الناخب الإسرائيلي قال كلمته فهل يتّعظ اللبناني؟

كتاب النهار 28-10-2026 | 13:54

الناخب الإسرائيلي قال كلمته فهل يتّعظ اللبناني؟

من الانهيار المالي وهدر الودائع إلى حروب الإسناد وانفجار المرفأ
الناخب الإسرائيلي قال كلمته فهل يتّعظ اللبناني؟
انتخابات لبنان.
Smaller Bigger

ترقب اللبنانيون بحماسة وقلق الانتخابات الإسرائيلية، لما لنتائجها من ارتدادات أمنية وعسكرية على المشهد اللبناني المأزوم بسبب حرب إسرائيل على لبنان. والمفارقة أن التعويل اللبناني على الناخب الإسرائيلي وقدرته على استخدام صندوق الاقتراع لمساءلة بنيامين نتنياهو عن سياساته الداخلية والخارجية، وعن طريقة إدارة الحروب وتداعياتها، يقابله عجز الناخب اللبناني عن مساءلة المسؤولين عن قرارات وسياسات ساهمت في إدخال البلاد في حروب مدمّرة، وتبديد مواردها، وإضعاف مؤسساتها، وتعميق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

هل يستطيع اللبنانيون تحويل أصواتهم إلى أداة فعلية؟

 

ما يدفع إلى هذه المقارنة، أن اللبنانيين ينظرون دائماً إلى العامل الخارجي وتأثيره في سياساتهم وأوضاعهم الداخلية، من دون إعطاء حيز من الانتباه أو الاهتمام لمدى فاعلية الصوت الناخب في المساءلة والمحاسبة. صحيح أن المقارنة لا تعني بالضرورة أن الانتخابات الإسرائيلية تضمن إقصاء نتنياهو أو محاسبة جميع المسؤولين بالمعايير نفسها، لكنها تطرح مبدأ سياسياً واضحاً: لا ينبغي أن يكون المسؤول محصّناً ضد المساءلة الانتخابية، مهما طال بقاؤه في السلطة. فهل يستطيع اللبنانيون تحويل أصواتهم إلى أداة فعلية لتقييم أداء القوى السياسية الحاكمة، وبذلك يكافئون الإدارة الجيدة ويحجبون الثقة عمن أخفقوا؟

 

الواقع أن المساءلة السياسية لا تعني توجيه اتهامات غير صحيحة، ولا تختزل في مسؤولية قانونية أو جنائية لا تثبت إلا بالأدلة والإجراءات القضائية. فالناخب ليس متفرجاً على الحياة العامة، بل يشارك في إنتاج السلطة أو تغييرها، وإن كانت خياراته تتأثر بظروف اقتصادية وطائفية وأمنية معقدة.

 

أدوات وأدوار

صحيح أن المنظومة السياسية تستفيد أحياناً من التحالفات الطائفية، وشبكات المصالح، والخدمات الزبائنية، والخطاب الذي يستحضر المخاوف الوجودية عند كل استحقاق، إلا أن استمرار بعض مكوناتها يرتبط أيضاً بأصوات تجدّد الثقة بها، أو تمتنع عن محاسبتها، أو تقبل مقايضة الحقوق بالخدمات الموقتة. ولا يعني ذلك تحميل الناخب مسؤولية مساوية لمسؤولية صاحب القرار، بل الإشارة إلى دوره في تجديد السلطة أو الحد من قدرتها على الاستمرار.

 

وفي لبنان، غالباً ما تتحول الحروب ونتائجها إلى أدوات تعبئة واصطفافات جديدة، بدل أن تكون مناسبة لمراجعة قرارات ساهمت في الدمار والتهجير والخسائر الاقتصادية. غير أن تحديد المسؤولية يتطلب التمييز بين من اتخذ القرار، ومن أيّده أو غطّاه، ومن عجز عن منعه، ومن تضرر منه. فهذه أدوار مختلفة لا يجوز جمعها في حكم واحد.

 

المنافسة بين نتننياهو وآيزنكوت (تصميم النهار).
المنافسة بين نتننياهو وآيزنكوت (تصميم النهار).

 

 

والتجارب كثيرة وفاضحة، من الانهيار المالي وهدر الودائع إلى حروب الإسناد وانفجار المرفأ، حيث كانت الجرائم أفظع من العقل، ولم تتم محاسبة مسؤول أو إقالة وزير! حتى انتفاضة ٢٠١٩ التي رسمت طريق التغيير وأعطت الأمل بإمكان تحقيقه، أحبطتها المنظومة السياسية بعدما استشعرت الخطر على وجودها وكينونتها.

 

 

تتجاوز المحاسبة السياسية مسؤولية من اتخذ قرار الحرب أو زجّ البلاد في صراعات تفوق قدرتها، لتشمل من ساهم في تعطيل الإصلاحات، أو في سوء إدارة المال العام، أو عرقل بناء مؤسسات قادرة على حماية اللبنانيين. لكن المسؤولية القانونية تختلف عن المسؤولية السياسية والشعبية. فالإدانة القانونية لا تثبتها الحملات الانتخابية أو الاتهامات الإعلامية، بل تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وأدلة وإجراءات تضمن حق الدفاع.

 

أما المسؤولية السياسية، فيستطيع الناخب تقييمها على أساس القرارات والنتائج والشفافية، حتى عندما لا تتوافر شروط الإدانة القضائية. وتبقى الرقابة العامة والإعلامية، إلى جانب دور المجتمع المدني، أدوات أساسية لكشف الوقائع ومتابعة الأداء ومساءلة أصحاب القرار.

 

المسؤولية الشعبية

يستطيع اللبنانيون عدم تجديد الثقة بالمسؤولين الذين يرون أنهم أخفقوا في إدارة الشأن العام. لكنهم لا يفعلون بسبب رفضهم التخلي عن الزعيم، ويرضخون لتحويل الطائفة أو الخوف أو المنفعة الآنية إلى بديل من المساءلة. فالصوت الانتخابي ليس حكماً قضائياً، بل قرار سياسي وشعبي في شأن أهلية المرشح للاستمرار في السلطة. وهو تفويض مشروط، يمكن تجديده أو سحبه.

 

وربما يعود ذلك إلى عدم وجود بدائل جدية، وبرامج قابلة للتنفيذ، ومرشحين مستقلين عن شبكات المصالح، وتنظيم قادر على تحويل الاعتراض الشعبي إلى قوة انتخابية.

 

ويتطلب الأمر وعياً بأن المسؤولية الشعبية لا تنتهي يوم الاقتراع، بل تستمر عبر متابعة الأداء، وطلب الشفافية، ودعم التحقيقات المستقلة، ومقاومة محاولات تبرير الفشل أو نسبته دائماً إلى الآخرين.

 

في المقابل، لا ينبغي استخدام مفهوم المسؤولية الشعبية لتبرئة أصحاب القرار أو مساواة المواطنين بالجهات التي تملك أدوات السلطة والموارد والنفوذ. فالناخب يملك ورقة الاقتراع، بينما يملك المسؤولون القدرة على اتخاذ القرارات وتوجيه السياسات والتأثير في المؤسسات.

في المحصلة، لا تكمن العبرة في أن يحاسب الإسرائيلي نتنياهو، بل في أن يدرك اللبناني أن قدرته على التغيير تبدأ من قراره الانتخابي، من دون أن يكون هذا القرار بديلاً من القضاء أو الإصلاح المؤسسي. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/26/2026 7:57:00 PM
توفي يشاي زيمرمان عن 93 عاماً، بعدما ارتبط اسمه بالاستيلاء على طائرة مدنية من مطار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في واقعة انتهت باعتراضه بمقاتلتَي "إف-16" واتهامه بالنهب.
اقتصاد وأعمال 10/27/2026 9:14:00 AM
انخفاض البنزين وارتفاع المازوت والغاز... كم بلغت الأسعار؟
اسرائيليات 10/27/2026 11:20:00 AM
ماذا عن النتائج غير الرسمية التي تعلنها الأحزاب؟