لماذا تعارض الدولة اللبنانية الخصخصة مخرجاً جدياً لاستقطاب الاستثمارات؟

مقالات 16-10-2026 | 14:42

لماذا تعارض الدولة اللبنانية الخصخصة مخرجاً جدياً لاستقطاب الاستثمارات؟

المشكلة في لبنان ليست في عدم توافر الفرص، بل في غياب الحوكمة والإرادة السياسية. فالخصخصة الناجحة تحتاج إلى منافسة حقيقية وهيئات ناظمة مستقلة وعقود شفافة تحمي الدولة والمستهلك معاً.
لماذا تعارض الدولة اللبنانية الخصخصة مخرجاً جدياً لاستقطاب الاستثمارات؟
كهرباء زحلة
Smaller Bigger

فتح قرار مجلس الوزراء تجديد عقد شركة امتياز كهرباء زحلة لمدة ٤ سنوات إضافية، النقاش مجدداً حول أهمية إشراك القطاع الخاص في رفد قطاعات خدماتية أساسية بالتمويل من أجل إنعاشها، بعدما أثبتت التجارب أن إدارة المؤسسات الخاصة للمرافق تتسم بالجدية والمسؤولية والربحية، بعيداً من منطق المحاصصات والزبائنية الذي يطغى على عمل مؤسسات القطاع العام.

 

 

وتشكل كهرباء زحلة نموذجاً ناجحاً لهذه الإدارة، حيث ينعم أبناء المدينة وأكثر من ١٣ قرية وبلدة في محيطها بالتيار، فيما تعاني المناطق اللبنانية الأخرى درجة عالية من التقنين والاعتماد على المولدات الخاصة التي تستنزف القدرة الشرائية للمستهلكين.

 

الخصخصة تصطدم بأكثر من عائق

وفي وقت يحتاج فيه لبنان إلى استقطاب الاستثمارات الخارجية والداخلية لإعادة تحريك اقتصاده وتحديث بنيته التحتية وتخفيف الأعباء عن المالية العامة، تبدو الخصخصة إحدى الأدوات القادرة على تحقيق هذه الأهداف. لكن هذا الخيار لا يزال يصطدم بأكثر من عائق، أبرزها استمرار الضغوط الدولية التي تحاصر الاقتصاد، وتحول دون فتح الباب أمام الاستثمارات العربية والأجنبية تحت ذريعتين، أولاهما استمرار سيطرة السلاح غير الشرعي ونفوذ "حزب الله" الذي يدفع الرساميل نحو توظيفات أكثر أماناً، ولا سيما في ظل الوضع الأمني غير المستقر، وثانيتهما غياب التشريعات المحفّزة والضمانات القانونية للمستثمرين، والخلافات السياسية حول دور الدولة وحدود الشراكة مع القطاع الخاص. وبينما تتنافس دول المنطقة على استقطاب رؤوس الأموال، وتستقطب سوريا الجزء الأكبر منها، لا يزال لبنان عاجزاً عن تحويل أصوله ومؤسساته العامة إلى فرص استثمارية واضحة، في غياب قرار سياسي لاعتماد هذا الخيار، ورؤية اقتصادية متكاملة وإصلاحات تتيح المنافسة والشفافية وتحمي حقوق الدولة والمستثمرين معاً.

 

 

فرص الخصخصة

فرص الخصخصة في لبنان عديدة وتتوزع على قطاعات الاتصالات والكهرباء والطيران والمرافئ والمياه وإدارة النفايات، ولكن لم تكن كل التجارب محفزة لمشاركة القطاع الخاص في ظل المخاوف من الاحتكارات، كما حصل في ملف الخليوي، حيث نجحت تجربة عقدي الـBOT، وفشلت الدولة في طرح الترخيص الثالث لفتح باب المنافسة، ومنع الحصرية، وهذه هي حال شركة الطيران مثلاً حيث الحصرية لـ"المبدل إيست"، فيما يحظر فتح باب التنافس وتتحكم الشركة في الأسعار والخدمة.

 

قد يكون قطاع الاتصالات أحد أبرز القطاعات القادرة على جذب المستثمرين وتحقيق إيرادات للخزينة. إلا أن قانون خصخصة الاتصالات الصادر عام 2002 لم يُنفّذ، ولا تزال شركتا الخليوي "ألفا" و"تاتش" مملوكتين للدولة. وبالتالي، فإن القطاع لم يشهد خصخصة فعلية، رغم إمكاناته المالية والتشغيلية. وليس هناك أيّ طرح جدي اليوم في اتجاه خصخصة هذا القطاع. أما الكهرباء فتمثل التجربة الأكثر فشلاً، إذ لم يُطبّق قانون تنظيم القطاع رقم 462 لعام 2002، واستمرت مؤسسة كهرباء لبنان في تكبّد الخسائر، فيما لم تنجح مشاركة شركات خاصة في التوزيع والجباية في معالجة الأزمة البنيوية. وعلى الرغم من طروحات التوجه نحو إشراك القطاع الخاص عبر عقود الـBOT، وكان هذا الموضوع على طاولة المشاورات مع وزير الطاقة ومع رئيسي المجلس والحكومة، او حتى كما حصل مثلاً في تلزيم الجباية لشركات مقدمي الكهرباء، فإن المحاولات السابقة لم تفض إلا إلى فشل. ولا تستبعد مصادر نيابية متابعة لهذا الملف أن يكون مصير المحاولات الجارية اليوم كسابقاتها، في ظل تحكم مافيوي نافذ في القطاع.

 

 

الأكثر استقطابا للمستثمرين

توازاياً، يبدو قطاع المرافئ والمطار الأكثر استقطاباً اليوم لشهية المستثمرين، ويبدو ذلك واضحاً من الانخراط الكامل لمجموعة CMACGM، لكن الأمر لم يرقَ بعد إلى مستوى الخصخصة الكاملة، فيما يمكن عقود الامتياز والشراكة مع القطاع الخاص تطوير البنية التحتية وتحسين الإدارة، شرط الشفافية والمنافسة. ويلاحظ في موضوع مرفأي بيروت وطرابلس أو مطار القليعات الجاري العمل على فتحه، أو حتى مرفأ جونيه الذي كان بلغ مراحل متقدمة لتسيير خطوط بحرية، أن قرار الاتكال على القطاع الخاص ليس حاسماً، حيث يجري العمل "بالقطعة" لتمرير بعض المشاريع، وصولاً إلى توفير تمويل إضافي يرفد الخزينة.

 

 

وكما في القطاعات الآنفة الذكر، كذلك في قطاعي النفايات والبريد، حيث أظهرت التجارب في هذين القطاعين أن إسناد الخدمات إلى شركات خاصة لا يضمن النجاح، إذا غابت المحاسبة والرقابة. وهذا يقود إلى خلاصة أن المشكلة في لبنان ليست في عدم توافر الفرص، بل في غياب الحوكمة والإرادة السياسية. فالخصخصة الناجحة تحتاج إلى منافسة حقيقية وهيئات ناظمة مستقلة وعقود شفافة تحمي الدولة والمستهلك معاً. ولبنان لا يزال يخطو خطواته ببطء نحو هذا المسار، فهو أنجز ملف تعيين الهيئات الناظمة، لكنها حتى الآن لم تخطُ أيّ خطوة نحو تنظيم القطاعات التي تتولاها!

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
ايران 10/15/2026 7:19:00 AM
تزن "أم القنابل" نحو عشرة أطنان، واستخدمتها الولايات المتحدة للمرة الأولى في أفغانستان عام 2017. فما قدراتها، ولماذا تختلف عن السلاح المصمّم لضرب المنشآت المحصّنة تحت الأرض؟
لبنان 10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.
لبنان 10/15/2026 12:05:00 PM
السجناء لم يستمرّوا في الإضراب عن الطعام والأدوية مع صدور قرار مجلس الدستوري حول الطعن بقانون منح عفو عام وخفض مدّة العقوبات بشكل استثنائيّ، لكن أصابت عدداً منهم حالٌ من الغضب الذي تكتنفه الكآبة، على ما حصل التعبير عنه.