باب المندب... تحدّيات الأمن والاستقرار
عكست اللقاءات الإماراتية السعودية الأخيرة مستوى متقدماً من التنسيق السياسي والأمني في مواجهة التطورات الإقليمية. وجاءت لتؤكد حرص أبو ظبي والرياض على تقارب المواقف تجاه التحديات المشتركة...
أصبح أمن باب المندب مرتبطاً بصورة مباشرة بنتائج المعارك على الساحل الغربي لليمن. فالتقدم الحوثي ثم الهجوم المضاد الذي شنّته القوات المناهضة للجماعة وضعا المواقع القريبة من المضيق في صلب المواجهة العسكرية. ورغم استعادة مناطق ساحلية، فإن استمرار القتال وتنازع السيطرة على بعض المواقع يجعلان الاحتفاظ بالمكاسب الميدانية عاملاً مهماً في حماية حركة الملاحة والتجارة الدولية.
يستطيع الحوثيون مواصلة تهديد السفن بالصواريخ والمسيّرات والزوارق المفخخة حتى بعد خسارة مواقع ساحلية. وتؤدي مخاطر الهجمات إلى ارتفاع كلفة التأمين البحري ودفع شركات الملاحة إلى تغيير مسارات سفنها. لذلك يختلف انتزاع المواقع المطلة على المضيق عن تحييد مصادر الخطر عليه. فالمراقبة البحرية واعتراض الهجمات وتعطيل شبكات التسليح تتطلب قدرات دفاعية متخصصة وتعاوناً استخباراتياً مستمراً.
وأثبتت ألوية العمالقة والتشكيلات الجنوبية المشاركة في معارك الساحل الغربي قدرتها على مواجهة الحوثيين واستعادة مواقع استراتيجية. وتمنحها خبرتها الميدانية ومعرفتها بالجغرافيا دوراً مهماً في أي ترتيبات أمنية مقبلة. لكن القوات المناهضة للحوثيين تضم أيضاً المقاومة الوطنية وقوات حكومية وتشكيلات محلية أخرى، مع اختلاف قياداتها ومواقع انتشارها. فالقدرة على التحرير تحتاج إلى قيادة مشتركة وخطوط إمداد وإدارة مستقرة للمناطق المستعادة.
واختار اللواء عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، العودة إلى الخطاب العلني عشية ذكرى ثورة 14 أكتوبر، رابطاً التعبئة للدفاع عن الجنوب بمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة الدولية. وأعاد التمسك بالإعلان الدستوري ومطلب استعادة الدولة الجنوبية، مع إدانة الاعتداءات على المنشآت المدنية السعودية. يعكس الخطاب سعياً لاستعادة المبادرة السياسية وتقديم المجلس الانتقالي شريكاً أمنياً، وتحويل الدور الميداني للقوات الجنوبية إلى حضور سياسي في أي تسوية يمنية مقبلة.
وجاءت الحشود الجماهيرية التي شهدتها عدن وعدد من المحافظات الجنوبية في ذكرى 14 أكتوبر لتعكس استمرار التأييد الشعبي للمجلس الانتقالي ومشروعه السياسي. وتمنح تلك التحركات القضية الجنوبية زخماً إضافياً، خاصة مع التحولات العسكرية والسياسية التي يشهدها اليمن.
ارتفعت الأهمية الاستراتيجية لباب المندب مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز خلال المواجهة الأميركية الإيرانية. فتعرُّض الممرين للتهديد يضع صادرات النفط الخليجية وحركة التجارة عبر البحر الأحمر أمام مخاطر متزامنة. ويؤدي استمرار الخطر في كلا المضيقين إلى زيادة احتمالات تعطل الإمدادات وارتفاع أسعار النفط، مع انعكاسات مباشرة على الدول المصدرة والمستوردة.
وعكست اللقاءات الإماراتية السعودية الأخيرة مستوى متقدماً من التنسيق السياسي والأمني في مواجهة التطورات الإقليمية. وجاءت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وزير الدفاع السعودي، ولقاؤه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات، لتؤكد حرص أبو ظبي والرياض على تقارب المواقف تجاه التحديات المشتركة. ويجري التشاور في ظل استمرار الحرب في اليمن والتهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر، انطلاقاً من أن أمن الخليج مسؤولية مشتركة، وأن استقرار المنطقة يتطلب تنسيقاً خليجياً فاعلاً في إدارة الأزمات.
ويجب أن يكون أمن باب المندب جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية للحرب في اليمن. فوقف المعارك البرية مع استمرار قدرة الحوثيين على استهداف السفن سيبقي البحر الأحمر عرضة لتهديدات جديدة. ومن الضروري أن تتضمن التفاهمات المقبلة التزامات واضحة بوقف الاعتداءات البحرية ومنع تهريب الأسلحة، مع آليات تضمن تنفيذها. ويمكن للتنسيق الإماراتي السعودي أن يدعم التوصل إلى ترتيبات تعالج المخاطر الأمنية إلى جانب الخلافات السياسية بين الأطراف اليمنية.
والأقدر على حماية باب المندب هو من يستطيع منع تجدد التهديدات وضمان أمن المناطق الساحلية. وللقوات الجنوبية دور أساسي تكمله القدرات البحرية والدفاعية للشركاء الخليجيين والدوليين، على أساس تفاهم سياسي يحدد المسؤوليات. فاستقرار المضيق يحتاج إلى أكثر من تبدل خطوط السيطرة، وإلى ترتيبات تمنع استخدامه مجدداً أداة للابتزاز.
*كاتب إماراتي
نبض