قانون المصارف: حين تتحوّل المادة 3 إلى معركة على الدستور واستقلال مصرف لبنان... من يحمي انتظام المؤسسات؟

كتاب النهار 20-08-2026 | 16:45

قانون المصارف: حين تتحوّل المادة 3 إلى معركة على الدستور واستقلال مصرف لبنان... من يحمي انتظام المؤسسات؟

هل يجوز، تحت عنوان الإصلاح أو الاستجابة لمتطلبات مؤسسة دولية، إعادة هندسة التوازن المؤسسي الذي وضعه قانون النقد والتسليف من دون أن ينشأ عن ذلك تضارب في الصلاحيات أو ازدواجية في القرار؟
قانون المصارف: حين تتحوّل المادة 3 إلى معركة على الدستور واستقلال مصرف لبنان... من يحمي انتظام المؤسسات؟
مصرف لبنان.
Smaller Bigger

ليس الخلاف الذي انفجر في مجلس النواب حول المادة الثالثة من قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها خلافاً تقنياً على بضعة أسطر في نص مالي معقّد. كما أنه ليس، خلافاً لما حاول البعض تصويره، معركةً بين حاكم مصرف لبنان والحكومة، ولا صراعاً شخصياً على توسيع صلاحيات هذا المسؤول أو تقليص صلاحيات ذاك.

 

فالمسألة أعمق بكثير وتتصل بهرمية القوانين، وبحدود صلاحيات المؤسسات، وباستقلالية مصرف لبنان، وبالعلاقة بين المجلس المركزي والهيئة المصرفية العليا، وبالنتيجة بالسؤال الدستوري الأوسع: هل يجوز، تحت عنوان الإصلاح أو الاستجابة لمتطلبات مؤسسة دولية، إعادة هندسة التوازن المؤسسي الذي وضعه قانون النقد والتسليف من دون أن ينشأ عن ذلك تضارب في الصلاحيات أو ازدواجية في القرار؟

 

والأهم أن هذه المناقشة لم تبدأ في صيف 2026، بل قبل سنة كاملة. ففي صيف 2025، أقرّ مجلس النواب قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، الذي أصبح القانون رقم 23 تاريخ 14 آب 2025.

 

وقبل توقيع القانون وإصداره، أراد رئيس الجمهورية أن يتأكد من متانة النص ومن قدرته على الصمود، ليس فقط سياسياً، بل قانونياً ومؤسساتياً.

 

ولهذه الغاية، عُقد اجتماع في القصر الجمهوري حضره وزير المالية وحاكم مصرف لبنان، إلى جانب فريق ضيق من المستشارين القانونيين والقضاة والمسؤولين في رئاسة الجمهورية.

 

وتمت مراجعة المواد الأساسية ولا سيما تلك التي ترتب آثاراً مباشرة على صلاحيات المؤسسات المالية والرقابية وعلى عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي.

 

وفي نهاية النقاش، طرح رئيس الجمهورية سؤالاً مباشراً وبسيطاً في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية في مضمونه:

 

ماذا لو عاد صندوق النقد الدولي لاحقاً بملاحظات إضافية على القانون؟ 

كان جواب وزير المال وحاكم مصرف لبنان متقارباً وواضحاً: القانون، بصيغته التي أقرها مجلس النواب، مرضٍ إلى حد كبير، وإذا ظهرت بعض الملاحظات الإضافية المحدودة من صندوق النقد، فيمكن استيعابها، حيث يلزم، في القانون المقبل المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف اصطلاحاً بقانون الفجوة.

 

وبناءً على هذا الفهم المؤسساتي، صدر القانون ونُشر في الجريدة الرسمية.
كان يفترض أن تكون صفحة قانون إصلاح المصارف قد طُويت، وأن ينتقل النقاش الوطني إلى الحلقة التالية والأكثر حساسية: تحديد الخسائر، وتوزيع المسؤوليات، ووضع آلية واقعية وعادلة لاسترداد الودائع.

 

لكن ذلك لم يحصل. اذ بعد أسابيع قليلة، تقدّم عشرة نواب بمراجعة أمام المجلس الدستوري طعناً بالقانون.

 

وهنا اكتسب القانون أهمية إضافية: فهو لم يعد مجرد نص أقرته السلطتان التشريعية والتنفيذية، بل أصبح موضوع رقابة دستورية فعلية.

 

المجلس الدستوري لم يبطل القانون برمته. بل أخضع الأحكام المطعون فيها والمبادئ المرتبطة بها لفحص دستوري، وانتهى إلى إبطال أجزاء محددة وتحصين أجزاء أخرى بتفسير ملزم.

 

وكان من أبرز ما عالجه المجلس مسألة الحق في التقاضي. فالقانون لا يستطيع أن يمنح سلطة إدارية أو تنظيمية، مهما كانت أهمية مهمتها، حصانة تحول دون حق المتضرر في اللجوء إلى القضاء.

 

لذلك أسقط المجلس، من بين ما أسقطه، العبارة التي كانت تحدّ عملياً من أثر الطعن في قرارات الهيئة المصرفية العليا وتحصر نتيجة المراجعة القضائية بالتعويض المالي. كما صحّح أحكاماً أخرى تتعلق بمهل الاعتراض وبإحالة الدعاوى العالقة وبوضوح بعض النصوص.

 

وبعبارة أخرى، خضع القانون لاختبار دستوري حقيقي، وأُبطل منه ما اعتبر المجلس أنه يتعارض مع الضمانات الدستورية، فيما رُدّت سائر الأسباب والمطالب.

 

وهذه النقطة ستصبح لاحقاً شديدة الأهمية في النقاش حول المادة الثالثة.
فبعد أشهر، عادت المسألة من باب آخر.

 

قدّم صندوق النقد الدولي إلى وزارة المال سلسلة واسعة من الملاحظات على قانون إصلاح المصارف. وبدلاً من التعامل معها كملاحظات يمكن درسها في إطار قانون الفجوة، كما كان مفهوماً عند صدور القانون، جرى إدراج مجموعة كبيرة منها في مشروع تعديلات جديد على القانون نفسه.

 

أحالت الحكومة المشروع إلى مجلس النواب.

 

وهكذا وجد النواب أنفسهم أمام وضع غير مألوف: قانون أقرّ قبل أشهر، خضع لمراجعة المجلس الدستوري، ثم أعيد فتحه بصورة واسعة بناءً على ملاحظات مؤسسة دولية.

 

لكن المفارقة لم تتوقف هنا.

 

فبعد أن بدأت لجنة المال والموازنة مناقشة التعديلات المحالة إليها، وصلت ملاحظات إضافية من صندوق النقد، ما أثار استياءً واسعاً داخل اللجنة.

 

السؤال الذي طرحه عدد من النواب كان منطقياً: أين تنتهي ملاحظات الصندوق؟

 

فمجلس النواب لا يستطيع أن يشرّع على هدف متحرك. ولا يمكن للجنة نيابية أن تناقش نصاً، ثم تصلها أثناء المناقشة تعديلات جديدة، ثم تعديلات على التعديلات.

 

طالب النواب بأن يقدم صندوق النقد موقفه النهائي بوضوح وبشكل مكتوب، كي يدرسه البرلمان مرة واحدة ويتخذ قراره بشأنه: يقبل ما يراه مناسباً، ويرفض ما يراه متعارضاً مع القوانين اللبنانية أو مع المصلحة العامة.

 

وفي نهاية المطاف، ولتفادي المزيد من التأخير، قررت لجنة المال والموازنة المضي في القراءة الثانية، وعقدت سلسلة جلسات شهد بعضها نقاشات قانونية ومالية حادة، قبل أن ترفع إلى الهيئة العامة صيغة نهائية أُقرت بأكثرية أعضاء اللجنة.

 

المادة الثالثة: الخلاف الذي اختُصر خطأً بصلاحيات الحاكم

عند وصول المشروع إلى الهيئة العامة، أُقرّ معظم التعديلات. لكن المادة الثالثة بقيت العقدة الأساسية.

 

وهنا لا بد من تصحيح إحدى أكثر الروايات تضليلاً التي رافقت النقاش.

لم يكن مصرف لبنان يطالب بتوسيع صلاحيات الحاكم.

 

بل إن حاكم مصرف لبنان يرأس، بحكم موقعه، الهيئة المصرفية العليا أيضاً. وبالتالي فإن تصوير الخلاف وكأنه محاولة من الحاكم لانتزاع صلاحيات لمصلحته الشخصية يتجاهل البنية القانونية للمؤسسات المعنية.

 

الخلاف الحقيقي كان بين صلاحيات مؤسستين داخل المنظومة القانونية نفسها: المجلس المركزي لمصرف لبنان من جهة، والهيئة المصرفية العليا من جهة أخرى.
والفارق جوهري.

 

المجلس المركزي يمارس صلاحيات ذات طابع عام تتعلق بالسياسة المصرفية والنقدية والمالية وبسلامة القطاع ككل، ضمن الإطار الذي رسمه قانون النقد والتسليف.

 

أما الهيئة المصرفية العليا، فلها وظيفة مختلفة وأكثر تحديداً عندما يتعلق الأمر بمصرف بعينه يدخل في مسار الإصلاح أو إعادة التنظيم أو التصفية.

 

أي أن إحدى السلطتين قطاعية وعامة، فيما الأخرى إجرائية وفردية تتعامل مع حالة مصرف محدد.

ومن هنا نشأ اعتراض مصرف لبنان.

اما لماذا المادة 70؟

 

لم يقل مصرف لبنان إن الهيئة المصرفية العليا يجب أن تكون تابعة للمجلس المركزي في قراراتها المتعلقة بمصرف يخضع للإصلاح. ولم يطالب بإلغاء استقلاليتها في الملفات التي أناطها القانون بها.

 

كان مطلبه أكثر بساطة: أن يقول القانون بوضوح إن الصلاحيات الجديدة تمارس مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70 منه.

 

وهذه ليست إحالة شكلية.

فقانون النقد والتسليف هو القانون الأساسي الذي أنشأ البنية القانونية لمصرف لبنان وحدد مهماته وصلاحياته وعلاقته بالدولة والقطاع المصرفي. كما أن الهيئة المصرفية العليا نفسها ليست جسماً ظهر من فراغ قانوني، بل هي جزء من المنظومة التي أسسها هذا القانون.

 

أما المادة 70 فتضع في صلب مهمة مصرف لبنان المحافظة على النقد وتأمين أساس نمو اقتصادي واجتماعي دائم، وتربط هذه المهمة بالمحافظة على سلامة النقد والاستقرار الاقتصادي وسلامة أوضاع النظام المصرفي وتطوير السوق النقدية والمالية.

 

لذلك كان موقف المصرف يقوم على فكرة مؤسساتية لا شخصية: يجب ألا يؤدي قانون خاص بمعالجة المصارف المتعثرة إلى إحداث سلطة موازية تستطيع، ولو نظرياً، اتخاذ تدابير قطاعية عامة تتداخل مع الصلاحيات التي منحها القانون الأساسي للمجلس المركزي.

 

المشكلة ليست في وجود سلطتين، بل في تداخل الاختصاص

فإذا كان المجلس المركزي يستطيع إصدار تدبير عام ينطبق على القطاع المصرفي بكامله، فيما تستطيع الهيئة المصرفية العليا اتخاذ تدبير مماثل بحجة أنه ضروري لإصلاح مصرف معين، فمن صاحب الكلمة الأخيرة؟

 

وماذا يحصل إذا تعارض القراران؟ وأمام أي مرجع يطعن المصرف وأي نص يطبّق القاضي؟

 

وهل يستطيع مصرف خاضع للإصلاح أن يحتج بأن الهيئة تجاوزت صلاحياتها لأنها دخلت في اختصاص المجلس المركزي؟ أو العكس؟

 

ففي قوانين إعادة هيكلة المصارف، حيث القرارات قد تطال مليارات الدولارات وحقوق المساهمين والدائنين والمودعين، إن أي غموض في الاختصاص يتحول سريعاً إلى دعوى قضائية. والدعوى لا تعني فقط نزاعاً قانونياً. قد تعني وقف تنفيذ إجراء، وتعطيل خطة إعادة هيكلة، وتأخير استرداد الودائع، وفتح باب نزاعات قد تستمر سنوات.
لهذا كانت صيغة لجنة المال والموازنة تحاول وضع خط فاصل: الهيئة المصرفية العليا صاحبة القرار في إصلاح المصرف الفردي، لكن الصلاحيات التنظيمية العامة تبقى حيث وضعها قانون النقد والتسليف.

 

ثم جاءت الهيئة العامة

لكن الهيئة العامة لم تعتمد الصيغة التي خرجت بها لجنة المال والموازنة بشأن المادة الثالثة، وأيدت في النهاية صيغة الحكومة التي حذفت الإحالة التي كان مصرف لبنان يعتبرها ضرورية إلى قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70.

 

وهنا تنتقل القضية من الخلاف التشريعي إلى سؤال دستوري أكثر تعقيداً.
فالمادة الثالثة بصيغتها الأصلية كانت جزءاً من القانون رقم 23/2025 الذي خضع لرقابة المجلس الدستوري.

 

بل إن المادة الثالثة نفسها أثيرت أمام المجلس في سياق الطعن، وناقش المجلس الاعتراضات المتعلقة بها، قبل أن يقرر في منطوق حكمه ردّ باقي الأسباب والمطالب التي لم يشملها الإبطال الجزئي.

 

ومن هنا تنشأ حجة دستورية جدية لا يجوز الاستخفاف بها: ما هو أثر قرار المجلس الدستوري على إمكان إعادة صياغة المادة نفسها لاحقاً بطريقة تمس التوازن القانوني الذي سبق أن خضع للرقابة الدستورية؟

 

فالقانون اللبناني يمنحها حجية وإلزامية تجاه السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية. ولذلك لا تستطيع أي سلطة أن تتصرف كما لو أن قراراً دستورياً لم يصدر.
لكن المسألة القانونية الدقيقة هنا تحتاج إلى تمييز.

 

فالقول إن مجرد عدم إبطال المجلس للمادة الثالثة سنة 2025 يمنع مجلس النواب إلى الأبد من تعديلها لاحقاً هو استنتاج يحتاج إلى نقاش دستوري معمق. فالمجلس التشريعي يحتفظ، من حيث المبدأ، بصلاحية تعديل القوانين.

 

لكن في المقابل، لا يستطيع المشترع أن يستخدم التعديل التشريعي للالتفاف على قاعدة دستورية سبق للمجلس أن كرسها أو على حجية ما حسمه صراحة في قراره.
وهنا تحديداً تكمن أهمية القضية.

 

فإذا اعتُبر أن حذف الإحالة إلى قانون النقد والتسليف يغير التوازن المؤسساتي الذي كان قائماً في النص الذي خضع للرقابة الدستورية، فقد يصبح السؤال أمام أي مراجعة جديدة ليس فقط: هل الصياغة الجديدة جيدة أم سيئة؟ بل: هل احترمت السلطة التشريعية المفاعيل الملزمة للقرار الدستوري السابق والهرمية القانونية التي يقوم عليها النظام المصرفي؟

 

وهذا نقاش دستوري يستحق أن يخاض أمام المرجع الدستوري المختص، بعيداً عن الشعارات السياسية.

ما وراء القانون: استقلال مصرف لبنان

لكن القضية لا تنتهي عند حدود الاجتهاد القانوني.
اذ خلف المادة الثالثة صراع أوسع على مفهوم استقلالية المصرف المركزي.
هناك من ينظر إلى استقلالية مصرف لبنان باعتبارها شرطاً ضرورياً لاستعادة الثقة بالنظام المالي، ولضمان أن القرارات النقدية والمصرفية لا تخضع للمساومات السياسية.

 

وهناك في المقابل من يرى في الصلاحيات الواسعة التي راكمها المصرف المركزي تاريخياً إرثاً يجب تقليصه بعد تجربة العقود الماضية، ويعتبر أن تركيز السلطات داخل مؤسسة واحدة كان جزءاً من الخلل الذي سبق الانهيار المالي.

 

هذه مناقشة مشروعة.
لكن الرد على تجربة سابقة لا يكون بتفكيك المؤسسة.

 

فالاستقلالية لا تعني غياب المحاسبة، تماماً كما أن المحاسبة لا تعني تفتيت السلطة التنظيمية بين مجالس وهيئات ولجان تتداخل اختصاصاتها إلى درجة يصبح معها من المستحيل معرفة من اتخذ القرار ومن يتحمل مسؤوليته.

 

إن أسوأ نموذج مؤسساتي هو النموذج الذي يملك فيه الجميع جزءاً من السلطة، ولا يتحمل فيه أحد كامل المسؤولية.

 

الاستقلالية ومكافحة الاقتصاد غير الشرعي
وهناك بعد آخر أكثر حساسية.

 

فمصرف لبنان ليس معنياً اليوم فقط بإدارة السياسة النقدية أو بإعادة هيكلة القطاع المصرفي. إنه موجود في قلب المعركة ضد الاقتصاد النقدي غير الشرعي، وتبييض الأموال، وتمويل الإرهاب، والشبكات المالية التي تعمل خارج النظام المصرفي المنظم.
ومن الطبيعي أن تثير قوة المصرف المركزي في هذه الملفات اعتراض أطراف ترى أن تشديد الرقابة المالية يهدد مصالحها أو شبكات نفوذها.

 

كما أن هناك اتجاهاً مختلفاً يريد، تحت عنوان منع تكرار تجربة الماضي، توزيع صلاحيات المصرف المركزي على عدد من المؤسسات والهيئات. وقد يبدو الاتجاهان متناقضين سياسياً، لكنهما قد يلتقيان عملياً عند نتيجة واحدة: مصرف مركزي أقل قدرة على الفعل. وهنا يصبح الدفاع عن الاستقلالية دفاعاً عن مبدأ مؤسساتي، لا عن شخص ولا عن مرحلة سياسية.

 

فالحاكم يتغير. وأعضاء المجلس المركزي يتغيرون. والحكومات تتغير. لكن المؤسسة يجب أن تبقى.

 

فرئيس الجمهورية ليس طرفاً في نزاع سياسي وفي هذا المشهد، تعود الأنظار إلى رئاسة الجمهورية.

 

ليس لأن الرئيس يجب أن ينحاز إلى مصرف لبنان ضد الحكومة، أو إلى الحكومة ضد صندوق النقد، أو إلى فريق نيابي ضد فريق آخر، بل لأن وظيفة رئيس الجمهورية مختلفة أساساً. فالرئيس لا يمثل مصلحة مصرف لبنان، ولا مصلحة المصارف، ولا مصلحة صندوق النقد الدولي، ولا هواجس فريق سياسي يريد الحد من صلاحيات المصرف المركزي، ولا طموحات فريق آخر يريد إعادة توزيع هذه الصلاحيات.

 

مرجعيته هي الدستور. ومن هنا، فإن السؤال الذي يفترض أن يُطرح في بعبدا ليس: من انتصر في مجلس النواب؟

 

ولا: هل انتصرت الحكومة أم لجنة المال والموازنة؟

ولا حتى: هل انتصر صندوق النقد أم مصرف لبنان بل هل النص الذي خرج من مجلس النواب يحترم الدستور، ويحافظ على انتظام المؤسسات، ويمنع تضارب الصلاحيات، ويتوافق مع المفاعيل الملزمة لقرارات المجلس الدستوري؟

 

إذا كان الجواب نعم، فالدستور يحميه مهما كانت الاعتراضات السياسية.
وإذا كان الجواب لا، فإن واجب الرئاسة أن تتصرف بالوسائل التي يتيحها الدستور، مهما كانت الجهات التي دفعت باتجاه النص.

 

فصندوق النقد شريك وليس مشرّعا ويجب وضع العلاقة معه في إطارها الصحيح.
لبنان يحتاج إلى التعاون مع الصندوق، ويحتاج إلى اتفاق قادر على إعادة فتح أبواب التمويل الدولي، وإعادة الثقة، وفرض انضباط مالي طال غيابه.

 

لكن الصندوق ليس جزءاً من السلطة التشريعية. فهو يقدم المشورة والشروط والتوصيات، والحكومة تتفاوض معه، أما التشريع فيبقى من اختصاص المؤسسات الدستورية اللبنانية. فإذا ظهر بعد خمس سنوات خلل قانوني في إعادة هيكلة مصرف ما، لن يمثل موظفو صندوق النقد أمام القضاء اللبناني لتفسير سبب صياغة مادة معينة.

 

المؤسسات اللبنانية هي التي ستتحمل النتائج.
ولهذا فإن أفضل تعاون مع صندوق النقد ليس النقل الحرفي لملاحظاته، بل إخضاعها لقانون لبنان ودستوره وبنيته المؤسساتية، ثم إدخال ما يتلاءم منها مع هذه المنظومة.

 

الدول لا تثبت جديتها أمام المؤسسات الدولية بالتخلي عن مؤسساتها، بل بإظهار قدرتها على اتخاذ قرارات إصلاحية صعبة ضمن نظام قانوني متماسك.

 

قد تبدو المادة الثالثة تفصيلاً صغيراً في قانون طويل ومعقد. لكن الدول تنهار أحياناً من التفاصيل فعبارة واحدة تحدد من يملك الاختصاص وإحالة واحدة إلى قانون أساسي تمنع تضارباً وجملة غامضة واحدة تستطيع أن تفتح عشرات الدعاوى.
لهذا لم يكن إصرار مصرف لبنان على ذكر قانون النقد والتسليف والمادة 70 نقاشاً لغوياً. كان محاولة لتحديد الحدود بين مؤسستين ستتخذان في السنوات المقبلة بعضاً من أخطر القرارات المالية في تاريخ الجمهورية اللبنانية.

 

إن إعادة هيكلة المصارف ليست تمريناً نظرياً.
ستكون هناك مصارف تستمر، ومصارف تندمج، وربما مصارف تخرج من السوق. وستكون هناك مساهمات تشطب، ورساميل يعاد تكوينها، وحقوق مودعين ودائنين يجب تحديدها، وقرارات بمليارات الدولارات ستخضع حكماً لمحاولات الطعن.
وفي مثل هذه البيئة، وضوح الصلاحية ليس ترفاً قانونياً، بل شرطاً للاستقرار المالي نفسه. وهذا يعني ان المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد والتصويت في مجلس النواب أنهى مرحلة تشريعية، لكنه لم يُنه القضية.

 

فالأسئلة التي طرحتها المادة الثالثة ستعود عند أول تعارض في الاختصاص وعند أول قرار كبير للهيئة المصرفية العليا.

 

وعند أول تعميم يصدر عن المجلس المركزي ويتقاطع مع عملية إصلاح مصرف محدد.
وقد تعود قبل ذلك كله أمام المجلس الدستوري نفسه.

 

وعندها لن يكون السؤال من ربح جولة سياسية في البرلمان، ولا من نجح في إرضاء صندوق النقد، ولا من استطاع تسجيل نقطة على مصرف لبنان. بل سيكون أكثر خطورة:
هل بُني النظام الجديد لإصلاح المصارف على قواعد قانونية واضحة، أم زُرعت فيه منذ البداية بذور نزاعات ستنفجر عند أول اختبار حقيقي؟ وهنا تقع المسؤولية على رئاسة الجمهورية.

 

ففي نظام تتشابك فيه المصالح السياسية والمالية والطائفية والدولية، تبقى الرئاسة المرجع الذي يفترض أن ينظر إلى النص من فوق هذه الحسابات جميعاً.
لا يعني ذلك أن الرئيس يحكم بدلاً من البرلمان.
ولا أن له أن يستبدل رأيه بإرادة المشترع.

 

بل يعني أن الدستور أعطاه أدوات محددة كي يضمن أن التشريع يتم ضمن حدود النظام الدستوري، وأن المؤسسات تعمل بانسجام لا بتنازع، وأن لاتتحول التسويات السياسية الآنية إلى أزمات دستورية دائمة.

 

والرئيس الذي سأل في 2025، قبل توقيع القانون، ماذا سيحصل إذا عاد صندوق النقد بملاحظات جديدة، يجد نفسه اليوم أمام نتيجة تكاد تكون نقيض الضمانات التي أعطيت له آنذاك: لم تأتِ ملاحظات محدودة يجري استيعابها في قانون الفجوة، بل أعيد فتح قانون إصلاح المصارف نفسه، وتعدلت أحكامه، وعادت المادة الثالثة تحديداً إلى قلب النزاع.
لهذا فإن القضية تتجاوز مصرف لبنان.
وتتجاوز صندوق النقد.
وتتجاوز حتى قانون إصلاح المصارف.
إنها قضية انتظام الدولة.
فالاستقلالية لا تعني الاستبداد بالصلاحية. والرقابة لا تعني شلّ المؤسسة. والإصلاح لا يعني كسر التسلسل القانوني. والتعاون الدولي لا يعني تفويض التشريع إلى الخارج.
وفي النهاية نص واحد يعلو على كل هذه الاعتبارات: الدستور. وعندما تتعارض الحسابات السياسية معه، لا يفترض بالرئاسة أن تبحث عن تسوية بين الدستور والسياسة.

 

وعندما تتعارض مصالح فريق داخلي أو تفاهمات مع جهة دولية مع مقتضياته، لا يفترض بها أن تقيس حجم كل طرف.

 

وإذا كان المجلس الدستوري هو قاضي الدستور، فإن رئاسة الجمهورية تبقى، في لحظات كهذه، إحدى أهم ضمانات احترامه وحسن سير المؤسسات التي أنشأها.
لهذا، فإن المعركة حول المادة الثالثة ليست معركة مصرف لبنان.
إنها امتحان جديد للدولة اللبنانية نفسها:

 

هل تستطيع أن تصلح نظامها المصرفي من دون أن تربك نظامها الدستوري؟ وهل تستطيع أن تتعاون مع العالم من دون أن تفقد وضوح مؤسساتها؟ وهل تستطيع أن تتعلم من أخطاء الماضي من دون أن ترتكب، باسم تصحيحها، أخطاء المستقبل؟
الجواب لن تحدده الشعارات، بل القانون وفوق القانون، سيحدده الدستور.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 8/19/2026 3:24:00 PM
شطب الأصفار قد يجعل التعامل بالليرة أكثر سهولة، لكنه لا يعيد إليها الثقة. فاستعادة هذه الثقة تتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى انهيارها، لا إعادة ترتيب الأرقام على الأوراق النقدية.
رياضة 8/19/2026 9:09:00 AM
نجم كرة القدم البرازيلي "نطق الشهادتين وأصبح مسلماً"، كتبت حسابات مع الصورة.
لبنان 8/19/2026 9:10:00 PM

أكّد الوزير رجي لـ"النهار": "ان هذه المسألة لا تحتمل أي اجتهاد أو تأويل، وبمجرد إعلان أي ديبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، يتوجب عليه مغادرة أراضي الدولة المضيفة، ولا يعود لأي تأشيرة أو إذن دخول أو إقامة مُنح له سابقاً أي أثر قانوني يجيز استمرار وجوده على أراضيها".