.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كثيرون لا يحبون فعل الماضي، أو استحضار الماضي لمقارنته بالزمن الحالي، وبخاصة من أنصار تعبير "الزمن الجميل" لمقاربته بواقع اليوم الكارثي بمختلف أوجهه.
ولكن مهلاً قليلاً: اللجوء إلى الماضي يشبه أحياناً كمن يعود إلى بيته بعد طول سفر. فـ لبنان اليوم في حالة سفر، ولا بدّ من أن يعود إلى بيته. هذا هو الواقع الذي يفترض أن يُسكت أصحاب الطروحات الهوجاء من القلقين على المصير أو ربطه بتطورات المنطقة، أو أولئك الداعين من دون تفكير إلى تغيير النصوص أو النظام أو الصيغة، باقتراحات أقل ما يقال عنها إنها صادرة عن جهل أو عن فقدان البصيرة والانفعال الآني.
على أن المقارنة لعلها تمهيدٌ للعودة إلى البيت. إذ كان لبنان الأمس يقوم بمهمات الوساطة أو التصالح بين العرب في حقبة الستينيات وحتى منتصف السبعينيات. ولعلّ البعض يجهلون أو لم يسمعوا باسم فؤاد عمون، الأمين العام لوزارة الخارجية ثم وزيرها، وقد توفي عام 1977، وكان يقوم باسم لبنان يومذاك بمصالحة مصر مع السودان مثلاً، أو بين صراعات الأنظمة المتشابهة عقائدياً، لأن ذلك كان من مهمة لبنان الذي رحب به العرب وقت نشوئه بصفته كياناً متميزاً ومختلفاً عن غيره. ولكن كان ذلك من مصلحته أيضاً، إلى حين امتدت الأيدي إليه إثر الحروب واتفاق القاهرة المشؤوم لعام 1969، ثم تحوله إلى ساحة.
حاول البابا يوحنا بولس الثاني أن يعيده إلى بيته الأصلي وقت الحروب فيه حين وصفه بأنه رسالة إلى الشرق والغرب معاً. ولم يكن ذلك بالقليل ولا بالمضمون ولا بالجهة الصادر عنها.
نقول ذلك اليوم وقد شاهدنا أن الوفد الإماراتي المؤلف من ثمانين شخصية من رجال الأعمال يتقدمهم وزير التجارة الخارجية، لم يحظَ بترحيب جميع كبار المسؤولين. لماذا؟ أتت الأجوبة متناقضة ومبهمة. لكن ذلك يعدّ تقصيراً فاضحاً، لأن هذا المسؤول الكبير أو ذاك ليس موظفاً عند أحد وعند هذه الدولة أو تلك، ولا عند هذا النظام أو ذاك.
عام 1962، في عزّ العهد الشهابي الذي عرف صاحبه فؤاد شهاب كيف يمسك من جهة بيد جمال عبد الناصر ومن الجهة الأخرى بيد شارل ديغول، وقف وزير الخارجية فيليب تقلا في مجلس النواب في آب من تلك السنة يحدد سياسة الخارجية اللبنانية بأنها على الحياد في الخلافات العربية، لكونها تنطلق أساساً وتطبيقاً من مستلزمات الوضع الداخلي وتماسكه.