الكتاب ينفع
هل ينفع الكتاب؟ لا يهمّ أنْ ينفع. المنفعة ليست هي الموضوع، ولا هي الغاية.
كلّما ندرت الحاجة إلى الكتاب، كما هي حاله في زمن الخوارزميّات والرقميّات ووسائل التواصل، والعالم الافتراضيّ، ازداد هو قيمةً في ذاته؛ ذات الكتاب، جسمًا وروحًا.
كلّما انعدمت هذه الحاجة، تحرّر الكتاب من كونه حاجة. ومنفعة.
فهو كتابٌ لذاته، وفي ذاته، ومن أجل ذاته، وبمعزلٍ عن أيّ تفسير. وبسببٍ من ذلك، هو حاجةٌ تتخطّى الحاجة.
فهو، وإنْ مُرِّغ، ضرورةٌ كالعقل. كالهواء. كالتخيال. وحاجةٌ تتخطّى الحاجة.
وهو انتقامٌ في المطلق، وانتقامٌ من التشييء النفعيّ، لأنّه كتاب.
واليوم، والآن وهنا، وفي كلّ موضعٍ ومكان، هو انتقامٌ، وأكثر من أيّ زمانٍ وأوان.
فكيف، والحال هذه، لا يكون انتقامًا من كلّ ما يتفّه ويفسد ويشوّه ويسرق ويدمّر ويقتل.
وهو انتقامٌ خاصّ لمدينة بيروت. ولـ لبنان. لأنّهما هما أيضًا كتابان مضرّجان بأيدي الموتورين وتجّار المفرّق والجملة والجهلة والحمقى.
كتابان مضرّجان، صحيح، لكنّهما حقيقتان. وأكثر من حاجتَين، وضرورتَين.
ثمّ إنّ الكتاب انتقامٌ استثنائيّ لكلّ الذين لم ينخرطوا في التتفيه والتشويه والسرقة والتدمير والقتل، وظلّوا شهودًا للحبر، للأنسنة والفروسيّة، ورفضوا تلويث الأيدي والنفوس والعقول بالانغماس في المستنقع الرهيب.
وهو انتقامٌ شخصيٌّ لي. لأنّي اخترته ليكون هو وحده الخيار، من بين كلّ الخيارات الأخرى، المتاح منها وغير المتاح على السواء.
الكتاب... لأنّه كتاب!
***
معرض بيروت للكتاب، ابتداءً من 8 تشرين الأوّل الجاري. خذوه باعتباره هو أيضًا انتقامًا، بما فيه من سمين، أقليلًا كان أم كثيرًا. ولا بدّ من وجود القليل. والأكثر من القليل بقليل.
ثمّ هو برهانٌ. برهانٌ مجّانيّ، هامشيّ، متواضع، وزاهد. برهانٌ على وجودٍ آخر، مضادّ، لا تتيحه الحياة التي "يوفّرها" لنا أهل السفالة والتفاهة والحَيْوَنة والكراسي والمال والنفوذ والسلطة والبلطجة والسمسرة والقتل والظلام مطلقًا، وفي جملتهم بنيامين وترامب وبوتين وإيران و"حزب الله" والإسناد والممانعة والمقاومة، وكلّ مَن اتّصل ويتّصل بهؤلاء وأولئك، هنا والآن، وفي كلّ أوان، ومن هذه الجهة وتلك.
والكتاب انتقامٌ مضاعف لأنّه لا يريد شيئًا. ولا أنْ يمتلك شيئًا. كالحرّيّة. كالشغف. وكالحلم في ليلة صيفٍ أو مطر.
وكالحلم في كلّ وقت.
***
الكتب التي أصدرتُها إلى الآن، هي عدًّا ونقدًا تسعة عشر كتابًا، في معيّتها "كحياةٍ في الجحيم"، الصادر للتوّ لدى "رياض الريّس للكتب والنشر"؛ هذه الكتب لم تُطعِمْني خبزًا، ولم تدفعْ عنّي قسطَ مدرسة وجامعة، ولا فاتورةَ كهرباء. لكنّها فعلتْ فيَّ ما يفعله مجذافٌ في خضمٍّ، وعشبةٌ في خرابٍ، وما تفعله امرأةٌ في رجلٍ، ومطرٌ في صحراء.
الكتب منحتْني موهبةَ أنْ أمثل، كما تمثل شجرةٌ عزلاء على جبل، وأنْ أُخالفَ الموتَ والعدم.
منحتّني السرَّ واللغةَ والشكلَ والمعنى، وهي لا تزال تمنحني الحبَّ والحلمَ والشغفَ والحرّيّة.
لم يشترِ لي الكتابُ يومًا تذكرةَ سفرٍ إلى باريس، ولا أنْ أقيم أسبوعًا ولا حتّى عطلةَ نهايةِ أسبوع في فندقٍ بنجمتين أو بثلاث يطلّ على مقهى، ونهر، لكنّه اشترى لي أنْ أكون مَن أنا عليه، منيعًا، بكرامة، وضجِرًا لا من اللغة والشعر، بل منّي، ومن العالم، ومترفّعًا عمّا آل إليه الشرط البشريّ الأحمق، ومحتقرًا إيّاه، ورافضًا الاشتراك في مقتلته الهائلة.
سيأتي يومٌ، قد يكون قريبًا، يبكي فيه العالم بكاءً مرًّا لأنّه أهدر الكتاب.
والكتاب ينفع. وينفعني. والشاهد فليشهد. وإنّي لشاهدٌ، وإنّي لأشهد!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.
نبض