هرمز، حماقة الأيدليولوجيا ودهاء التاريخ
صمم إغلاق مضيق هرمز لإظهار القوة القصوى، لكنه سرعان ما حفز خصومه، على تحويله إلى تهديد عديم الجدوى، بل صار منذ الآن أصلاً متضائلاً، لا سلاحاً متجدداً.
من أسوار القسطنطينية إلى مضيق هرمز: ثلاث لحظات نصب التاريخ فيها فخه للأيديولوجيا.
ثلاث لحظات تاريخية كبرى تختبر بشكل مدهش نظرية دهاء العقل (List der Vernunft)، ودهاء التاريخ لهيغل. حيث يحيك التاريخ ببراعة فخاخه لحماقات القادة العقائديين، وحين يسود منطق القوة على منطق الحكمة فينتقم التاريخ سريعاً! لتنتج الحلول الصفرية نقيضها الصفري وتكون ضربتها هي القاضية.
ثلاث لحظات بينها قرون وتجمعها عبرة واحدة: "دهاء التاريخ"!
اللحظة الأولى
لحظة اختارت القسطنطينية الهزيمة على المصالحة: لم يكن رفض بيزنطة للاتحاد مع روما حادثة عابرة، بل كان نمطاً متكرراً. ففي 1274، فرض الإمبراطور ميخائيل الثامن اتحاد ليون مع الكرسي الرسولي من خلال صك المصالحة بدافع الضرورة السياسية لا القناعة اللاهوتية، وواجه ضغطاً هائلاً من رجال الدين المتشددين والمتعيشين على الصراع. لكنهم سرعان ما أجبروا خليفته أندرونيقوس أن يكون أول ما يقوم به بعد الوصول إلى العرش، التنصل من الاتحاد مع روما.
ثم بعد قرن ونصف من إحباط الاتفاق الزأل، وقع مندوبو القسطنطينية، الإمبراطور يوحنا الثامن والبطريرك يوسف الثاني 1439 مرسوم "لتفرح السماوات" في مجمع فلورنسا الكاثوليكي، مقرين بأولوية البابا وبند "الفيلوك" اللاهوتي.
وسرعان ما أحبط رجال الدين المتشددون، بقيادة مرقص الأفسسي، قبل خمسة أشهر فقط، من سقوط القسطنطينية في كانون الأول/ ديسمبر 1452. غطى الصراع الأيديولوجي ضد روما، صوت "الجحافل العثمانية" تقرع أبواب القسطنطينية.
بل لعل المفارقة الأطرف، أن الفشل الاقتصادي والفساد المستشري في القسطنطينية حرمها من إمكانية دفع كلفة بناء المدافع العملاقة التي عرض المهندس المجري أوربان بناءها دفاعاً عن القسطنطينية! فذهب أوربان وباعها لـ"محمد الفاتح" الذي موله دون تردد؛ ليهدم أسوار المدينة. وبعدما لم تترك القسطنطينية مساراً للمصالحة بسبب تشددها العقائدي، أحجمت روما عن نجدتها بجيوشها.
بدورها تشكلت اللحظة التاريخية الثانية؛ حين صار العثمانيون أكثر اعتداداً بمنطق القوة والسيطرة على مضيق البوسفور 1453. فرضوا رسوماً مهولة مستحلية على التجارة العابرة، فانهارت تجارة طريق الحرير، وانهارت معها تجارة وحضارة جنوة وفلورنسا والبندقية وارتفعت كلفة التوابل الآسيوية في أوروبا.
زود اعتداد العثمانيين بالسيطرة الاستراتيجية التجارية على مضيق البوسفور، دافعاً هائلاً للتجار الإيطاليين للبحث عن طريق بديل. واندفاع البلاطين البرتغالي والإسباني لتمويل المغامرة للالتفاف على "الحاجز الإسلامي"، وهو ما تَوّجه كولومبوس 1492، باكتشاف أميركا، ثم عززه "فاسكو دا غاما" باكتشاف الطريق حول أفريقيا 1498.
لم يقصد محمد الفاتح استرداد الأندلس، ولا توريث إسبانيا والبرتغال نصف كرة أرضية جديدة، وكعادته كان عقل التاريخ أدهى من عزيمة الفاعلين لا من حكمتهم. فبفضل سياسته تشكل الدافع الاقتصادي لاكتشاف أميركا، الذي منح خصومه تفوقاً تاريخياً.
اللحظة الثالثة
في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً جوية على إيران واغتالتا المرشد الأعلى علي خامنئي. ردت طهران بإغلاق فعلي لمضيق هرمز، دون أي وجه حق. ومن منطق تعميم الضرر، زرعت الألغام، هاجمت السفن التجارية، وأعلن الحرس الثوري إغلاق المضيق رسمياً بقرار من البرلمان الإيراني في الرابع من آذار/ مارس. وقفزت أسعار خام برنت إلى نحو 80 و82 دولاراً للبرميل، ووصفت وكالة الطاقة الدولية الأزمة بأنها "أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي".
تداعت الهدنة الأولى في الثامن من نيسان/ أبريل، وانهارت مذكرة تفاهم حزيران/ يونيو في تموز/يوليو، وفرضت واشنطن حصاراً بحرياً على إيران في الثالث عشر من نيسان. ويصف آرون ديفيد ميلر من مؤسسة كارنيغي إيران بأنها تمارس اليوم "سيطرة غير مسبوقة على مضيق هرمز "ضمن استراتيجية متعددة الجبهات تشمل أيضاً التلويح بفتح جبهة بحرية عند باب المندب.
استمرأت طهران استراتيجية حافة الهاوية بالمعنى الذي وصفه توماس شيلينغ: التهديد الموثوق بإغلاق المضيق الذي يستمد قوته من كلفته. لكن، بحسب شيلينغ، ثمة عمر افتراضي للعب على الحافة. فكل جولة تهيئ اللاعبين المنافسين لبناء احتياطي بديل. وهذا ما غفلت عنه طهران!
والآن، وبدلاً من أن تتعزز قيمة ورقة المضيق، تتآكل نقطة الاختناق الإكراهية، وتفقد قيمتها. ومع كل تكرار لدورة من الحرب تتسابق دول الخليج على بناء بنية تحتية دائمة للالتفاف نهائياً على المضيق.
يتضاعف نتاج خط "أدكوب" الإماراتي بين حبشان والفجيرة مرات عدة لأكثر من ثلاثة ملايين وستمئة ألف برميل، مع سبعة مشاريع أنابيب أخرى قيد الإنشاء. ويقترب خط "بترولاين" السعودي، بين أبقيق وينبع من طاقة إسمية بسبعة ملايين برميل يومياً. بل تدرس في منطقة الخليج مسارات جديدة للنفط من الخليج عبر حيفا.
بحلول 2028 ستغطي هذه المشاريع مجتمعة أكثر من ستين إلى سبعين بالمئة من حجم الصادرات. ليخُصم كل برميل يعبر من خارج هرمز اليوم من رصيد الحماقة الإيرانية نهائياً.
صمم إغلاق مضيق هرمز لإظهار القوة القصوى، لكنه سرعان ما حفز خصومه، على تحويله إلى تهديد عديم الجدوى، بل صار منذ الآن أصلاً متضائلاً، لا سلاحاً متجدداً.
وهكذا ثلاثة فاعلين، ثلاث عقائد، تفصلها ستة قرون، لكنها تتكرر الآلية ذاتها: حين يتنقص الحكمة العقل السياسي، ويعوزه التمييز بين المصلحة والهوية، فإن التاريخ يستخدم دهاءه.
بمنطق التحليل الاستراتيجي لنقاط القوة والضعف، يصير النقاء اللاهوتي الذي يغذي الحماسة والحماقة بذات القدر خطراً على مصالح البلاد. لتصير بمجرد تطبيقها نقطة ضعف بنيوية، خاصة بعد أن تصاعدت الرعونة الإيرانية بالهجمات على جيران إيران العرب وضربت عرض الحائط بعروض الوساطة والتهدئة. وفقدت القيادة الإيرانية أية فرصة للتكيف مع المتطلبات الدولية.
والآن ها هي طهران تراهن على الإغلاق كورقة ضغط قصوى بل إنها تنهي صلاحية تلك الورقة إلى الأبد.
لا يعاقب دهاء العقل، بالمعنى الهيغلي، القناعة في ذاتها؛ إنه يعاقب الخلط بينها وبين الإستراتيجيا. وما بين المصلحة والتفاوض من جهة ومنطق العقيدة الأصم تصير قوته أساساً لانتصار خصومه. ومن أسوار القسنطينية إلى طريق الحرير المقطوع إلى هرمز وصهاريج الفجيرة، الدرس واحد لا يشيخ عبر التاريخ.
من المنطق العيغلي، كل ورقة ضغط جيوسياسية تحمل في صلبها ساعة رملية، وما أن تستخدم حتى يبدأ اهتراء قيمتها.
إنها عقدة منطق الحلول الصفرية؟ كان يفترض أن تجيب طهران عن هذا السؤال بحسن الجوار قبل أن تلعب ورقتها، فوحده من يمتلك زمام دهاء العقل، يتجنب أن يكون أداته.
نبض