انكشاف "الحزب" تحت الأنفاق وفوقها!
ثمة مشكلة عضوية في تفكير بعض اللبنانيين ممن لا يزالون يجربون المجرب في مقاربة الحالة المستعصية لـ"حزب الله" على كل ما يمت بصلة إلى تسليمه بالدولة اللبنانية. تعاظمت هذه المشكلة وتضخمت في محطات متعاقبة ومتلاحقة في حربي الإسناد الكارثيتين اللتين أشعلهما الحزب، ولكنها أكثر ما تجلت في الإعلان الأشدّ وقاحة في تاريخ ارتباط أي قوة لبنانية بدولة خارجية وبمصالحها وبتبعيتها له حين أعلن الحزب ربط وقف النار والحرب بمذكرة التفاهم الإيرانية- الأميركية والإمعان في رفضه المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي- الأميركي.
رغم ذلك عادت فئات رسمية وسياسية لبنانية تضرب على وتر إقناع الحزب بتسليم مرتفعات علي الطاهر إلى الجيش اللبناني كخيار ميداني وسياسي من شأنه أولاً التخفيف من وقع الهزيمة الجديدة التي أصابت الحزب في معاندته للآلة الحربية الإسرائيلية وتراجع قدراته المتدحرج، وتالياً تعزيز موقع الجيش اللبناني والدولة اللبنانية في المسار التفاوضي، بما يودي حكماً إلى تصويب ميزان القوى المختل لمصلحة إسرائيل ويعجّل مسار انسحاب جيشها الذي يوسع بخطورة عالية مساحات القضم صعوداً نحو شمال الليطاني.
كل هذه الرهانات الواهنة سقطت سقوطاً مبرحاً مع السقوط المتوقع، والذي كان مسألة وقت فقط، لمرتفعات علي الطاهر تحت سيطرة عملياتية كاملة للجيش الإسرائيلي، وهو سقوط لن تقف تداعياته عند هذا الموقع الاستراتيجي المهم وحده، بل يثير احتمالات اتساع الزحف الإسرائيلي نحو مواقع وتلال حاكمة أبعد وأعمق، حتى لو بدأت تصدر تلميحات إسرائيلية بتقليص مساحة المنطقة الصفراء عقب انجاز السيطرة الكاملة على أنفاق علي الطاهر. غير أن المسألة التي "استدعانا" الحزب الموصوف بأنه درة التاج في أذرع إيران في الشرق الأوسط، إلى مقاربتها سريعاً، تتمثل في ما يمكن اعتباره ذروة انكشافه اطلاقاً، منذ بدأت تراجعاته الكارثية ميدانياً وبنيوياً أمام الأكلاف المخيفة التي كبّده إياها ارتباطه القاتل بـ الحرس الثوري الإيراني وطهران.
انبرى الحزب على نحوٍ مثير للسخرية السوداء، إلى تصعيد هجماته الكلامية والإعلامية على السلطة اللبنانية بمضمونٍ سياسي فاقد كل المنطق والصدقية، ولا يحتوي سوى ما يتقنه من قذف للاتهامات والشتائم في موروث من أيام اليسار المنقرض في الحرب اللبنانية، لكي يكثف غبار التهرب من أي موقف مباشر علني أو إعلامي أو مسرب أو غير مباشر حتى، للاعتراف بهزيمتين إضافتيتن: هزيمته وإيران سواء بسواء في منع سقوط الموقع الاستراتيجي مع أن إسرائيل "مدت يد" الدعم لإيران في زعم عدم وجود أي عناصر من الحرس الثوري الإيراني في أنفاق علي الطاهر، بما يثير الشبهة الكبيرة حيال "صفقة" تحت الإنفاق أدت إلى تعرية الحزب تماماً. وهزيمة أنه تسبب مرة جديدة باتساع رقعة الاحتلال الإسرائيلي لما يتجاوز جنوب الليطاني إلى شماله وكان هو بلا شك المدرك عمداً أن الاحتلال زاحف على الموقع وأن الموقع ساقط حتماً، ومع ذلك منع أمراً واحداً هو الحؤول دون تطور كان يمكنه أن يقلب مسار الأمور لمصلحة الدولة، فآثر التسليم لإسرائيل بدل التسليم للدولة اللبنانية.
خلاصة حاسمة لا تحتاج إلى جدل: لم يحصل مرة لا قبل تراجعات الحزب وتقهقره المتدحرج بسبب حروب إسناده المتعاقبة ولا بعدها أن "سجل" في تاريخه أنه يعترف بالدولة اللبنانية، وتالياً فإن الدولة اللبنانية والقوى اللبنانية على اختلافها، تزرع أوهاماً كلما قاربت مسألة سلاح الحزب من زاوية مشابهة لما حصل في علي الطاهر وقبلها عشرات التجارب. فاقلعوا عن الأوهام وكفى!
نبض