السيادة الخدماتية
أعلنت وزارة الاتصالات عن المباشرة بإزالة شبكات الانترنت غير المرخصة ودعوة المشتركين إلى الانتقال نحو مزودي الخدمات الشرعيين، وذلك بعد سنوات من تسيّب هذا القطاع وانتشار الشبكات غير المرخصة التي تمدّدت مستبيحة المنشآت العامة حتى أصبحت تفوق الشبكات الشرعية بأضعاف، وهي تحصل على السِّعات من مصادر شرعية لتوزّعها عبر شبكات غير شرعيّة مع ما يترتب على ذلك من خسائر مالية كبيرة للخزينة ومخاطر أمنية لا يمكن إحصاؤها. وهذا الإعلان يثبت أن الدولة تستطيع أن تستعيد وظيفتها حين تريد وبأن القانون الذي لطالما تجاوزته القوى النافذة يمكن أن يستعيد مكانته وأن يخرج من النص إلى التطبيق.
مقال الأسبوع الماضي بعنوان "جريمة الفشل" تناول حال بعض المرافق والخدمات العامة، ومنها قطاع الإنترنت، جاء بلغة قاسية نسبياً. لكنّ القسوة ليست غاية في ذاتها، والكاتب لا يتمنى فشل الوزارة أو الهيئة الناظمة كي يثبت صحة نقده بل العكس. فقيمة النقد أن يدفع إلى العمل، وعندما تتحرّك الإدارة لتعالج الخلل، يحلّ الترحيب محلّ النقد.
تراكم الأزمات وتعمّق الفشل القطاعي أتعب الناس في لبنان، ولم تعد تعنيهم الوعود والخطط. ما يعيد إليهم الأمل ليس الكلام عن إصلاح، بل رؤية التنفيذ الفعلي يحصل أمامهم. لأن المواطن حين يرى الدولة تستعيد قطاعاً متروكاً للفوضى، يستعيد الأمل ويبدأ بالاعتقاد بأن الأمر نفسه ممكن في قطاعات أخرى، وبأن التدهور الذي عاشه سنوات طويلة ليس قدراً.
ينتظر المواطنون خطوات مماثلة في سائر القطاعات. يأملون وجود دولة لا تتعايش مع المولدات الخاصة وصهاريج المياه كأنها نموذج اقتصادي دائم وجزء طبيعي من الحياة، وذلك بعد عقود من التعامل مع الفوضى كتسوية لبنانية لا يمكن المساس بها.
في القطاعات الخدماتية أنشئت الهيئات المنظمة لكي تقوم بدور أساسي هو فصل الخدمات الأساسية عن السلطة السياسية المباشرة وبالتالي تحريرها من الزبائنية القائمة، ولهذا عليها ألّا تكتفي بكتابة الدراسات والخطط أو أن تتحوّل إلى طبقة إضافيّة من البيروقراطية، بل أن تغيّر هذا الواقع.
إن الترحيب بخطوة وزارة الاتصالات لن يعفيها من المتابعة إلى أن تقترن بالتنفيذ الكامل، ونجاحها المأمول سيرفع سقف التوقعات. لأن هذا النوع من العمل هو ما يحتاج إليه اللبنانيون كي يستعيدوا الثقة. والكتابة القاسية أحياناً ليست موقفاً من أشخاص بل هي موقف من الاستسلام للأمر الواقع ومن التسليم بعجز الدولة عن استعادة دورها.
إن خطوة وزارة الاتصالات إذا ما تمت متابعة تنفيذها الفعلي على الأرض، واقترنت بخطوات لتسهيل تمديد الشبكات الشرعية وتفعيلها، تحمل قيمة معنوية لا تقل عن قيمتها المالية أو التنظيمية، لأنها تتصل بمفهوم السيادة نفسه، لأن السيادة لا تقتصر على المفهوم العسكري أو الأمني.
صحيح أن سيادة الدولة وفق مفهومها الشائع تعني أن يكون القرار الأمني بيد الدولة وأن تكون الحدود تحت سلطتها وأن يكون السلاح خاضعاً لشرعيتها. لكنها تعني أيضاً أن لا يكون هنالك انتقاص من هيبتها ودورها في جميع المجالات التي شملها القانون بالتنظيم والحماية. وهي تعني بالتالي أن تكون شبكات الاتصالات تحت القانون، وأن تكون الكهرباء والمياه والنقل والخدمات العامة خاضعة للقانون وليست جزءًا من اقتصاد الأمر الواقع.
لعلّ واقع هذه القطاعات لم يكن إلّا نتيجة طبيعية ومنطقية لفقدان السيادة بمفهومها الأول. وبالتالي لا بد أن تترافق استعادة السيادة بالمفهوم العسكري والأمني مع استعادتها، ومن باب أولى، بمفهومها الخدماتي. وإذا كانت استعادة السيادة قد أصبحت عنوان المرحلة، فلتكن استعادتها كاملة لأن السيادة لا تتجزأ. وكذلك الأمل.
نبض