ترامب بين خنق إيران اقتصادياً والعودة إلى فخ الصفقة

كتاب النهار 16-08-2026 | 06:30
ترامب بين خنق إيران اقتصادياً والعودة إلى فخ الصفقة

مع حلول منتصف آب/أغسطس، دخلت استراتيجية إدارة دونالد ترامب نحو الحرب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية موسماً جديداً من التقلبات، تحدده هذه المرة أسهم الأفرقاء المتنافسين على إقناع الرئيس الأميركي بما عليه أن يفعل.

ترامب بين خنق إيران اقتصادياً والعودة إلى فخ الصفقة
اختبار ترامب تحويل الضغط الاقتصادي والعسكري إلى استراتيجية متماسكة (أ ف ب)
Smaller Bigger

مع حلول منتصف آب/أغسطس، دخلت استراتيجية إدارة دونالد ترامب نحو الحرب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية موسماً جديداً من التقلبات، تحدده هذه المرة أسهم الأفرقاء المتنافسين على إقناع الرئيس الأميركي بما عليه أن يفعل. الكفة الراجحة هذا الأسبوع انتقلت من فريق الصفقة إلى فريق الأمن القومي، ومعها برزت استراتيجية تقوم على الضغوط القصوى الاقتصادية والعسكرية، مع إبقاء الديبلوماسية أداة ثانوية لا ملاذاً للهروب من الحسم.

تراجعت أسهم الفريق الذي دفع الأسبوع الماضي نحو إعلان النصر والبحث عن مخرج من الحرب عبر تفاهمات مبهمة مع إيران، قد تكون سرية أو استسلامية بموجب الحاجة. ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ونائب الرئيس جاي دي فانس استثمروا في إقناع ترامب بأن الديبلوماسية قادرة على إخراجه من الزاوية الإيرانية. طهران ساهمت بنفسها في إضعافهم عندما رفضت تقديم التنازلات وأصرّت، عملياً، على أن يغيّر ترامب سلوكه بدلاً من أن تغيّر الجمهورية الإسلامية سلوكها.

بيت هيغسيث عاد إلى الواجهة ممثلاً للمؤسسة العسكرية وفريق الأمن القومي الذي يضم وزير الخارجية ماركو روبيو ومستشار الأمن القومي. الجديد النوعي هو دخول وزير الخزانة سكوت بيسنت بثقله إلى هذه الكفة. فالجاهزية العسكرية باتت تترافق مع جاهزية اقتصادية هدفها تجاوز العقوبات التقليدية إلى استراتيجية عزل وخنق مالي قد تكون الأكثر إيلاماً لإيران منذ بدء الحرب.

تحرك حاملة الطائرات "جورج واشنطن" نحو الشرق الأوسط لتحل محل "أبراهام لينكولن" يؤكد أن البنتاغون لا يستعد لفك الاشتباك. إعلان هيغسيث قدرة البحرية الأميركية على إبقاء الحصار على إيران إلى أجل غير محدد يضع الأداة العسكرية في خدمة الخنق الاقتصادي. بيسنت، بدوره، يعد بإجراءات اقتصادية غير مسبوقة. هذه ليست إشارات إلى إدارة نهاية الحرب، بل إلى محاولة تغيير شروطها.

لدى بيسنت أرضية تشريعية يمكن البناء عليها. مجلس الشيوخ أقر بغالبية كبيرة مشروع العقوبات المرتبط باسم ليندسي غراهام والموجه ضد روسيا وإيران، فيما تنتظره معركة في مجلس النواب. أهميته تتجاوز إيران نفسها إلى الدول والجهات التي توفر لها شرايين التعامل المالي والتجاري. الصين تقع في قلب المعادلة، ليس فقط بسبب علاقاتها الاقتصادية مع إيران، بل لأن الضغط عليها يحوّل العقوبات الأميركية من حصار مباشر إلى حصار على منافذ الهروب من الحصار.

الخطة الاقتصادية الأوسع تتجه أيضاً إلى ملاحقة الوسائل غير التقليدية التي تستخدمها طهران للالتفاف على النظام المالي، بما فيها العملات المشفرة وشبكات الوسطاء والشركات والواجهات. الهدف ليس إضافة أسماء إلى لوائح العقوبات، بل تقليص قدرة إيران على تحريك الأموال والوصول إليها واستخدامها لتمويل الدولة والحرس الثوري وشبكاته الخارجية.

الصين ستكون الاختبار الأصعب. الضغط الأميركي المفرط عليها يحمل أكلافاً استراتيجية في العلاقة بين واشنطن وبكين، لكن استثناءها من المعادلة يفرغ جزءاً مهماً من استراتيجية الخنق من مضمونه. الرسالة المراد إيصالها إلى بكين هي أن استمرار إنقاذ إيران اقتصادياً لم يعد منفصلاً عن المواجهة الأميركية معها، خصوصاً بعدما رفضت طهران إعطاء ترامب ما يحتاج إليه لتبرير العودة إلى التفاوض.

الأهم من العقوبات هو استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية. أي ثغرة فيه ستصب في مصلحة استراتيجية الحرس الثوري في مضيق هرمز. أي استعداد أميركي لرفعه سيُقرأ في طهران باعتباره دليلاً على أن احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة للمضيق نجح في إخضاع الرئيس الأميركي. لذلك فإن فك الحصار في مقابل وعود إيرانية سيعيد إلى الجمهورية الإسلامية الورقة التي تحاول واشنطن انتزاعها منها.

إيران ليست في موقع المنتصر القادر على فرض شروطه، لكنها أثبتت امتلاكها قدرة التعطيل ومنع الولايات المتحدة من تحويل تفوقها العسكري إلى نصر سياسي. المفارقة أن حرباً لم تبدأ من أجل مضيق هرمز باتت معلقة على مصيره، فيما جرى ترحيل الملفات التي قامت المواجهة أصلاً لمعالجتها.

إيران ستلوّح بأنها جاهزة لاستئناف المفاوضات. قد تحاول إحياء مذكرة التفاهم التي استثمر فيها فريق ويتكوف–كوشنر–فانس. المشكلة أن هذه المذكرة باتت أقرب إلى مصيدة لترامب، لأنها تسمح لطهران بإدارة الوقت من دون التخلي عن النووي والصواريخ والمسيّرات والأذرع، فيما تقدم فتحاً جزئياً لهرمز كأنه تنازل استراتيجي.

معركة إيران ليست ديبلوماسية فقط. الحرس الثوري يخوض في العراق ولبنان واليمن معركة الحفاظ على الجغرافيا التي بناها مدى عقود. في العراق، يتمسك فيلق القدس بالفصائل المسلحة أداة نفوذ وقرار، في مواجهة محاولات الدولة استعادة سلطتها وإعادة بناء علاقاتها العربية، بما فيها العلاقة مع السعودية. السلاح العراقي التابع لطهران ليس تفصيلاً في الاستراتيجية الإيرانية، بل أحد خطوط الدفاع عن النظام نفسه.

في لبنان، المعركة أكثر مباشرة. الحرس الثوري و"حزب الله" يعملان على منع انتقال حصرية السلاح إلى الدولة، وإحباط المسار الذي يمكن أن يقود إلى تثبيت السيادة اللبنانية والتفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية ودعم عربي وأوروبي. إبقاء "حزب الله" في الأنفاق لا ينقذه بالضرورة؛ قد يدفعه إلى مصير يشبه ما يواجهه الحوثي عندما يتحول الوكيل إلى أداة استنزاف ثم إلى وقود للمواجهة.

اليمن هو الاختبار الأخطر. الحوثي يمتلك ترسانة إيرانية قادرة على تهديد الملاحة في باب المندب، وقد أثبت هذا الأسبوع مجدداً قدرته على ضرب السفن. نجاحه في إغلاق المضيق أو تعطيله على نطاق واسع سيضع إدارة ترامب أمام قرار لا تستطيع العقوبات الإجابة عنه: هل تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية لإبقاء الممر مفتوحاً، أم تسمح لإيران باستنساخ تجربة هرمز في باب المندب؟

هنا يسقط وهم أن الديبلوماسية وحدها تستطيع إدارة المواجهة. سجل فريق ويتكوف وكوشنر في إيران وغزة وأوكرانيا لا يقدم دليلاً مقنعاً على أن الصفقات الجزئية تنتج حلولاً استراتيجية. زيارة كوشنر المرتقبة إلى إسرائيل ومصر ستتركز رسمياً على غزة، لكن إسرائيل معنية حكماً بمعرفة الاتجاه الذي سيسلكه ترامب في المرحلة المقبلة من الحرب الإيرانية.

الوقت يضغط على الرئيس الأميركي داخلياً أيضاً. عودة الكونغرس بعد العطلة الصيفية ستعيد الحرب وتكلفتها والسياسة الإيرانية إلى قلب المعركة السياسية، فيما تقترب الانتخابات النصفية ويحتاج الجمهوريون إلى استراتيجية يمكن شرحها للناخب الأميركي. صورة إدارة منقسمة ورئيس يتأرجح بين الحسم والصفقة أصبحت عبئاً سياسياً، لا مجرد مشكلة في صناعة السياسة الخارجية.

كفة الذين لا يتوقعون صفقة حقيقية مع إيران في الأشهر القليلة المقبلة هي الراجحة اليوم. لذلك بات سكوت بيسنت صاحب دور يتجاوز وزارة الخزانة. مهمته توفير مخرج لترامب من مفاوضات لم تمنحه نصراً، وتحويل الانسحاب منها إلى استراتيجية ضغط يستطيع الرئيس تقديمها باعتبارها قرار قوة لا اعترافاً بالفشل.

دول الخليج تفضل الخنق الاقتصادي على حرب عسكرية جديدة ومدمرة، وهذا مفهوم. لكنها لا تملك القرار الأميركي. دونالد ترامب هو صاحب قرار استمرار الحصار أو رفعه، توسيع الضغوط أو تقليصها، استخدام القوة أو الامتناع عنها. لا يستطيع الاختباء طويلاً وراء نصائح الحلفاء أو اعتراضاتهم، ولا وراء وعود الوسطاء.

إيران تراهن على تذبذبه. فريق الصفقة يراهن على انجذابه إلى إعلان انتصار سريع. فريق الأمن القومي يراهن على قدرته هذه المرة على الصمود أمام الإغراءين. الاختبار ليس في عدد العقوبات الجديدة ولا في عدد حاملات الطائرات. الاختبار في ما إذا كان ترامب سيحوّل الضغط الاقتصادي والعسكري إلى استراتيجية متماسكة، أم يمنح الحرس الثوري مرة أخرى الوقت الذي يحتاج إليه لتحويل التفاوض إلى أداة لاستنزاف الولايات المتحدة بدلاً من استنزاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية.