرة العابرة للمناطق، وهي نفسها الدولة التي ما تزال مستقيلة من دورها الإنمائي والخدماتي، وتفضل الحلول السهلة عبر جباية الضرائب لتغطية مصاريفها التشغيلية الفورية على حساب الاستثمار المنتج، رغم الخطاب المغاير الذي يصدر عنها، كما في كلام رئيس الحكومة اول أمس عن تشجيع اقتصاد الانتاج وتحديداً الصناعة.
لبنان دولة تملك الموارد وتفتقد السيادة، تتخذ القرارات ولا تملك القدرة أو النية للتنفيذ. والمطالبة يجب أن تتركز على فرض انتقال فعلي إلى نهج سيادي جديد لأجهزة الدولة، لا يكتفي بامتصاص الغضب دون ملاحقة جدية. نهج يربط بين استعادة السيادة الأمنية المطلقة على كامل الأراضي اللبنانية، وبين وضع الأصول والمرافق الإنتاجية في خدمة خطة تعافٍ حقيقية تخرج اللبنانيين من مستنقع الانتظار.
نبض