البعثة المقترحة بدل "اليونيفيل" أمام الحكومة: خرق أوروبي للحصرية الأميركية؟
فتح الجدل الذي شهدته الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء حول البند الخامس من جدول الأعمال المتعلق بعرض وزارة الخارجية والمغتربين إنشاء بعثة أوروبية مدنية وعسكرية في لبنان، نقاشاً رسمياً وعلنياً هذه المرة حول مستقبل الوجود الدولي في لبنان بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". ففي أيّ إطار أمني وسياسي ستدار المرحلة المقبلة في الجنوب، في ظل التشدد الأميركي لناحية رفض كل المساعي اللبنانية والاوروبية للتجديد لهذه القوة تلافياً للفراغ الأمني الذي ستخلّفه في منطقة حدودية شديد الحساسية والخطورة؟
الاقتراح المرفوع من الخارجية يقضي بإنشاء بعثة أوروبية لمدة 3 سنوات، هدفها "المساهمة في التنفيذ الكامل للقرار 1701 ومساعدة الحكومة على تعزيز مؤسسات الدولة وسلطتها، وتوطيد احتكارها للسلاح من خلال دعم القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي لفرض سيطرتها على كل الأراضي اللبنانية".
لكن البند أُرجئ لاستكمال الإجابات من الوزارات المختصة، فيما أوضح وزير الإعلام بول مرقص أن ما جرى تداوله حول البعثة تضمّن "مغالطات"، مؤكداً أنها بعثة تقنية ذات هدف لوجيستي، تندرج ضمن برنامج قائم للاتحاد الأوروبي، ولا علاقة لها بـ"اليونيفيل" ولا تهدف إلى الحلول مكانها.
التباس مبرر
الالتباس الذي أثاره الكتاب مبرر، خصوصاً أنه يأتي في توقيت مثير يجري فيه بحث البدائل التي ستحل محل "اليونيفيل"، وتسعى فرنسا وإيطاليا إلى ملء الفراغ عبر تشكيل قوة تختلف التسميات في شأنها بين قوة متعددة الجنسيات أو هيئة أوروبية كما في الاقتراح المقدم من وزارة الخارجية، الذي يتحدث عن بعثة أوروبية مدنية وعسكرية لمدة ثلاث سنوات، هدفها دعم مؤسسات الدولة والجيش وقوى الأمن وتعزيز قدراتها، والمساهمة في تنفيذ القرار 1701. ويلاحظ أن الكلام على هذا القرار خرج من أدبيات الخطاب السياسي اللبناني والدولي.
هنا يبرز السؤال: هل يمكن فصل هذه البعثة عن ترتيبات ما بعد "اليونيفيل"، حتى لو لم تكن بديلاً منها بالمعنى القانوني أو العملاني؟
الجواب وفق مصادر سياسية يأتي بالإيجاب، أقله من حيث طبيعة المهمة. فالبعثة الأوروبية المقترحة ليست قوة حفظ سلام تملك تفويضاً أممياً كالذي تتمتع به "اليونيفيل"، ولا يُطرح بحسب الصيغة الحالية أن تنتشر كقوة قتالية في الجنوب. وظيفتها الأساسية تدريبية وتقنية واستشارية، تشمل دعم الجيش والأجهزة الأمنية، وتطوير قدرات الحدود والمراقبة والاستطلاع والأمن البحري.
سياسياً، يصعب تجاهل العلاقة الزمنية بين المسارين. فالمجتمع الدولي يبحث عملياً عن سبل تجنب فراغ أمني في لبنان، بالتزامن مع النقاش حول مستقبل "اليونيفيل"، فيما شهدت باريس بالأمس المؤتمر التحضيري الدولي لدعم الجيش الذي تناول أيضاً مستقبل القوة الدولية في الجنوب.
أين المشكلة؟
المشكلة ليست في تسمية البعثة، بل في الدور الذي قد تتطور إليه لاحقاً. هل تبقى بعثة لدعم مؤسسات الدولة؟ أو تصبح إحدى حلقات الترتيبات الأمنية التي ستملأ جزءاً من الفراغ بعد "اليونيفيل"؟ هذا ربما ما يفسر، وفق المصادر، التحفظ داخل مجلس الوزراء. فلبنان لا يريد أن يبدو كأنه يوافق مسبقاً على صيغة دولية بديلة قبل أن تتضح هوية القوة التي ستخلف "اليونيفيل"، وتفويضها، ومرجعيتها، وعلاقتها بالقرار 1701 وبأيّ ترتيبات أمنية أخرى، كما أن أيّ موقف حكومي في هذا الشأن سيكون محرجاً للبنان وعلاقته بالولايات المتحدة الأميركية، الراعية المباشرة لملف التفاوض مع إسرائيل والرافضة لأي قوة بديلة من "اليونيفيل"، ما لم يكن إنشاؤها وعناصرها والدول الممثلة فيها وأهدافها بإشراف أميركي مباشر. ومعلوم أن هذا الإحراج ينسحب أيضاً على علاقة لبنان بالدول الأوروبية التي تسعى إلى سحب الحصرية من يد واشنطن، ومشاركتها القرار في الجنوب.
والجدير ذكره أن كتاب الخارجية استند إلى مذكرة تسلمها رئيس الحكومة نواف سلام من بعثة الاتحاد الأوروبي، ضمنتها موقف الممثلة العليا للاتحاد الذي تعلن فيه الاستعداد لإنشاء بعثة أوروبية في إطار سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد.
وعليه، ينتظر أن يشكل هذا الموضوع مادة جدل ونقاش في أيّ جلسة لمجلس الوزراء يتقرر فيها استكمال البحث في البند الخامس. وهذا ما سيفتح النقاش واسعاً حول المسألة الشائكة التي لم تعد استبدال "اليونيفيل" ببعثة أوروبية، بل معرفة أي لبنان وأي مرجعية دولية للجنوب بعد "اليونيفيل"؟
نبض