لم يعد لأكراد العراق سوى العمل مع حكومته الرسمية والاعتماد عليها
فيما يحتفل العراق بانسحاب قوات "التحالف" من أرضه، لا يبدو أن الأكراد العراقيين في مزاج احتفالي مماثل. يعتقد باحث كردي في مركز أبحاث "لندن ديالوغ" أن الأكراد يشعرون بأن الانسحاب يحتاج إلى جنازة لا إلى احتفال. "هو ليس جيدا لكنه قرار عراقي.
لقد طلبوا منهم المجيء إلى بلادهم والآن يقولون لهم لم نعد في حاجة إليكم"، يقول قائد عسكري كردي صار رجل أعمال هو سيروان بارزاني. يضيف أنه يرى تصاعداً وزيادة في حركة مجاهدي مجاهدي "الدولة الإسلامية"، وأن قوته كما قوات الحكومة العراقية لاحظت أربع أو خمس خلايا إسلامية تتحرك قرب مقاطعة مخمور في حاكمية نينوى بعد أشهر من عدم قيام الجماعة بأي نشاط. وهذا أمر مقلق ومنذر، يقول بارزاني. "نعرف ما حصل في 2014. الآن وبالتأكيد سيكون هناك نشاط لخلايا إرهابية، ونحن نستطيع أن نرى ذلك". مع ذلك فإن القوات العراقية والكردية هي أكثر تدريبا وتنظيما الآن مما كانت في 2014. في ذلك العام استولت "الدولة الإسلامية" على ثلث الأرض العراقية وعلى أجزاء واسعة من الأراضي السورية. في أيّ حال، دفعوا خارج العراق في 2017 وخارج سوريا في 2019. كان ذلك بفعل هجمات مضادة نفذتها قوات محلية بدعم من "التحالف".
في 2024 اتفق الرسميون الإيرانيون والعراقيون على أن تنسحب قوات التحالف من العراق في 30 أيلول 2026. أكبر تهديد للأكراد العراقيين اليوم ليس "الدولة الإسلامية" بل الهجمات المستمرة للمسيّرات الإيرانية. يحصل ذلك في إطار الصراع بين واشنطن والأكراد الذين يمكن أن يساعدوا الأكراد الإيرانيين لتنفيذ عمليات ضد النظام الإسلامي في إيران.
في يوم انسحاب قوات التحالف ضربت مسيّرة إيرانية مخيماً مدنياً يؤوي أكراداً إيرانيين قرب كردستان العراق. ومنذ 28 شباط الماضي يوم شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران واجهت المنطقة الكردية في العراق هجمات نحو ألف مسيّرة وصاروخ من إيران ومن المجموعات العراقية المسلحة الموالية لها. تسبب ذلك بمقتل نحو 32 شخصا، 19 منهم أعضاء في الأحزاب الكردية الإيرانية. في آذار، سرت إشاعات أن أكراد إيران سينفّذون اجتياحاً برياً لإيران بدعم أميركي وإسرائيلي. في أيّ حال، لم يحصل ذلك. وفي 27 أيلول أكد مكتب المسؤول الإعلامي في الحكومة المحلية والأقليمية الكردية أن المجموعات الكردية الإيرانية مطلعة على الاتفاق الأمني الذي عقد عام 2023 بين أربيل وبغداد وطهران. هدف الاتفاق إلى منع المجموعات الإيرانية الكردية المسلحة من الهجوم على دول مجاورة.
وفي حين حدّد العراق 20 أيلول الماضي موعدا نهائيا لنزع سلاح الميليشيات العراقية استجابة للضغط الأميركي، فقد غيّر موقفه ووضع موعداً نهائياً جديداً لذلك هو 30 حزيران 2027. "التهديد العراقي الداخلي الأول والأكبر يأتي من الميليشيات الموالية لإيران التي هاجمت كردستان العراق والدول المجاورة أكثر من مئة مرة في السنة الحالية". هذا ما قاله جنرال أميركي متقاعد هو مايلز كاغينز، كان ناطقا رسميا لقوات التحالف. أضاف: "تواجه الحكومة المركزية العراقية تحدياً ملحوظاً في نزاعها مع الميليشيات غير القانونية هذه التي تطلق مسيّرات من دون أن تواجه مضاعفات جدية".
لذا لاحظ برزاني يجب أن يزود الأكراد بدفاعات جوية. في النهاية إنها أجواء عراقية. حتى لو لم تكن للعراق دفاعات جوية كافية فهو سيكون ضعيفاً في مواجهة التحديات. لذا تأمل أنهم عندما يزوّدون هذه الدفاعات يمكنهم تزويد كردستان بها أيضا. أما السفير جوي هود المساعد السابق في وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى الذي خدم أيضاً في العراق، فيقول إنه من غير المحتمل توقف الهجمات الإيرانية عبر الشرق الأوسط. يشمل ذلك كردستان العراق أيضا. لم تستهدف إيران فقط الجيش الأميركي بل استهدفت أيضا المصالح الأميركية، وبذلك برّروا ضربهم محطة كهربائية في منطقة كردستان أو مؤسسة تحليل المياه في الكويت. أضاف: "الحكومة الفيديرالية في بغداد والحكومة الإقليمية في أربيل تحتاجان إلى العمل معا ومع شركاء مثل الولايات المتحدة للحصول على أنظمة دفاع جوية ونشرها، إذ إنهما تحتاجان إلى الدفاع ضد هذه الهجمات.
قبل حرب الولايات المتحدة - إيران، استهدفت الأخيرة مع المجموعات المدعومة منها مواقع للقوات الإيرانية المعارضة ولحقول النفط والغاز الكردية وحتى رجال أعمال أكرادا. على سبيل المثال قتل البليونير الكردي بشراو ديزايي وابنته ذات الـ 11 سنة في 16 كنون الثاني 2024 بضربة صاروخية باليستية. كانت الذريعة أن إيران استهدفت مقراً تجسسياً إسرائيلياً. وقال قائد "السينتكوم" الأميركي براد كوبر في 30 أيلول الماضي إن قوات الأمن العراقية، بمن في ذلك "البيشمركة" الكردية، تمتلك الآن القدرة والقيادة والاستقلال العملياتي لمواجهة التهديدات لأرضها. ولكن يا للأسف، يلاحظ ضابط آخر من "السيندكوم" أن حكومة بغداد لن تكون مهتمة كثيراً، وهي قلقة من محاولات خرق المناطق الكردية. لذا على الأكراد أن يعتمدوا على أنفسهم وعلى علاقتهم مع بغداد، وفق مسؤول رسمي في التحالف عمل مستشاراً للبيشمركة الكردية.
يا للأسف، التحالف يغادر الآن. من الجيد دائماً بقاء ما لمواجهة جهود "الدولة الإسلامية" ولاستمرار المساعدة العسكرية. وحده الوقت سيقول إذا كانت هذه الملاحظات صحيحة. في أي حال، قال نيشرفان بارزاني رئيس منطقة كردستان العراق في احتفال وداعي للقوات الأميركية إن الأكراد لا يستطيعون تجنب أمر واحد هو زيادة اعتمادهم على بغداد. يعني ذلك أن المرحلة التأسيسية يقوم خلالها العراق نفسه بدور وطني فاعل ومهم.
نبض